تابعتُ قبل أيام حلقةً من برنامج «على الطاولة»، وكان من بين ما طُرح فيها سؤالُ التكفير. وسورية -كما هو معلوم- بلدٌ متعددُ الديانات، تتجاور فيه أديانٌ وطوائفُ متباينةٌ، وقد نشرتُ سابقاً مقالةً بعنوان «التعايش القائم على الجهل»، جاء فيها أن بعض المعالجات السياسية أوهمت الناس بأن التعايش لا يتحقق إلا بالتظاهر بالجهل بالفوارق بين الأديان. وذكرت أن هذا المسلك لا يؤسس تعايشاً سليماً، بل يبني حالةً هشّةً تقوم على إنكار الواقع.
تُطرح أحياناً أسئلةٌ من قبيل: هل يُكفِّر المسلمُ المسيحيَّ؟ وهل يُكفِّر المسيحيُّ المسلمَ؟ وهل يُكفِّر هذا ذاك؟ ويُتعامل مع هذه الأسئلة كأنها أصلُ الإشكال، وكأن الإجابةَ عنها ستفضي إلى سلمٍ أهليٍّ أو إلى حروبٍ دينيةٍ. غير أن النظرَ المتأملَ يكشف أن السؤال -في سياق البحث عن التعايش- ليس هو السؤالَ الصحيح.
الإجابةُ عن سؤال التكفير تسلك أحدَ طريقين: الأول: طريقُ المعرفة، وهو يفترض أن لكل دينٍ منظومةً اعتقاديةً واضحةً، لها حدودٌ داخليةٌ وخارجيةٌ، وأن من كان داخل هذه الدائرة فهو من أهلها، ومن كان خارجها فليس منها. بهذا المعنى، فالكفر في أي دينٍ هو توصيفٌ عقديٌّ لمن لا يعتقد بأصوله، وهو توصيفٌ متبادلٌ بحكم اختلاف العقائد، لا بحكم الخصومات الاجتماعية.
من له أدنى اطلاعٍ على الأديان يعلم أن اليهود لا يؤمنون بالمسيح عيسى بن مريم، ولا بنبوة محمدٍ عليهما الصلاة والسلام، وأن المسيحيين لا يؤمنون بنبوة محمد، وأن المسلمين يرون من أنكر رسالةَ محمدٍ ﷺ خارجاً عن الإيمان بها. وهذا ليس سرّاً، ولا شتيمةً، ولا تحريضاً على الكراهية، بل توصيفٌ معرفيٌّ لبنية كل دين. فالإيمانُ والكفرُ مفهومان عقديان داخل كل منظومةٍ دينيةٍ؛ وما يسميه هذا إيماناً قد يسميه ذاك كفراً، والعكس صحيح.
وهنا يحسن التذكير بما رواه المطران حنا جلوف في إحدى حلقات «شهادة للتاريخ»، حين تحدّث عن حوارٍ دار بينه وبين أحد قادة تنظيم داعش إبان سيطرة التنظيم على بلدتهم، فذكر أن الأمير الداعشي دعاه إلى الإسلام، فردّ عليه المطران بدعوته إلى المسيحية، ثم قال له: دعنا نتفق على حقيقةٍ واضحةٍ؛ لا أنا سأصير مسلماً، ولا أنت ستصير مسيحياً، فلنبحث عن حلٍّ آخر.
وانتهى الأمر إلى صيغة تعايشٍ عمليٍّ. فالمقاربةُ التي ذكرها المطران تنتمي إلى خانة المعرفة، حيث اعتُرِف بالتمايز العقدي، ثم تبعه انتقالٌ واعٍ إلى سؤال العيش المشترك.
أما الطريق الثاني للإجابة فهو طريقُ الجهل أو التظاهر به، إما جهلٌ بمقولات الدين نفسه، وإما جهلٌ بآليات التعايش. فمن ادعى أن ديناً من الأديان لا يرى فرقاً بين الانتساب إليه والانتساب إلى غيره، وأنه يعدّ ذلك سواءً، لا مزيةَ فيه لانتسابٍ على آخر؛ فإنه يتجاهل توصيفاً دينياً معروفاً، ويؤسس حالةً لفظيةً لا تصمد أمام أول اختبار. ومن ظن أن التعايش يتطلب هذا النوع من الإنكار؛ فقد جعل السلمَ الأهليَّ قائماً على مجاملةٍ لغويةٍ لا على أسسٍ راسخةٍ.
يتبيّن مما سبق أن سؤال التكفير سؤالٌ له قيمتُه في قاعات الدرس العقدي، حين تُحلَّل المقولات الاعتقادية، وتُدرَس حدود التوافقات والاختلافات فيما بين الإسلام والمسيحية واليهودية والعلوية والدروز…، لكنه ليس السؤالَ المناسب حين نبحث عن التعايش والمواطنة.
فالتعايش لا يشترط وحدةَ المعتقدات، ولا تذويبَ الفوارق، وإنما يقوم على أخلاقٍ تضبط السلوك، وقوانينَ تنظّم العلاقة، ومفهومٍ للمواطنة يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات.
ولنا في التشريع الإسلامي أمثلة على ذلك، إذ أُبيح للرجل أن تكون زوجتُه يهوديةً أو مسيحيةً، أي أنه أُبيح أن تكون أمَّ أولاده من غير دينه. وهذا إقرارٌ عمليٌّ بأن الحكمَ العقديَّ الذي يحكم به الزوجُ على زوجته، والزوجةُ على زوجها، لم يمنع كلاً منهما أن يعامل الآخر بمودةٍ ورحمةٍ، ودائرةُ هذا الوضوح في التعامل تتسع للجار والزميل وشريك المواطنة من باب أولى.
وكذلك نهى الإسلام عن سبّ معتقدات الآخرين، مبيناً أن ذلك سيؤدي إلى سبّ معتقدات المسلمين، وهذا مسارٌ لا يخدم التعايش ولا يساعد على الاستقرار. وبذلك يكون احترامُ المقدسات المتبادلُ ليس تنازلاً عقدياً، بل قاعدةً أخلاقيةً لحماية السلم الاجتماعي.
من مثل هذه المداخل يُؤصَّل للتعايش السليم. والواقع أن الأديان والطوائف في سوريا تجاورت قروناً طويلةً، وراكمت خبراتٍ حقيقيةً في العيش المشترك. والفتنُ التي وقعت – حين وقعت – كانت محدودةً، وغالباً ما غذّتها تدخلاتٌ خارجيةٌ، وسرعان ما أُخمدت بحكمة المجتمع وتقاليده.
وقد انعكس التعايش في بلادنا في الثقافة نفسها؛ فقد نظم شعراءُ مسيحيون في بلاد الشام قصائدَ في مدح النبي ﷺ، وتلقّاها المسلمون بالترحاب، وأفردوا لها دراساتٍ وكتباً. وهذا دليلٌ على أن الاحترامَ المتبادلَ يمكن أن ينمو من وضوحٍ عقديٍّ لا من ضبابيةٍ مصطنعةٍ.
لذلك، ليست المشكلة في وجود الاختلاف العقدي، بل في طريقة إدارته. وهنا نقول: ليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا، ولا أن ننكر حدود أدياننا، بل أن ننتقل من سؤال التكفير إلى سؤال التعايش، فكيف نعيش معاً بعد أن عرف كلٌّ منا موقعه العقدي؟ حينها يتأسس التعايش على أسسٍ أخلاقيةٍ واعيةٍ، لا على مجاملاتٍ عابرةٍ.

اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
