عبد الجبار الجزماتي
مع حلول شهر رمضان من كل عام تستعيد مدينة حماة طابعها الروحاني الخاص، الذي تتميز به كمدينة عُرفت عبر التاريخ بتماسكها الاجتماعي ومحافظتها على العادات والتقاليد المتوارثة جيلاً بعد جيل.
وفي حماة لا يُنظر إلى الشهر الكريم على أنه شهر للصيام فحسب، ففيه تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى طقوس اجتماعية تعكس هوية المدينة في إحياء الروابط الأسرية، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، واستعادة الذاكرة الشعبية التي تختزنها بيوت هذه المدينة.
المائدة العائلية.. قلب المشهد الرمضاني
يصف معتز الحموية، وهو ستيني من أبناء المدينة، المشهد بقوله: “إن حماة تصطبغ في رمضان بصبغة المجتمع المحافظ أكثر من أي وقت آخر”، مشيراً إلى أن الطابع العائلي يظل السمة الأبرز التي تميز الشهر في حماة.
ويوضح في حديثه لـ«الثورة السورية» أن العادات الرمضانية لا تزال تُحفظ جيلاً بعد جيل، رغم تغير أنماط الحياة وتسارع إيقاعها، ويضيف الحموية أن الإفطار خارج المنزل يُعد خياراً نادراً لدى معظم العائلات الحموية، إذ تُعد المائدة المنزلية جزءاً أصيلاً من هوية رمضان، وأن اجتماع أفراد الأسرة حول طبق واحد، وتبادل الأحاديث قبيل أذان المغرب، يمثلان طقساً يومياً يحمل أبعاداً تتجاوز الطعام ذاته ليصبح مساحة لتعزيز الروابط وتجديد الألفة.
ومن أبرز التقاليد التي ما زالت حاضرة بقوة، بحسب الحموية، نظام تناوب الدعوات بين الإخوة والأخوات وأفراد العائلة الممتدة، حيث يُخصص لكل بيت يوم محدد لاستضافة بقية الأقارب، كما يحظى بيت الجد، وهو المنزل الكبير الذي يجمع العائلة الأم، بمكانة خاصة، إذ يُحدد له يوم أسبوعي يجتمع فيه جميع أفراد الأسرة في تقليد راسخ يعزز روح الانتماء ويكرّس مفهوم العائلة الواحدة.
ويؤكد أن هذه اللقاءات لا تقتصر على تبادل الطعام، بل تشكل فرصة لمناقشة شؤون العائلة، وتصفية الخلافات إن وجدت، وتعليم الأبناء الصغار معنى صلة الرحم، ويقول: “رمضان هو الشهر الذي نعيد فيه دفء العلاقات”، مضيفاً أن المحافظة على هذه العادات تمثل بالنسبة لكثيرين في حماة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مجرد تقليد اجتماعي.
“عشا صايم”.. طقس حموي يعلن بدء رمضان
ومع إعلان ثبوت هلال شهر رمضان المبارك تتجه أنظار الأهالي إلى الليلة الأولى في الشهر الفضيل وأولى صلوات التراويح، حيث يتجمع أهالي الحي الواحد عند صلاة العشاء في المساجد لتبادل التهاني والتبريكات بحلول شهر الصيام، وتبدأ الطقوس التي تميز هذا الشهر عن سواه في حماة، وأولها ما يُعرف بـ”عشا صايم”، وهو تقليد اجتماعي عريق ما زال محافظاً على مكانته لدى الأهالي.
تقول أم طارق الخاني، ربة أسرة، إن هذا التقليد متوارث منذ أجيال وتحرص العائلات على إحيائه مع حلول أول ليلة من رمضان، وتوضح خلال حديثها مع «الثورة السورية» أن الأسرة، فور إعلان دخول الشهر، تستعد لإعداد سحور الليلة الأولى بطريقة خاصة تختلف عن بقية أيام الشهر، فيما يُعرف بين الأهالي بـ”عشا صايم”.
ويقوم هذا التقليد على إعداد وجبة دسمة وغنية غالباً ما تكون من اللحوم أو الأطباق التي تحتاج إلى وقت وجهد في التحضير، لتكون بمثابة احتفاء ببداية الصيام.
“السكبة”.. مبادرات مجتمعية قديمة
وتشير الدكتورة روعة سلطان، مديرة جمعية حماة للخدمات الاجتماعية، إلى أن ملامح رمضان في حماة شهدت تحولات واضحة بين الماضي والحاضر، لا سيما في طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء السكنية، وتوضح سلطان في حديثها لـ«الثورة السورية» أن أحد أبرز الفروق يتمثل في تراجع نظام “السكبة” التقليدي بصيغته القديمة، والذي كان يشكل نموذجاً متكاملاً للتكافل الاجتماعي بين العائلات.
فبعكس المفهوم الشائع اليوم، حيث تقتصر “السكبة” على إرسال طبق من الطعام إلى الجيران قبيل الإفطار، كان هذا النظام سابقاً قائماً على تنسيق جماعي بين أسر الحي الواحد، وتشرح قائلة: “في الماضي، كانت العائلات تتفق ضمنياً أو صراحة على تنويع الأطباق؛ فإحدى الأسر تُعد الحساء، وأخرى تتكفل بالطبق الرئيسي، وثالثة تُحضّر الحلويات، ثم يجري تبادل الأطباق بين الجميع، وبهذا الشكل تصبح مائدة كل منزل غنية ومتنوعة وكأن الحي بأكمله يجلس إلى طاولة واحدة”.
