عاصم الزعبي ومها سلطان
لا تكاد محافظة السويداء تغيب عن واجهة التغطية الإعلامية حتى تعود إليها عبر تقارير تتحدث عن “مفاوضات غير معلنة” أو “تفاهمات قيد الإنجاز”، غالباً استناداً إلى مصادر توصف بأنها خاصة أو مطّلعة. وفي كل مرة تُطرح روايات عن ترتيبات جديدة أو صيغ لإدارة محلية موسّعة، من دون أن تُرفق بوثائق رسمية أو مواقف معلنة يمكن الركون إليها للتحقق. وفي المقابل، يبقى المسار الوحيد الذي أُعلن كونه إطاراً للتفاهم هو ما يُعرف بمبادرة عمّان الثلاثية، التي وُقّعت في العاصمة الأردنية خلال شهر آب الماضي، إلى جانب تصريحات متفرقة لمسؤولين محليين عن قرب استعادة انتظام عمل مؤسسات الدولة داخل المحافظة.
وخلال الأيام الماضية، تزامن تداول هذه التقارير مع تصريحات لمحافظ السويداء مصطفى البكور حول الوضع الخدمي والأمني، ومع حادثة خطف طالت القائد السابق لحركة “رجال الكرامة” يحيى الحجار قبل أن يُحرَّر بعد ساعات من استنفار الحركة. وبينما تتقاطع هذه الوقائع مع حديث عن ملف محتجزين وتبادلات محتملة، يظل العنصر الأبرز هو غياب أي بيان رسمي يثبت أو ينفي ما يتردد عن طبيعة المفاوضات، أو حدود الصلاحيات المقترحة، أو الجهة الضامنة لها.
مبادرة عمّان: الإطار المعلن الوحيد
بحسب ما يتداوله سياسيون وإعلاميون، تمثل “مبادرة عمّان الثلاثية” الخطة الرسمية الوحيدة التي يجري تقديمها كونها أساساً لمعالجة ملف السويداء. ويُقال إن المبادرة نتجت عن لقاءات في الأردن خلال آب، وأنها رسمت خطوطاً عامة لعودة تفعيل مؤسسات الدولة، وتثبيت ترتيبات أمنية، وتخفيف التوتر عبر مقاربات تدريجية. كما أشار مدير الأمن في السويداء سليمان عبد الباقي، في حديث نُقل عنه قبل أيام، إلى أن “الدخول إلى مدينة السويداء بات قريباً”، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعة هذا “الدخول” أو آلياته أو توقيته.
ورغم تكرار الإحالة إلى هذا المسار، لا تتوافر حتى الآن نسخة منشورة من وثيقة المبادرة أو بنودها التفصيلية. كما لم تصدر تصريحات متطابقة من الجهات الرسمية المختلفة توضح مستوى الالتزام بما نُشر عنه، أو تبيّن ما إن كان قد طرأ عليه تعديل، الأمر الذي يترك مساحة واسعة لتأويلات متباينة، ويعزز حساسية التعامل الإعلامي مع الموضوع.
في هذا السياق، نقل موقع “روسيا اليوم” عن مصادر وصفها بالخاصة من السويداء أن الحكومة السورية وما يُسمّى “الحرس الوطني” المرتبط بالشيخ حكمت الهجري “قطعا مراحل متقدمة” للتوصل إلى صيغة تقوم على منح السويداء إدارة خاصة بصلاحيات أمنية وإدارية واسعة، مقابل الإبقاء على ارتباطها الدستوري بدمشق. وأضاف التقرير أن المباحثات تناولت إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في المحافظة، و”قوننة” العلاقة بين الفصائل المحلية والأجهزة الرسمية، مع توسيع صلاحيات المجلس المحلي في الشؤون الخدمية، مقابل بقاء القرارات السيادية في يد السلطة المركزية.
ووفق الرواية ذاتها، فإن ترتيبات الحضور الأمني الرسمي ستُنفذ تدريجياً وبصورة “غير لافتة” في بداياتها، عبر دخول عناصر الأمن العام إلى مؤسسات تُعد محورية مثل السجل المدني والمالية والقضاء. وتحدثت المصادر نفسها عن طرح مسألة السلاح الموجود لدى فصائل محلية، وإمكانية تسوية أوضاع عناصرها قانونياً عبر دمجهم في أجهزة الدولة وفق معايير مهنية، أو منحهم عقود عمل محددة داخل المحافظة تحت إشراف رسمي.
معلومات مشابهة وردت أيضاً في جريدة “النهار” اللبنانية، التي قالت إنها استندت إلى مصادر خاصة من السويداء. وذكرت الصحيفة أن المفاوضات “ما تزال جارية” وبـ”ضمان أميركي”، وفق خريطة الطريق التي رسمها اللقاء الثلاثي في الأردن، وأنها تُجرى بعيداً عن الإعلام. وأضافت أن ما يجري يبقى مشروطاً بتراجع الهجري ومن معه عن أي مطالب تتصل بانفصال المحافظة عن الدولة السورية، مع إشارة إلى مخاوف من تدخلات خارجية قد تربك المسار.
