آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » سوريا في مواجهة العاصفة: تحديات النزوح وأمن الحدود

سوريا في مواجهة العاصفة: تحديات النزوح وأمن الحدود

أيمن الحداد

 

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، تجد الجمهورية العربية السورية نفسها، مرة أخرى، في مواجهة تحديات أمنية وإنسانية معقدة، تتطلب يقظة وحزماً استثنائيين. فبعد سنوات من الحرب التي شنَّها نظام عصابة الأسد البائد ضد الشعب السوري التي استنزفت مواردها وبنيتها التحتية، بدأت الحدود السورية تشهد تدفقاً متزايداً للنازحين من جارتها لبنان، التي تشهد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

هذا النزوح وإن كان يحمل في طياته أبعاداً إنسانية تستدعي التعاطف، إلا أنه يثير في الوقت ذاته مخاوف أمنية عميقة، خاصة في ظل الحساسيات التاريخية والسياسية التي تشكلت خلال سنوات الثورة السورية. إن القلق المتنامي في الأوساط السورية، سواء الرسمية أو الشعبية، لا ينبع فقط من الضغط الهائل الذي يفرضه هذا التدفق البشري على بنية تحتية منهكة أصلاً، وغير قادرة على استيعاب أعداد إضافية من اللاجئين أو النازحين.

فالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.. إلخ، التي عانت ويلات الحرب، بالكاد تلبي احتياجات السكان الأصليين، فكيف لها أن تستوعب موجات نزوح جديدة؟ هذا الواقع يضع عبئاً إضافياً على كاهل الدولة والمجتمع، ويهدد بتفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن السوري.

لكن الأبعاد الأمنية لهذا النزوح تتجاوز بكثير مجرد الضغط على الموارد. فالذاكرة السورية لا تزال حية بتورط حزب الله الإرهابي بشكل مباشر في دماء السوريين، وما خلفه هذا التدخل من دمار ومعاناة وخسائر بشرية جسيمة. لقد شكل هذا التدخل نقطة تحول في مسار ثورة الشعب السوري، وأسهم في تعميق الانقسامات وتأجيج الصراع، تاركاً جراحاً عميقة في نفوس السوريين.

وبالتالي، فإن استقبال نازحين لبنانيين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى بيئة تعتبر حاضنة لحزب الله، يمثل حساسية مجتمعية بالغة، ويقابل برفض شعبي واسع وغير قابل للمساومة. فالشعب السوري، الذي دفع ثمناً باهظاً لينال حريته، يرفض رفضاً قاطعاً أن تتحول بلاده إلى ملاذ أو حاضنة لأي جماعات مسلحة، أو أن تكون ساحة خلفية لتصفية حسابات إقليمية، خاصة تلك التي تهدد أمنه واستقراره.

في هذا السياق، أعلنت القيادة السورية الجديدة، التي تولت زمام الأمور في كانون الأول 2024، عن موقف واضح وحازم تجاه أي وجود أو تدخل من قبل إيران أو حزب الله الإرهابي أو الميليشيات المدعومة من طهران على الأراضي السورية. وتعتبر هذه الجماعات خصماً صريحاً، ولا يوجد أي تعاون أو تواجد لها ضمن الدولة السورية.

هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية السورية يعكس إرادة حقيقية لفرض السيادة الوطنية الكاملة، وتأمين الحدود ضد أي خطر محتمل، ومنع أي محاولات لاستغلال الأراضي السورية كمنصة لأي أنشطة تهدد الأمن الإقليمي أو الداخلي. وإدراكاً لهذه المخاطر الأمنية والاجتماعية، كثف الجيش العربي السوري وحرس الحدود من انتشارهما على طول الحدود السورية-اللبنانية.

تهدف هذه التعزيزات، بالإضافة إلى ضبط الأمن ومكافحة عمليات التهريب التي تنشط في أوقات الأزمات، إلى منع تسلل أي عناصر مسلحة تابعة لحزب الله الإرهابي أو أي جماعات أخرى تهدد الأمن القومي السوري. إن الرسالة واضحة وحازمة: سوريا لن تسمح بأن تكون ساحة خلفية لأي صراع إقليمي، ولن تتسامح مع أي محاولات لزعزعة استقرارها الداخلي من قبل أي طرف كان.

تتطلب المرحلة الجديدة التي تمر بها سوريا يقظة وحزماً في التعامل مع أي تحديات قد تعيد البلاد إلى مربع العنف وعدم الاستقرار. إن الأولوية القصوى هي لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة التي كانت مفقودة بشكل كامل إبان حكم عصابة الأسد البائدة، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الداخلي، وضمان عدم تكرار السيناريوهات التي أدت إلى سنوات من الدمار.

من هذا المنطلق، فإن التعامل مع أزمة النزوح اللبناني لا يتم فقط من منظور إنساني بحت، بل يخضع في المقام الأول لحسابات أمنية وسياسية دقيقة، تضع مصلحة سوريا وأمن مواطنيها فوق كل اعتبار. إن حماية الحدود، ومنع التسلل، ورفض أي وجود لجماعات مسلحة على الأراضي السورية، هي ركائز أساسية لضمان مستقبل آمن ومستقر للبلاد والمنطقة بأسرها.

في الختام، يظل المشهد السوري معقداً ومتشابكاً، لكن الإرادة السياسية والعزم الشعبي على حماية السيادة الوطنية وتأمين الاستقرار يمثلان حجر الزاوية في مواجهة التحديات الراهنة.

إن سوريا اليوم ليست هي سوريا الأمس، وهي عازمة على المضي قدماً نحو مستقبل يسوده الأمن والسلام، بعيداً عن تدخلات الأطراف الخارجية التي تسعى لاستغلال أزماتها الداخلية لتحقيق أجندتها الخاصة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف علق سوريون على التحشيد العسكري بالحدود مع لبنان؟

سوريا شبعت حروب على مدى أكثر من عقد ونصف”.. بهذه الكلمات عبر المواطن السوري أحمد الأيمن عن رغبته في أن تبقى بلاده بعيدة عن أي ...