آخر الأخبار
الرئيسية » تربية أخلاقية وأفعال خيرية » هكذا يصبح شهر رمضان مشروعاً متكاملاً لصناعة إنسانٍ أرقى

هكذا يصبح شهر رمضان مشروعاً متكاملاً لصناعة إنسانٍ أرقى

 

المهندس نضال رشيد بكور

لا توجد تهنئةٌ أصدقُ من تهنئةٍ خرجت من فم محمد ﷺ
ولا كلمةٌ أبقى أثراً من كلمةٍ ربطت الزمن بالرحمة ، والعبادة بالكرامة ، والإنسان بربّه.
ومن هذه التهنئة النبوية نستطيع أن نقرأ رمضان قراءةً فلسفيةً تتجاوز الطقس إلى المعنى وتتجاوز الجوع إلى الوعي …
فرمضان زمنٌ يُغشِي الإنسان بذاته
أتاكم رمضان شهرٌ يغشاكم الله فيه
الفعل هنا عجيب : يغشاكم …
كأنّ الرحمة ليست حدثاً عابراً
بل غِطاءٌ يحيط بالإنسان من كل الجهات ..
وهنا تتجلّى الفلسفة الأولى :
رمضان ليس مجرد شهرٍ نمارس فيه العبادة
بل ظرفٌ كونيٌّ تُمارَس فيه علينا الرحمة …
إنه زمنٌ يتبدّل فيه ميزان العلاقة بين السماء والأرض …
تنزل الرحمة ، تُحطّ الخطايا ، يُستجاب الدعاء …
وكأنّ الكون كلّه يدخل حالةَ انفتاحٍ إلهيٍّ استثنائي.
فالخطأ والرجاءهي جدلية السقوط والنهوض
ويحطّ الخطايا
الفلسفة الأخلاقية في هذا التعبير عميقة
فالخطأ في التصور الإسلامي ليس قدراً أبدياً
بل حالة قابلة للمحو.
رمضان يذكّر الإنسان بأن هويته الحقيقية ليست مجموع زلّاته
بل قدرته على التوبة.
الخطايا تُحطّ ، لا لأن الإنسان كامل
بل لأنه يعترف بضعفه …
وهنا يتحوّل الضعف من عيبٍ إلى باب نجاة …
الدعاء لحظة صدق الوجود
ويستجيب الدعاء ..
الدعاء ليس طلباً فحسب
بل اعترافٌ فلسفيٌّ بأن الإنسان ليس مكتفياً بذاته …
إنه إعلان افتقار …
وفي عالمٍ يمجّد الاكتفاء والقوة والاستقلال
يأتي رمضان ليعيد تعريف الكرامة :
الكرامة ليست في الاستغناء عن الله
بل في اللجوء إليه.
وهنا ترى أن المباهاة بالملائكة تكريم الإنسان
ويباهي بكم ملائكته …
هنا يبلغ التكريم ذروته.
الإنسان ذلك الكائن الذي يخطئ يُرفَع مقامه حتى يكون موضع مباهاةٍ في الملأ الأعلى.
الفلسفة هنا واضحة :
قيمة الإنسان ليست في كماله
بل في جهاده
الملَك لا يعصي
أما الإنسان فيجاهد نفسه
ولهذا كانت مباهاة السماء به أعظم.
فإن الشقي من حُرِم فيه رحمة الله
ليس الشقي من فَقَد مالاً
ولا من خسر منصباً
بل من ضيّع فرصة الرحمة حين فُتحت له أبوابها …
هنا ينقلب مفهوم الخسارة رأساً على عقب :
فالخسارة ليست مادية
بل روحية.
رمضان امتحانٌ للانتباه.
الفرصة موجودة
لكن الوعي بها هو الفيصل
فالأمن والإيمان هما فلسفة الاستقرار الداخلي
اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان
الأمن أولاً ثم الإيمان ..
فلا طمأنينة بلا إيمان …
ولا إيمان يترسخ بلا أمن …
إنها دعوة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج
فالسلامة الحقيقية ليست في غياب الخطر
بل في حضور الطمأنينة
رمضان مشروع إنسان …
الصلاة ، الصيام ، تلاوة القرآن …
ليست طقوساً منفصلة .
بل أدوات إعادة بناء الذات ..
الصيام يحرّر الإرادة من عبودية الشهوة …
الصلاة تعيد ضبط البوصلة خمس مرات في اليوم …
القرآن يعيد تشكيل المعنى …
وهكذا يصبح رمضان مشروعاً متكاملاً لصناعة إنسانٍ أرقى.
ختاماً أقول :
التهنئة برمضان ليست مجاملة اجتماعية
بل إعلانُ بداية عهدٍ جديد ..
أن نقول كل عام وأنتم بخير
يعني أن الخير ممكن
وأن الإنسان قادر على أن يكون أفضل مما كان.
رمضان ليس شهراً في التقويم …
بل لحظةً في الوعي ..
ومن أدركه بهذه العين
لم يخرج منه كما دخل.
كل عام وأنتم بخير…
ولكن الخير هذه المرة
خيرٌ يُصنع في الداخل قبل أن يُرى في الخارج
18/2/2026
(أخبار سوريا الوطن2-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صوت العقل والحكمة!

  د.عادل صادق حسن عندما علت أصوات الفتنة وخطابات الكراهية ودعوات الثأر من أغلب المثقفين والمؤثرين, انفرد وتفرد الشيخ الدكتور محمد حبش بفكره النيّر وعقله ...