جاك جندو
في دلهي، اجتمع السياسيون وبارونات الذكاء الاصطناعي تحت أضواء قمة عالمية أرادت الهند أن تجعلها شهادة ميلاد لـ”قوة تكنولوجية جديدة”. لكن القصة الحقيقية لم تُكتب فقط على المنصة. كُتبت أيضاً في الطوابير الطويلة، والارتباك التنظيمي، وشكاوى الوفود من ضعف الشبكة، وكأن البنية التحتية للحدث قررت أن تلخص البنية التحتية للمشروع كله.
هنا تظهر المفارقة التي تتجنبها الكثير من الخطابات. أن تستضيف دولة قمة للذكاء الاصطناعي لا يعني أنها تملك الذكاء الاصطناعي. الاستضافة تمنح رمزية وصورة، لكنها لا تمنح سيادة على الرقائق، ولا على الحوسبة، ولا على النماذج الحدودية التي تشكل مركز الثقل في هذه الصناعة.
من “السلامة” إلى “الأثر”
تحول القمة نفسها يحمل إشارة سياسية. ما بدأ عالمياً كنقاش عن مخاطر الذكاء الاصطناعي بات أقرب إلى معرض تجاري كبير، يبدل لغة السلامة بلغة الأثر والاستثمار والفرص.
هذا التحول ليس بريئاً. عندما تصبح القمم منصات تسويق، تصبح الدول النامية في خطر أن تتحول إلى جمهور، وإلى سوق بيانات، وإلى مساحة اختبار واسعة، فيما تبقى طبقات القيمة العليا، ملكية النماذج، التحكم بالحوسبة، ومعايير التصدير، خارج حدودها.
الهند في القمة دفعت بخطاب واضح، نريد وصولاً ميسوراً ومتاحاً للذكاء الاصطناعي، وهي أولوية مشروعة للدول النامية. لكن السؤال القاسي هو التالي، هل إتاحة الوصول تعني تمكين المجتمعات، أم تعني إتاحة السوق لمن يملك الأدوات؟
الاستعمار الرقمي: مناجم بيانات بدل مناجم ذهب
الاستعمار في نسخته الكلاسيكية كان يأخذ موادَّ خاماً ويعيد بيعها مصنعاً. وفي نسخته الرقمية، يأخذ بيانات وسلوكاً واستخداماً، ثم يعيد بيعها كذكاء وخدمات ومنصات.
الهند ليست حالة هامشية. هي سوق هائلة تجذب الشركات الكبرى لأنها تعني مستخدمين كثراً واستخداماً مكثفاً وبيئة مثالية لتوسيع الاعتماد على الأدوات وتراكم البيانات. الشركات تدخل لأنها تريد السوق، وحين تدخل يصبح السوق أيضاً مصدراً لتغذية منتجاتها وتثبيت نفوذها.
فتح مكاتب لشركات الذكاء الاصطناعي العالمية في الهند ليس مجرد توسع جغرافي، بل تثبيت حضور داخل منظومة الشركات والجامعات والبنية الرقمية المحلية. وهنا تصبح الدولة “مضيفاً” لسباق لا تملكه عندما تقوم بدور المسرح الذي يمنح الشرعية، ودور السوق الذي يمنح النمو، بينما يبقى الابتكار العميق والملكية وسلاسل التوريد عند الآخرين.
لماذا لا يكفي أن تكون “عاصمة التبني”
الخطاب الرسمي في الهند يميل إلى البراغماتية. لسنا في سباق لبناء ذكاء عام مكلف، بل نركز على التطبيقات التي تخدم الناس. هذا طرح عملي ومفهوم، خاصة لدولة بحجم وتنوع الهند.
لكن التركيز على التطبيقات وحده يحمل مخاطرة إذا لم يكن معه ثلاث طبقات سيادية أساسية:
1. سيادة الحوسبة، من يملك القدرة الحسابية محلياً أو يضمن الوصول العادل إليها.
2. سيادة البيانات، من يحدد كيف تُجمع وتُستخدم وتُشارك.
3. سيادة القيمة، هل العوائد والمهارات والملكية تتراكم داخل البلد أم تتسرب خارجه.
إذا غابت هذه الطبقات، تصبح عاصمة التبني مجرد وصف لطيف لدولة تعمل كسوق متقدم لمنتجات غيرها.
صورة المسرح ومن يملك المركز
ظهور القيادة السياسية إلى جانب رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى يرسل رسالة واضحة، نحن على الطاولة. لكن الرسالة يمكن قراءتها أيضا بالعكس. أن الشركات هي من تمنح شرعية الحضور للدول، لا العكس. وهنا يصبح الخطر أن تتحول السيادة إلى صورة، بينما تبقى البنية العميقة مفقودة.
الذكاء الاصطناعي اليوم ليس ملفاً تقنياً فحسب، بل ملف قوة. ومنطق القوة لا يتنازل بسهولة عن مفاتيحه.
أين يمكن للهند أن تكسر المعادلة؟
رغم ذلك، الهند ليست بلا أدوات. وأهم نقطة في قصتها أنها قد تكون قوية في مناطق لا تحتاج فيها إلى التفوق على القوى الكبرى في النماذج الحدودية.
الذكاء الاصطناعي الصوتي واللغات المحلية مثال واضح. في مجتمع متعدد اللغات، يمكن للنماذج المتخصصة أن تتفوق في مهام محددة تخدم التعليم والصحة والخدمات العامة. هذا مسار يفتح باباً لبناء قيمة محلية حقيقية.
الرهان هنا ليس على نموذج خارق، بل على نماذج أصغر، بيانات محلية، وابتكار في اقتصاد الكلفة يناسب الأسواق الواسعة.
القمة اختبار وليست إنجازاً
قمة دلهي كشفت شيئاً أهم من كل الشعارات. العالم يدخل مرحلة يعاد فيها توزيع النفوذ عبر الحوسبة والمعايير والمنصات.
السؤال بعد انتهاء التصفيق هو التالي. هل تريد الهند أن تكون سوقاً متقدماً أم قوة منتجة؟ هل تريد أن تكون مستورداً للذكاء أم شريكاً في صناعته؟ هل تقبل دور المضيف أم تحول الاستضافة إلى خطة سيادة طويلة المدى؟
إذا لم تتحول رمزية القمة إلى استثمار عميق في البحث والحوسبة والبيانات والسياسات الصناعية، فستبقى مجرد صورة جميلة لدولة تقف على المسرح، بينما اللعبة تُلعب في مكان آخر.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
