آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الساعة الرملية..إنسكاب الزمن حبةً..حبةً : حاضرة في الوعي الانساني واستعارة كبرى للوجود نفسه 

الساعة الرملية..إنسكاب الزمن حبةً..حبةً : حاضرة في الوعي الانساني واستعارة كبرى للوجود نفسه 

 

بقلم: علي نفنوف

 

كم الساعه الان…. كمشة رمل في الاعلى وكمشة رمل في الاسفل.. وما بينهما يضيع الوقت

 

الساعة الرملية ليست مجرد اداة بدائية لقياس الزمن بل هي مرآة صامتة لرحلة الانسان في هذا الوجود تقف بين يديه ككائن شفاف يرى فيه انسكاب عمره حبة حبة في صمت مهيب لا يعلن نهايته الا حين يفرغ الجوف العلوي ويستقر الرمل في القاع معلنا ان لحظة ما قد عبرت ولن تعود

 

لم يعرف التاريخ اسما واحدا يمكن نسب اختراع الساعة الرملية اليه فقد ولدت هذه الاداة من رحم الحاجة الانسانية الى فهم الزمن وضبط ايقاعه وتطورت عبر القرون حتى ظهرت بصورتها المعروفة في اوروبا في العصور الوسطى حيث استخدمت على السفن وفي الكنائس وفي الورش والمنازل اذ كانت رفيقة البحارة في اسفارهم الطويلة ومرشدة الوعاظ في تحديد زمن الخطب وشاهدة صامتة على صبر الطهاة وهم ينتظرون نضج الطعام

 

كانت الساعة الرملية بسيطة في بنيتها عظيمة في رمزيتها تعمل بالجاذبية وحدها فلا تحتاج الى قوة خارجية ولا الى صوت يعلن مرور اللحظة بل تترك للرمل ان يؤدي مهمته بهدوء منتظم وكأن الزمن نفسه ينساب عبر عنق ضيق لا يلتفت الى استعجال البشر ولا الى رجائهم في التوقف او العودة

 

ومن هنا نشأت فلسفتها العميقة اذ تحولت من اداة قياس الى رمز للزمن الذي لا يعود وللعمر الذي يتناقص وللفرص التي تتسرب من بين الاصابع كما تتسرب حبات الرمل من زجاج شفاف وكل حبة تسقط هي لحظة من حياة الانسان لا يمكن استعادتها وحين تنقلب الساعة يبدأ زمن جديد وكأنها تهمس للروح بان لكل نهاية امكانية بداية اخرى وان للانتهاء وجها اخر من وجوه التجدد

 

في الصور واللوحات الفنية حضرت الساعة الرملية بوصفها اشارة الى فناء العمر وقصر الرحلة الارضية وكثيرا ما رافقتها الجمجمة او ظل انسان يتأملها في صمت لتصبح علامة على الوعي بالزمن والخوف من انقضائه وعلى تلك العلاقة الغامضة بين الحياة والموت وبين الحضور والغياب وفي الفن كانت الساعة الرملية تضع الانسان وجها لوجه امام مصيره بلا خطاب ولا موعظة

 

وفي عالم الاحلام تظهر الساعة الرملية كرمز داخلي للقلق من ضياع الوقت او الخوف من تأخر ما ينتظر او الشعور بان الفرصة توشك ان تنفد وقد تكون اشارة الى رغبة دفينة في قلب الزمن والعودة الى لحظة فائتة او البدء من جديد قبل ان ينتهي كل شيء فالحلم هنا لا يقدم تنبؤا بل يعكس حالة نفسية يعيشها الحالم في وعيه او لا وعيه

 

اما في الاسطورة والادب فقد ارتبطت الساعة الرملية بصورة الزمن والموت والقدر وظهرت في يد شخصيات رمزية تمثل النهاية المحتومة او العد التنازلي للحياة وكأن البشرية منذ بداياتها كانت تبحث عن صورة تجسد ذلك العدو الهادئ الذي لا يرى ولا يسمع لكنه يحكم كل شيء

 

في الشعر والادب استلهم كثير من الشعراء والكتاب رمزية الساعة الرملية حتى حين لم يذكروها صراحة فقد كتب شكسبير عن الزمن الذي يسرق الجمال ويهزم الشباب وكتب جون دن عن اقتراب النهاية وفناء الجسد واستحضر بودلير قلق اللحظة العابرة وهشاشة العمر وفي الادب العربي تجلت فكرة الزمن الراحل والفقد والذاكرة في نصوص كثيرة حملت روح الساعة الرملية دون ان تنطق باسمها

 

وفي الادب الحديث عادت الساعة الرملية في قصص الخيال والفانتازيا كاداة سحرية تعيد الزمن او تمنح فرصة ثانية لكنها في جوهرها كانت تكرر السؤال ذاته ماذا نفعل حين نمتلك القدرة على قلب الساعة وهل تتغير حياتنا حقا ام نكرر الاخطاء ذاتها بوجه جديد

 

وهكذا تبقى الساعة الرملية حاضرة في الوعي الانساني اكثر من كونها اداة زمنية انها استعارة كبرى للوجود نفسه تعلمنا ان الزمن ليس عدوا مرئيا بل صديق صامت يرافقنا حتى النهاية وان كل لحظة تمر ليست خسارة بالضرورة بل امكانية ان نعي قيمة اللحظة التالية قبل ان تسقط هي الاخرى في القاع.

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن١)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الواقع الثقافي في منبج.. غنى إبداعي ومأزق مؤسساتي

خضر الجاسم: عبّر شعراء وكتّاب في مدينة منبج بريف حلب الشرقي عن حزنهم العميق لوفاة السياسي والشاعر حسن النيفي، مؤكدين أن إرثه الشعري والنضالي سيبقى حاضراً في ...