آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » العفو العام وحدود الإعلان الدستوري

العفو العام وحدود الإعلان الدستوري

أثار قرار العفو العام الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع مع دخول شهر رمضان نقاشاً سورياً واسعاً، ليس بسبب مضمونه المباشر فحسب -وهو عفوٌ محصورٌ في قضايا جنائية محددة وبشروطٍ مدروسة، لا تمسّ حقوق الضحايا ولا الجرائم الواقعة على السوريين- وإنما بسبب سؤالٍ دستوريٍ طرحه بعض النشطاء والحقوقيين: هل يتضمن الإعلان الدستوري أصلاً صلاحية إصدار مثل هذا العفو؟

هذا الاعتراض، بصيغته القانونية، لا يطعن في فكرة العفو بذاتها بقدر ما يطعن في مرجعيته النصّية. لكنه، في العمق، يفتح نافذةً أوسع على طبيعة اللحظة التي تعيشها سوريا، كلحظة تأسيسٍ حيّة تتقدم فيها القرارات السياسية الثقيلة أحياناً على اكتمال البنية الدستورية التي يُفترض أن تؤطرها.

فالإشكال هنا ليس حول عفوٍ شاملٍ عن انتهاكاتٍ أو عن جرائم سياسية أو حقوقية، وهو ما لا يتضمنه القرار أصلاً، وإنما حول موقع هذا القرار داخل هرم الشرعية القانونية في طورٍ لم يكتمل فيه هذا الهرم بعد. ومن هنا، يصبح الجدل مثالاً نموذجياً على تلك “المنطقة الرمادية” التي تعيشها كل الدول الخارجة من الانهيار، حيث يتجاور النصّ التأسيسي الطامح إلى الضبط، مع واقعٍ انتقاليٍ يفرض قراراتٍ عاجلةً لإدارة المجتمع وإبقاء الدولة قابلةً للعمل. وفي هذه المنطقة تحديداً تُدار القرارات السياسية الثقيلة، لأن القانون نفسه ما يزال في طور التشكل، وليس لأنها خارج القانون.

إن الدولة التي تولد من ثورةٍ أو من تحررٍ جذري لا تبدأ من صفحةٍ دستوريةٍ مكتملة، إنها تبدأ من إعلانٍ معياريٍّ يرسم الاتجاه العام، ثم تدخل في مسارٍ طويلٍ لتحويل هذا الاتجاه إلى نظامٍ مؤسساتيٍ تفصيلي. وخلال هذا المسار، تظهر حتماً فجواتٌ بين النصّ والصلاحيات الفعلية، بين المبادئ والإجراءات، بين ما كُتب وما يجب فعله فوراً لضبط المجتمع.

وهذه الفجوات ليست شذوذاً سورياً بقدر كونها سمةً بنيوية لكل لحظات التأسيس: حيث تضطر السلطة الانتقالية إلى اتخاذ قراراتٍ ضروريةٍ قبل أن تكتمل القوالب القانونية التي ستنظمها لاحقاً.

وفي هذا السياق، يمكن فهم قرار العفو بوصفه يتحرك داخل هذه المنطقة نفسها: منطقة التوتر الدائم بين النصّ والضرورة. فالإعلان الدستوري يرسم أفق العدالة وسيادة القانون، لكنه لا يستطيع -في طوره الأول- أن يتضمن كل أدوات إدارة المجتمع الخارج من انهيارٍ طويل. وفي المقابل، لا تستطيع السلطة الانتقالية أن تجمّد قراراتها حتى يكتمل البناء الدستوري التفصيلي، لأن المجتمع نفسه يحتاج إدارةً فوريةً تمنع الانفلات وتتيح إعادة الدمج وتخفيف العبء الجنائي المتراكم. وهنا تحديداً يتولد الاحتكاك بين شرعيةٍ نصّيةٍ قيد التشكل، وشرعيةٍ وظيفيةٍ تفرضها الحاجة إلى استمرار الدولة.

إن النقاش السوري حول صلاحية العفو يكشف، في جوهره، هذا الاحتكاك البنيوي ذاته. فالمعترضون ينطلقون من منطقٍ دستوريٍ مفهوم يتمثل في أن الشرعية الجديدة يجب أن تلتزم حدود النصّ الذي أعلنها. بينما ينطلق مؤيدو القرار من منطقٍ انتقاليٍ لا يقل مشروعية، ويتمثل، بدوره، في أن السلطة التأسيسية تضطر أحياناً إلى ممارسة صلاحياتٍ أوسع من النصّ الأولي لضبط الواقع الذي لم يُنظم بعد. وبين هذين المنطقين لا يوجد تعارضٌ مطلق حقيقي بقدر كون القضية توتراً طبيعياً، هو، بحد ذاته، جزءٌ من عملية التحول نفسها.