وتضيف أن “السكبة” القديمة كانت تُرسّخ مفهوم الشراكة المجتمعية وتخفف الأعباء عن الأسر محدودة الدخل، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، كما كانت تعزز الروابط اليومية بين الجيران، إذ لا يمر الإفطار دون تواصل مباشر وتبادل أطباق تترافق غالباً مع كلمات ودعوات طيبة.
وترى سلطان أن تراجع هذا النظام يعود إلى تغير نمط الحياة وتسارع وتيرته، إضافة إلى تقلص مساحة العلاقات اليومية بين الجيران في بعض الأحياء الحديثة، ومع ذلك تؤكد أن روح “السكبة” لم تختفِ تماماً، بل ما تزال حاضرة بأشكال أبسط تعكس استمرار الحاجة إلى التضامن الاجتماعي، ولا سيما في شهر رمضان.
الحلويات الرمضانية
ولا تكتمل صورة رمضان، كما يقول أبو طلال، صاحب محل لبيع الحلويات، من دون طبق حلوى يتوسط المائدة بعد الإفطار، إذ تحتفظ المدينة بسمعة عريقة في صناعة الحلويات الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم، وفي مقدمتها “الهيطلية” و”القطايف”.
ويقول أبو طلال، الذي يملك محلاً تقليدياً في سوق المدينة لبيع الحلويات منذ أكثر من ثلاثين عاماً، إن الهيطلية من أكثر الحلويات حضوراً على الموائد الرمضانية في حماة، وهي حلوى تعتمد في أساسها على الحليب والنشاء والسكر، تُزيّن عادة بالفستق الحلبي وجوز الهند، وتُقدّم باردة بعد الإفطار، وتمتاز بقوامها الخفيف الذي يجعلها مناسبة بعد يوم طويل من الصيام.
ويشير إلى أن سرّها يكمن في بساطتها، إذ تعتمد أولاً على جودة الحليب وعلى التوازن بين القوام والطعم دون إضافة مكونات كثيرة، ويزداد الإقبال عليها في النصف الأول من رمضان، حيث يفضلها كثيرون كحلوى خفيفة مقارنة بالأصناف المقلية أو الثقيلة.
القطايف سيدة المائدة الرمضانية
أما القطايف فهي الحلوى الأكثر ارتباطاً بذاكرة رمضان في حماة، حيث تُحشى تقليدياً بالجوز أو القشطة ثم تُقلى وتُغمر بالقطر، ويؤكد أبو طلال أن “القطايف كانت في الماضي محدودة الحشوات، نبيع منها نوعين أو ثلاثة فقط؛ الجوز والقشطة وأحياناً الجبنة، وكان الناس يفضلون الطعم الكلاسيكي الذي اعتادوا عليه منذ الطفولة، أما اليوم فأصبح لدينا نحو عشرة أنواع”.
ومع تغير الأذواق وتطور صناعة الحلويات دخلت أصناف جديدة إلى السوق الحموية متأثرة بالمدارس الحديثة في صناعة الحلويات العربية والغربية، وظهرت قطايف محشوة بالكريمة المخفوقة أو مغطاة بطبقات من الشوكولا، بل وأخرى تُقدّم بطريقة “الكيك” مع طبقات من الكريمة.
ويشرح أبو طلال هذا التحول بقوله: “الجيل الجديد يحب التجديد والمظهر الجذاب، لذلك بدأنا نضيف الكريمة ونستخدم الشوكولا السائلة، وحتى نبتكر قطايف على شكل قالب كيك، فالسوق يفرض علينا مواكبة التطور”، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الطلب على الأصناف التقليدية ما يزال قوياً، خاصة لدى كبار السن والعائلات المحافظة على النكهة الأصلية رغم كل الإضافات.
ويرى صانعو الحلويات أن التحدي اليوم يكمن في تحقيق توازن بين الحفاظ على الطابع التراثي للحلوى الحموية وتلبية رغبات المستهلكين الباحثين عن التنوع، فبين طبق الهيطلية التقليدي وقطعة القطايف المغطاة بالكريمة تتجسد معادلة تجمع الماضي بالحاضر على مائدة واحدة.
الصيام على درجات المئذنة
يرى عبد السلام زيدان، مدرس اللغة العربية، أن إشراك الأطفال، وخصوصاً من يصومون للمرة الأولى، في أجواء الشهر الفضيل يعد من الأولويات لدى الأهالي، ويؤكد أن العائلات تولي أهمية خاصة لتعليم الصغار معاني الصيام وقيمه منذ سن مبكرة، بهدف ترسيخ مفهوم العبادة والمسؤولية تدريجياً في نفوسهم.
وبحسب زيدان تبدأ عملية التعويد تدريجياً وفق أعمار الأطفال وقدراتهم الجسدية، لتشكل أولى الخطوات نحو الصيام الكامل مستقبلاً، ويضيف في حديثه لـ«الثورة السورية» أن الأهالي يشجعون الأطفال على الصيام على مراحل تدريجية تعرف محلياً بـ”درجات المئذنة”، حيث يبدأ الطفل بصيام نصف اليوم أو ساعات محددة، ثم يزداد تدريجياً مع مرور الوقت حتى يتمكن من الصيام الكامل مع تقدمه في العمر.
ويشير زيدان إلى أن هذه الطريقة، إضافة إلى تشجيع الأطفال من خلال إعطائهم مبلغاً من المال يُعرف بـ”الإفطارية” بعد يوم صيام طويل، تساعدهم على التدرج في الصيام وتغرس فيهم روح المسؤولية والانضباط، وتعلمهم أهمية الالتزام بالعبادة منذ الصغر، وعادة ما يشتري الأطفال شيئاً من الحلوى أو العصائر قبيل أذان المغرب ويفطرون عليه قبل تناول الطعام.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