نفي الحصار والأرقام تتحدث
إزاء هذا السيل من التفاصيل، لم يصدر حتى الآن تصريح رسمي من الحكومة السورية أو من مؤسساتها الأمنية يؤكد أو ينفي ما نُشر حول صيغ الإدارة الخاصة أو الضمانات أو مراحل إدخال قوات الأمن.
على خط موازٍ، صدرت تصريحات عن الرئيس الروحي لدروز إسرائيل موفق طريف لوكالة “فرانس برس”، قال فيها إن أبناء الطائفة الدرزية في جنوب سوريا “ما زالوا محاصَرين بالكامل”، وإنه “لا يُسمح لهم بإدخال أي مساعدات إنسانية، بما في ذلك المساعدات التي نحاول نحن إيصالها”. وفي المقابل، اعتبر طريف أن الطائفة “لا تحتاج إلى قوات أمن حكومية” في المنطقة، قائلاً: “لدى الدروز قوات قادرة على الدفاع عنهم والحفاظ على النظام”، واصفاً عناصر الجيش السوري بأنهم “جهاديون وعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية”.
هذه التصريحات أثارت ردوداً داخل أوساط سورية، من بينها ما كتبه الكاتب والباحث ضياء قدور على صفحته في “فيسبوك”، إذ رأى أن حديث طريف “يعكس اعتماداً على مصادر تحريضية وطائفية” داخل السويداء. واستشهد قدور بوقائع أمنية حديثة، مثل مقتل الشيخ المتني واختطاف يحيى الحجار، ليؤكد أن الدعوة إلى قوة محلية حصرية “لا يساندها الواقع”، وفق تعبيره. كما ذهب قدور إلى القول إن أي صراع داخلي محتمل قد يأخذ طابعاً حاداً بين مكونات محلية، في قراءة تمثل رأياً سياسياً لا موقفاً رسمياً.
وسط تضارب الروايات حول “حصار” السويداء، نفى محافظ السويداء مصطفى البكور فرض حصار على المحافظة. وقال إن الطريق إلى السويداء مفتوح، وإن المواد الأساسية، وفي مقدمتها الطحين، تدخل بشكل منتظم “ومن دون عوائق”. وأوضح أن الكميات التي ترد إلى المحافظة تتراوح بين 500 و600 طن من الطحين أسبوعياً، وأن البضائع والمواد الإغاثية تستمر بالدخول “بشكل طبيعي”.
وفي حديث لقناة “الإخبارية السورية”، أشار البكور إلى أن المحافظة تشهد حالة من عدم الاستقرار بسبب نشاط مجموعات “خارجة عن القانون”، بحسب توصيفه، لافتاً إلى وجود أصوات داخل السويداء ترفض هذه الممارسات وتطالب بإعادة الأمن وتفعيل مؤسسات الدولة. وأضاف أن بعض المجموعات تمارس ضغوطاً على الأهالي، وتتهم المعارضين لها بالخيانة، مدفوعة بمصالح يغلب عليها الطابع الشخصي، وتستخدم شعارات مرتبطة بالكرامة ودماء الضحايا لتكريس نفوذها.
دعوة إلى حوار وملف محتجزين
تحدث محافظ السويداء أيضاً عن مبادرة رسمية لإطلاق حوار يجمع أبناء السويداء، بهدف معالجة التحديات القائمة والتخفيف من معاناة الأهالي، مشدداً على أن الحوار يبقى الطريق الأمثل لطرح الهواجس والمطالب “بشكل مسؤول”. وقال إن الدولة مستعدة للإفراج عن محتجزين من الجانبين، لكنه أشار إلى وجود عوائق داخلية تحول دون إتمام هذه العملية، رغم تواصل عدد من ذوي المحتجزين مع المحافظة للمطالبة بحل الملف.
وتندرج هذه الإشارات ضمن ما تطرحه تقارير إعلامية عن أن تبادل المحتجزين قد يكون خطوة أولى في مسار أوسع، إلا أن التفاصيل المتعلقة بعدد المحتجزين، والجهة التي تتولى التفاوض، والمعايير القانونية لأي تسوية محتملة، ما تزال غير معلنة، ما يضع المتلقي أمام مساحة رمادية بين الخبر المؤكد والتوقعات.
وفيما تتحدث تقارير عن إدخال تدريجي لقوات الأمن العام إلى مرافق محددة، يشير متابعون داخل المحافظة إلى أن القضايا الأكثر حساسية لا تتعلق فقط بالانتشار الأمني، بل أيضاً بقدرة الإدارات المحلية على تشغيل الدوائر الخدمية وحماية العاملين فيها من الضغوط. وتبرز هنا ملفات يومية مثل انتظام عمل السجل المدني والمالية والمحاكم، وتأمين المحروقات والمواد الطبية، وفتح الطرق أمام حركة البضائع. وفي أكثر من مناسبة، قالت السلطات المحلية إن قوافل مساعدات ومحروقات دخلت إلى بعض مناطق الريف، وإن أعمال ترميم محدودة طالت منازل وبنى تحتية تضررت خلال السنوات الماضية، غير أن حجم هذه التدخلات ومدى استدامتها يظل موضع نقاش بين الأهالي.
