طريف الخالدي
في مقابلة أجرتها معه أخيراً قناة “الجزيرة” بالإنكليزية، أثار المؤرّخ الإسرائيلي الشهير ونزيل بريطانيا، إيلان بابيه، ظاهرة ثقافية وفكرية جديرة بالاهتمام. طرح بابيه السؤال التالي: عندما نتكلّم مع مثقّف غربي نجده في العادة منطقياً وعقلانياً ومنفتحاً في تحليله لمشاكل هذا العالم. لكن ما إن نأتي إلى موضوع إسرائيل حتى نجده وكأنه أُصيب بالخبل، ويخصّ بالذكر من بين هؤلاء المثقّفين الألمان. ويضيف بابيه أننا لربما نحتاج إلى كتاب شامل لتفسير هذه الظاهرة الغرائبية.
استهواني سؤاله هذا، ودفعني التهوّر إلى محاولة التفكير في الأمر، خصوصاً نحن الذين أمضينا سنوات طوالاً في الغرب وخبرنا التحاور مع مثقّفيه. وكان أول ما طرأ على ذهني هو ذلك النص المذهل للجاحظ في رسالة “الأخبار وكيف تصح”، وهو نصٌّ وكأنه صدىً من زمن سحيق لسؤال بابيه. يستحضر الجاحظ الأمم المتحضّرة في زمانه، أي بيزنطة، وفارس، والهند، وعرب الجاهلية، ويشيد بكلّ إنجازاتها الحضارية والعلمية، وبالتفصيل.
لكنه يضيف أننا ما إن نستكشف معتقدات تلك الأمم الدينية حتى نجد هذه الأمم قد أصابتها البلاهة والحماقة، إذ نجدها تعتنق أدياناً مليئة بالأساطير السخيفة والمنافية للعقل. وكما عند بابيه، لا يطرح الجاحظ تفسيراً كاملاً لهذه الظاهرة العجيبة سوى القول إن السبب في اعتناق الأديان هو التقليد المحض، دون إمعان الفكر والنظر، والتقليد قد يقودنا إلى الحق كما قد يقودنا إلى الباطل. هكذا جواب الجاحظ. فتسأل: هل إسرائيل بمثابة معتقد ديني عند العديد من مثقفي الغرب؟
لا جدال في أن لهذه الظاهرة تفسيرات متعدّدة ومتداخلة لا يمكن حصرها بالتقليد المحض رغم أن التقليد لا ينبغي استثناؤه في أي تحليل مشابه. هل يعتنق المثقّف الغربي إسرائيل وكأنها أمرٌ فُطِر عليه منذ الصِّغر كالدين مثلاً أو الهوية؟ وما الذي يجعل إسرائيل في نظره كائناً أشبه بالمقدّس يسمو فوق كل فكرٍ وتعقّل؟ بل فوق كل نقاشٍ هادئ منطقي؟
يبدو لي أن من أوائل أسباب هذا الخبل عند المثقّف الغربي هو الإيمان الراسخ بفرادة “الهولوكوست” واستثنائيته في التاريخ البشري أو على الأقل في التاريخ الحديث، أي إنه حدثٌ مفصلي مؤسّس يدشّن حقبة تاريخية جديدة بالكامل، تجُبّ ما قبلها وتصبغ كل ما بعدها. وقد نستحضر هنا الوصف الذي أطلقه المفكر الألماني ثيودور أدورنو على الهولوكوست بأنه “قطيعة حضارية”. من هنا فإن هذا الحدث يشبه في تداعياته قدوم دين جديد ينسخ ما سبقه ويرسم ما سيأتي.
وهذا “الدين الجديد” ينقسم إلى لاهوتيات ومعاملات. فمن لاهوته مثلاً مبدأ “لن يتكرر هذا الأمر أبداً مع اليهود” ومن معاملاته “معاداة السامية هي أفدح جرائم عصرنا”. وكلا الأمرين يشكلان معاً مقولة عقائدية مطلقة لا تسمح أبداً بالنسبيّة كأن يقال مثلاً “لن يتكرر هذا أبداً مع اليهود أو مع غيرهم من بني البشر” أو أن يقال “معاداة السامية وأشباهها من الأفكار العنصرية هي أفدح جرائم عصرنا”.
نعود هنا إلى خبل المثقّف الغربي وطبيعته. وهنا لا أدّعي أنني عالم نفسي أو أنني طرحت هذا المثقّف على أريكةٍ مريحة لأغور معه في خبايا عقله. أريد فقط أن أشير إلى النظريات التي أوردها بعض المؤرّخين شرقاً وغرباً حول المناخ الفكري المعاصر لمثل تلك الأحداث المؤسّسة الجلل أو تلك “القطيعة الحضارية”.
ولنبدأ بابن خلدون. ففي معرض حديثه حول أيام الإسلام الأولى يصفها وكأنها أيام خارقة للطبيعة ويصف من عاصرها “من أهل السابقة من الصحابة… وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردّد الوحي وتنزّل الملائكة، فلما انحسر ذلك العباب… عادت عروق الجاهلية تنبض”.
هذه الأسباب وغيرها قد خلقت مناخاً من الرعب بحيث أضحى انتقاد إسرائيل ولو بألطف العبارات، ضرباً من الكفر الذي يودي بصاحبه إلى الحرمان من «كنيسة الرأي الشائع»
ويقابل هذا النص الخلدوني نصٌّ شبيه للفيلسوف والمؤرّخ البريطاني دافيد هيوم في القرن الثامن عشر: “عندما نستعرض الفترات الأولى في تواريخ الأمم كافة، نجد أنفسنا وكأننا انتقلنا إلى عالم جديد حيث نظام الطبيعة قد تخلخل، وحيث كل قسم من أقسام ذاك النظام الطبيعي يتحرّك بشكل لا يشبه حركاته في يومنا هذا… فالمعجزات والنُّذُر والتنبؤات تخفي تماماً ما قد يواكبها من حوادث طبيعية”.