وهنا تتجلى قيمة المثال السوري. فقرار العفو، بحدوده الضيقة وشروطه المدروسة، لا يمسّ جوهر العدالة ولا حقوق الضحايا، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز القراءة الحرفية الضيقة للإعلان الدستوري كما يفهمها بعض الحقوقيين. وهذا التباين لا يعني بالضرورة نقضاً للإعلان، لأنه، ببساطة، يوضح أن النصّ التأسيسي لا يعمل في فراغٍ ثابت، وإنما داخل واقعٍ متحرك يفرض على السلطة الانتقالية قراراتٍ تنظيميةً قبل أن تكتمل الأطر الدستورية التفصيلية التي ستُقنِّنُها لاحقاً.

إن ما يحدث هنا هو مثالٌ واضح على “منطقة التوتر الدائمة التي تُدار فيها القرارات السياسية الثقيلة” في كل لحظات التأسيس، وهي منطقةٌ يكون فيها الخيار بين قانونٍ قيد التشكل وضرورةٍ لا تنتظر، وليس بين قانونٍ كاملٍ أو فوضى. وفي هذه المنطقة، لا يصبح التحدي الحقيقي في إلغاء التوتر، وإنما في كيفية إدارته دون أن يتحول إلى كسرٍ للشرعية أو إلى شللٍ للدولة.

ولذلك، فإن النقاش حول العفو -إذا بقي في إطاره القانوني الرصين- هو بحد ذاته جزءٌ صحي من مسار التأسيس، لأنه يذكّر السلطة بحدود النصّ الذي تستند إليه، ويذكّر المجتمع في المقابل بأن النصّ نفسه يولد داخل واقعٍ لم يستقر بعد. غير أن الخطر يكمن في تحويل التوتر المذكور إلى اتهامٍ متبادلٍ بنقض الثورة أو نقض القانون؛ لأن لحظات التأسيس تُدار بوعيٍ أن الشرعية نفسها تُبنى تدريجياً عبر التفاعل بين النصّ والقرار، وليس بتلك الثنائيات الحادة.

وعليه، فإن قرار العفو في سوريا اليوم لا ينبغي قراءته بوصفه خروجاً على الإعلان الدستوري، ولا بوصفه تطبيقاً مثالياً له، فهو قرارٌ انتقاليٌ يتحرك داخل المساحة التي لم يحسمها النصّ بعد. وهذه المساحة هي نفسها التي تتشكل فيها الدولة الجديدة، ليس عبر تطابقٍ فوريٍ بين القاعدة والواقع، وإنما عبر مسارٍ متدرجٍ يُعاد فيه ضبط العلاقة بينهما.

إن المجتمعات تعبر إلى الدولة الجديدة عبر جدلٍ مؤلمٍ بين ما تأمله ثوراتها وما تستطيع دولها الناشئة أن تحمله، وذاك عبورٌ لا يحصل دفعةً واحدة. وسوريا تعيش اليوم لحظةً لا تزال فيها القواعد تُصاغ بينما الدولة تعمل، والمؤسسات تتكون بينما المجتمع يتحرك. وفي مثل هذه اللحظة، ستظهر حتماً قراراتٌ تسبق النصوص، ونصوصٌ تلحق بالقرارات. وهذه ليست علامة خللٍ بالضرورة، إنها، في الحقيقة، علامة أن التأسيس نفسه جارٍ.

والسؤال الذي يبقى هو: هل يُدار هذا التوتر بوعيٍ يحفظ أفق العدالة وسيادة القانون؟ أم يتحول إلى صراعٍ يكسر الثقة بين الدولة والمجتمع؟ هنا، وليس في وجود العفو ذاته، يكمن الامتحان الحقيقي للمرحلة السورية الراهنة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مخاوف ديمغرافية..!!

    علي عبود   يتحدث المحللون كثيرا عن مخطط صهيوني لإقامة “إسرائيل الكبرى” التي ستضم مساحات واسعة من الدول العربية، لكنهم لايجيبون على السؤال: ...