بقلم:علي نفنوف
غريغوريوس حداد لم يكن رجل دين بالمعنى التقليدي للكلمة بل كان حالة انسانية نادرة خرجت من اطار الكنيسة لتسكن في الشارع وفي البيوت الفقيرة وفي اجساد الجائعين
ولد في دمشق عام 1879 وعاش كاهنا لكنه لم يتعامل مع الكهنوت كسلطة روحية بل كمسؤولية اخلاقية تجاه الانسان اولا لم ير في الايمان طقسا بل فعلا ولم ير في الصلاة بديلا عن الخبز ولا في الوعظ بديلا عن الرحمة
كان يرى ان الله لا يسكن في الخطاب بل في الجسد المتعب وفي اليد الممدودة وفي الكرامة المهدورة لذلك لم يجعل الانسان طريقا الى الله بل جعل الله طريقا الى الانسان
لقب بأب الفقراء لا لانه تحدث عنهم بل لانه عاش بينهم لم ينظر اليهم من موقع الشفقة بل من موقع الانتماء كان يعتبر الفقير شريكا في الحياة لا موضوعا للعطف وكان يرى ان الجوع ليس قدرا بل فضيحة اخلاقية
اسس جمعيات خيرية كثيرة لكن اهم ما فعله انه كسر الحاجز بين الدين والانسان لم يسأل يوما عن عقيدة المحتاج ولم يضع الرحمة داخل حدود الطائفة كان يؤمن ان الانسان يسبق الهوية وان الوجع لا يحمل دينا
قداسته لم تكن قداسة معجزات بل قداسة ضرورة لم يشتهر بالخوارق بل بالفعل اليومي البسيط ان تطعم جائعا وان تؤوي مشردا وان تحمي كرامة انسان من السقوط
غريغوريوس حداد يمثل نموذجا نادرا لما يمكن تسميته القديس الانساني ذاك الذي لا يصعد الى السماء بل ينزل الى الارض لا يتحدث عن الرحمة بل يمارسها لا يعظ عن الحب بل يعيشه خبزا ويدا وصمتا
هو شخصية اخلاقية قبل ان يكون دينية وتجربة فلسفية قبل ان تكون لاهوتية تثبت ان الروحانية الحقيقية لا تقاس بعدد الصلوات بل بقدرتك على ان ترى الاخر وان تعتبر المه شأنك الشخصي
غريغوريوس حداد لم يترك كتبا لكنه ترك اثرا في لحم الحياة وذاكرة الفقراء وضمير المدن التي عرفته
قصة مشهورة:
**رغيف الخبز اهم من الذهب**
في زمن سفر برلك والمجاعة الكبرى التي نهشت الاجساد في الشام ولبنان ظهر رجل لم يفرق بين مئذنة وصليب بل رأى في كل جائع انسانا يستحق الحياة
باع ذهب الكنائس ليشتري خبزا للجياع وعندما عاتبه البعض رفع رغيفا وسألهم بحدة هل كتب عليه للمسيحيين فقط
فتح ابواب الكنيسة الارثوذكسية في دمشق لتتحول الى اكبر مطعم مجاني لم يكتف بالصلاة بل رهن اوقاف الاديرة وباع الاواني الفضية والذهبية ليشتري القمح
كان يؤمن ان ذل السؤال كاف لتحطيم كرامة الفقير فمنع اي شخص من السؤال عن دين المحتاج قبل اطعامه وقال بغضب الا يكفيه ذل السؤال لتذله بسؤال اخر عن عقيدته
وعندما رحل عام 1928 شهدت دمشق جنازة لم يسبق لها مثيل تقدمها علماء المسلمين قبل الكهنة واطلقت الحكومة السورية مئة طلقة مدفع تكريما له وارسل الملك فيصل الاول مئة فارس من العراق للمشاركة في وداعه
لقب بأب الفقراء وبطريرك العرب لا لصلواته بل لان يده كانت تمتد بالخير قبل ان ينطق لسانه بالوعظ
رحل غريغوريوس وبقيت حكمته الخالدة
الرحمة لا تسأل عن الهوية ويد الخير لا ترى الا الوجع

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