كما يلفت صحفيون محليون إلى أن كثرة التسريبات تضع الأهالي بين موجات أمل ومخاوف متجددة، وتفتح الباب أمام استثمار سياسي وإعلامي للخبر غير المؤكد. لذلك يصبح ضبط المصطلحات، وتحديد ما هو رأي وما هو معلومة، شرطاً لحماية النقاش العام من الاستقطاب وعدم الانجرار إلى أحكام قاطعة قبل التثبت تماماً.
حادثة خطف الحجار وتوتر داخل المحافظة
أبرز ما طغى على المشهد الأمني مؤخراً حادثة خطف القائد السابق لحركة “رجال الكرامة” يحيى الحجار من مزرعته في بلدة شنيرة، وفق ما أعلنته الحركة. وقالت الحركة إنها استنفرت عناصرها وتمكنت من تحرير الحجار من خاطفين نسبتهم إلى تشكيل ما يسمى “الحرس الوطني” الخارج عن القانون. وبعيد الحادثة، طالب القائد العام للحركة الشيخ مزيد خداج (أبو ذياب) بحلّ “المكتب الأمني” التابع لـ”الحرس الوطني”، ووقف حملات التخوين التي تستهدف الحركة ومشايخها.
وفي شريط مصور، شدد خداج على ضرورة حل المكتب الأمني “بشكل فوري”، معتبراً أن وجوده يشكل عامل توتر ومصدراً لمشكلات أمنية في المنطقة. كما طالب بوضع حد لحملات التشهير التي تستهدف الحركة وقادتها، محذراً من أن هذه الحملات قد تُضعف التماسك الاجتماعي داخل المحافظة.
في بعض التحليلات، تظهر مقارنة متكررة بين مسار السويداء ومسار التعامل مع تنظيم “قسد”، من زاوية أن الدولة السورية قد تتجه إلى ترتيب ملفات داخلية تباعاً. غير أن هذه المقارنة تبقى، في أغلبها، جزءاً من خطاب سياسي وإعلامي لا يعكس بالضرورة خطة رسمية معلنة، خصوصاً أن لكل ملف خصوصياته الجغرافية والاجتماعية والأمنية، إضافة إلى اختلاف توازنات الفاعلين المحليين والإقليميين.
وفي هذا السياق، قال الدكتور إليان مسعد، منسق “الجبهة الديموقراطية العلمانية”، في حديث لـ”الثورة السورية”، إن تصريحات المحافظ تعكس رؤية الحكومة للواقع الميداني والخدمي في المحافظة، ومحاولة لرسم مقاربة للتعامل مع الملفات العالقة. ورأى مسعد أن من أبرز رسائل التصريحات إعادة التأكيد على أن العائق الأساسي أمام الاستقرار هو الفوضى وتعطيل المؤسسات، وأن الدولة “جاهزة” لعملية تبادل المحتجزين، بينما توجد أطراف داخلية تعرقلها، وفق تقديره. كما أشار إلى أن الأدوات المطروحة حكومياً تشمل الحوار الاجتماعي، والتواصل مع الوجهاء، ودعم المحافظة بالمواد الأساسية.
حتى اللحظة، يمكن تلخيص المشهد في ثلاث طبقات متداخلة: تقارير تتحدث عن مفاوضات وتفاهمات بصيغ تفصيلية من دون تأكيد رسمي؛ تصريحات رسمية محلية تركز على نفي الحصار، وتوصيف الوضع الأمني، والدعوة إلى حوار وتبادل محتجزين؛ ووقائع ميدانية تشير إلى توتر أمني وتنافس بين مجموعات محلية، يترافق مع سجالات إعلامية وتصريحات خارجية تزيد من الالتباس.
بالمحصلة، لا بد من تمييز مستويين متداخلين في قراءة تطورات ملف السويداء، وفق فريق واسع من المراقبين. الأول المتعلق بالدولة وتحركاتها الداخلية عطفاً على سياسات خارجية تعمل على تشبيكها مع ملف السويداء في سبيل تيسير الحل والتسوية. والمستوى الثاني هو الأميركي الذي يتبنى سياسة دعم معلنة للدولة السورية والذي يجب أن تنضوي تحتها جميع المجموعات (الكيانات الموازية) لتكون هي الساحة الوحيدة للتفاوض والنقاش العام. هذا تطور مهم للغاية ليس فقط لأنه يدعم الدولة بل لأنه يعمل على ضبط مسار التشتت بين فاعلين محليين وإقليميين ودوليين وبما يوّحد السيناريوهات باتجاه واحد هو وحدة سوريا واستقرارها.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