وهذان النصان يحدّدان فرادة الحقبة التي تشهد ولادة دين جديد يؤسّس لتاريخ جديد وما يصحبها من “ذهول” شهود ومعاصري تلك الحقبة. فهل هذا المثقّف الغربي الذي شهد “الهولوكوست”، ولا يزال إلى اليوم يسمع أصوات الناجين منه، قد أصابه من “الذهول” ما يمنعه من مقارنته بأي “هولوكوست” آخر أو أي إبادة جماعية تجري الآن أمام عينيه؟
فلنغضّ الطرف عن الذهول مؤقّتاً ولننتقل إلى المخيّلة الجماعية. وهنا ننتقل من الذهول إلى الآراء والمعتقدات التي تتشبّث بها الجماعات وتجعلها كالهويّات التي لا فكاك عنها. ولعل الطائفية في بلادنا هي المثال الأبرز على المخيّلات الجماعية. وأشير هنا إلى نصٍّ آخر لابن خلدون يستعرض فيه الأسباب التي تعتري وتفسد البحث التاريخي وتسهّل قبول الأخبار الكاذبة. يورد أولاً ما يسمّيه “التشيّعات للآراء والمذاهب” ثم “الثقة بالناقلين وتوهّم صدقهم” ثم “الذهول عن مقاصد الأخبار” ثم “الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع” ثم “تقرّب الناس لأصحاب المراتب بالمدح” ثم “الجهل بطبائع الأحوال في العمران وهي سابقة على جميع ما تقدّم”. ولا داعيَ هنا لإيراد ما يذكره ابن خلدون في معرض تفسيره لهذه الأسباب، بل نكتفي بما يذكره عن التشيّع للرأي والمذهب كمثالٍ على المخيّلة الجماعية.
وثمة نص شهير قد نقارنه بنص ابن خلدون وهو للعالم الإنكليزي فرانسيس بيكون من القرن السادس/السابع عشر. يتحدّث بيكون عمّا يسمّيها “أصناماً” أربعة تعيق التفكير العلمي الصحيح: (1) صنم القبيلة٬ أي التعصّب والتحيّز في الآراء عند البشر عامة، (2) صنم الكهف، أي تحيّز وتعصّب الفرد لعلمه الخاص به، (3) صنم السوق، أي استخدام الألفاظ المبهمة، (4) صنم المسرح، أي قبول الرأي على ما هو عليه، وبدون تمحيص. وهذه الأصنام في رأيي جميعها ذات علاقة ما بـ”صنم” إسرائيل.
ولا ريب في أن العديد من هذه العوائق الفكرية ترد أيضاً وبأشكال مختلفة عند متكلّمي وفلاسفة الإسلام حين يتعرّضون لما يعتري العقل من الافتتان والنقصان. والحديث هنا يطول فلا بد من العودة إلى البداية أي إلى إسرائيل والمثقّف الغربي.
يبدو لي أن هذه الأسباب وغيرها قد خلقت مناخاً من الرعب بحيث أضحى انتقاد إسرائيل ولو بألطف العبارات، ضرباً من الكفر الذي يودي بصاحبه إلى الحرمان من “كنيسة الرأي الشائع”.
وهول الهولوكوست، كما يضيف أدورنو، يجعل أي مقاربة “أدبية” لها عرضةً للاستغلال التجاري ولتسخيف معناها الإنساني. فلعل العديد من مثقّفي الغرب قد استوعبوا أفكار أدورنو ولاذوا بالصمت المطبق حول الهولوكوست وإسرائيل التي تحتضنه، بل وجعلت منه ما يسمّيه نورمن فنكلستين “صناعة الهولوكوست”. لكنّ إسرائيل ليست فقط فوق كل مقاربة “أدبية” أو محاسبة قانونية بل هي فوق كل ذكر سوى لربما بالتعاطف، وهي في مكان “ميثي” لا يطاوله المنطق ولا البحث والنظر.
هذه الخواطر أعلاه لا تعدو كونها محاولات أوّلية للإجابة عن سؤال إيلان بابيه، ولعل التساؤلات فيها أكثر من الأجوبة. وأودّ أن أختتم تلك الخواطر بما يلي: هل المثقف الغربي، خصوصاً المثقّف “الجامعاتي”، وهو الذي يختلف عن المثقّف الملتزم (وهم دوماً أقلية) أو عن المثقّف “العضوي”، هل هذا المثقف على الأعم إنسان خجول بطبعه، ويقبع اليوم تحت حكومات تنحو بسرعة نحو اليمين الفاشستي والسيطرة على الأفكار فلا يجرؤ على تعريض رزقه للخطر إذا ما تفوّه بكلمة من خارج خطاب القبيلة، واكتفى بالتستّر وراء التشيّع والتحيّز؟ هل لربما يعاني هذا المثقّف من تأنيب الضمير؟ هل ينحو نحو العنصرية تجاه العرب؟ وهل كل هذا وما سبق أعلاه ما يجعله يشاهد المسرح بصمت أو خبل؟ والله أعلم.
* مؤرّخ وأكاديمي فلسطيني
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
