د. باسل الحاج جاسم
تبدو المواجهة العسكرية الأميركية الإسرائيلية مع إيران وكأنها صراع مباشر يقتصر على الشرق الأوسط، لكن في الواقع، فإن تداعيات هذه الحرب تتجاوز حدود الإقليم بكثير، لتطال التوازنات الدولية الكبرى، وخصوصاً موقع كل من روسيا والصين في النظام الدولي.
فهذه الحرب لا تعني فقط إعادة رسم خرائط النفوذ في الخليج، بل أيضاً إعادة توزيع للأعباء والفرص بين القوى العظمى.
من منظور أولي، قد تبدو موسكو وبكين في موقع الخاسر. فإيران تشكل بالنسبة للصين أحد أهم مصادر الطاقة في بيئة دولية مضطربة، كما أنها تمثل شريكاً مهماً ضمن مشروع الحزام والطريق، أما روسيا فقد وجدت في إيران خلال حرب أوكرانيا شريكاً عملياً في مجال الطائرات المسيرة، حيث لعبت المسيرات الإيرانية دوراً ملحوظاً في العمليات العسكرية الروسية. وهو ما يعني أن أي إضعاف كبير لإيران أو انهيار للنظام فيها قد يعني خسارة شريك استراتيجي مهم لكل من موسكو وبكين.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة، ففي المقابل، قد تمنح الحرب الطويلة مع إيران مكاسب غير مباشرة لروسيا والصين، فكلما طال أمد الصراع، ازدادت كلفة الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط، سواء من حيث الموارد العسكرية أو الانتباه الاستراتيجي.
وخلال العقود الماضية، كان أحد أهم أهداف موسكو وبكين يتمثل في استنزاف القدرة الأميركية على إدارة جبهات عدة في وقت واحد، المواجهة مع إيران تحقق هذا الهدف بوضوح، فواشنطن ستضطر إلى تحويل جزء كبير من قدراتها العسكرية نحو الشرق الأوسط، سواء عبر نشر قوات إضافية أو تعزيز الدفاعات الجوية أو استهلاك مخزون كبير من الذخائر.
وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن الحروب الحديثة تستهلك كميات هائلة من الصواريخ والأنظمة الدفاعية المتقدمة، وهو ما يضع ضغطاً كبيراً على المخزون العسكري الأميركي.
هذا التحول في الأولويات قد ينعكس مباشرة على الحرب في أوكرانيا، فالمساعدات العسكرية الغربية لكييف تعتمد إلى حد كبير على المخزونات الأميركية من الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وإذا أصبحت هذه الموارد مطلوبة عاجلاً في الشرق الأوسط، فإن ذلك قد يقلص الدعم العسكري المتاح لأوكرانيا، وهو تطور يصب بوضوح في مصلحة موسكو.
كما أن انشغال واشنطن في حرب جديدة يخلق نافذة استراتيجية للصين في شرق آسيا، فبكين تراقب بدقة أداء الجيش الأميركي في أي صراع كبير، سواء من حيث العقيدة العسكرية أو استخدام الأسلحة أو إدارة العمليات المشتركة، وهذه الحرب تمنحها فرصة ثمينة لدراسة التكتيكات الأميركية واختبار فعالية منظوماتها الدفاعية والهجومية في بيئة حرب حقيقية.
إلى جانب ذلك، فإن تركيز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط يعني بالضرورة تخفيف الضغط العسكري والسياسي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي الساحة التي تمثل الأولوية الاستراتيجية للصين، خصوصاً في ما يتعلق بتايوان وبحر الصين الجنوبي.
ومع ذلك، فإن الصين وروسيا تسعيان إلى تحقيق هذا المكسب دون الانجرار إلى المواجهة المباشرة، فبكين تحديداً حريصة على تجنب الاصطفاف العلني مع إيران في أي حرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فاقتصادها لا يزال مرتبطاً ارتباطاً عميقاً بالأسواق الغربية، وأي انحياز عسكري واضح قد يهدد شبكة العلاقات التجارية والاستثمارية التي يعتمد عليها النمو الصيني.
كما أن الصين، رغم نفوذها الاقتصادي الواسع في الشرق الأوسط، لا تمتلك حضوراً عسكرياً حقيقياً في المنطقة يمكّنها من لعب دور مباشر في الصراع، وهذا ما يدفعها إلى تبني سياسة مراقبة حذرة تقوم على حماية مصالحها الاقتصادية دون التورط في الصدامات العسكرية.
أما روسيا، فهي تواجه معادلة أكثر تعقيداً، فمن جهة، قد يؤدي إضعاف إيران إلى تقليص شبكة الشراكات التي بنتها موسكو في مواجهة الغرب، لكن من جهة أخرى، فإن انشغال الولايات المتحدة بحرب جديدة قد يخفف الضغط العسكري والسياسي على الجبهة الأوكرانية، وهو مكسب استراتيجي لا يمكن تجاهله.
وإذا أدى الصراع إلى تغيير سياسي كبير داخل إيران، فمن المرجح أن تتعامل كل من موسكو وبكين ببراغماتية مع أي نظام جديد، كما فعلتا في حالات أخرى شهدت تحولات سياسية مفاجئة في المنطقة، فسياسة القوتين تقوم في الأساس على حماية المصالح، وليس على الدفاع الأيديولوجي عن الأنظمة.
هناك أيضاً بعد آخر غالباً ما يتم تجاهله في هذا النقاش، وهو البعد الصناعي والتكنولوجي، فالحرب الحديثة تعتمد على سلاسل توريد معقدة تشمل الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة والمكوّنات الصناعية المتقدمة، وفي هذا المجال لا تزال الصين لاعباً مركزياً في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك في القطاعات التي ترتبط ارتباطاً غير مباشر بالصناعات الدفاعية الغربية.
وأي حرب طويلة قد تكشف مجدداً مدى الترابط العميق بين الاقتصاد العالمي والصناعة العسكرية، وهو عامل يمنح بكين أوراق قوة إضافية في صراعها الاستراتيجي الطويل مع واشنطن.
يبقى القول، قد تضر الحرب بإيران، وقد تخلق إحراجاً سياسياً لروسيا والصين بسبب عدم وقوفهما عسكرياً إلى جانب حليفهما، لكن في الوقت نفسه، قد تمنحهما فرصة نادرة لإعادة توزيع ميزان الانتباه الأميركي والموارد العسكرية بعيداً عن الساحات التي تشكل بالنسبة لهما أولوية قصوى.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فالحرب التي تبدو للوهلة الأولى ضربة لمحور موسكو–بكين قد تتحول، إذا طال أمدها، إلى عنصر إضافي في معادلة الاستنزاف الاستراتيجي للولايات المتحدة.
*باحث ومستشار سياسي
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
