حسن حردان
مع اقتراب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من نهاية اسبوعها الثاني من الاستنزاف المتبادل، هل دخلنا في مرحلة السعي لفرض الشروط للتوصل الى وقف النار؟ وهل انّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرب انتهاء الحرب مترافقاً مع تهديده بضرب البنية والمنشآت المدنية الإيرانية، ثم قوله انه لم يعُد هناك ايّ شيء لضربه، يندرج في سياق التهميد لقرار وقف الحرب، وما علاقة ذلك باتصال ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوسط للتوصل الى اتفاق لوقف النار، هل هو مؤشر على بدء معركة المفاوضات وشروط وقف النار؟
انّ التدقيق في المشهد السياسي والعسكري، مع الاقتراب من نهاية الأسبوع الثاني على بدء الحرب ظهرت مؤشرات على دخول الحرب مرحلة اشتداد الضغط العسكري المتبادل لفرض شروط وقف النار…
لقد انتقلت الحرب الى مرحلة الضغط العسكري المتبادل لفرض شروط وقف النار.. لا سيما أنّ الجانب الأميركي ليس من مصلحته التورّط في حرب استنزاف مديدة مكلفة عسكرياً واقتصادياً للداخل الأميركي قد تؤدي الى إلحاق خسارة كبيرة بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل… ولهذا هدّد ترامب بضرب البني التحتية الإيرانية لدفع إيران لإبداء المرونة السياسية كي يوقف الحرب.
لكن إيران ردّت بالمقابل بتصعيد هجماتها الصاروخية من النوع الثقيل على العمق الإسرائيلي والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة وإحكام إغلاق مضيق هرمز لزيادة كلفة حرب الاستنزاف إسرائيلياً وأميركياً وعلى الصعيد العالمي عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وهو ما فاجأ المسؤولين الأميركيين الذين لم يكونوا يتوقعون، حسب وكالة رويترز، ان يحصل ذلك، الأمر الذي يعكس قصر نظر إدارة الرئيس دونالد ترامب التي بنت حساباتها الخاطئة على معلومات حكومة العدو الإسرائيلي برئاسة نتنياهو بأنّ الضربات الأولى المفاجئة لإيران سوف تؤدي إلى تغيير الحكم في طهران وإنهاء الحرب في ايام معدودة.. لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر الإيراني حيث نجحت إيران في استيعاب الهجوم وما تمخض عنه، من الساعة الأولى، وردّت بقوة على العدوان ونفذت تهديدها بتحويل الحرب الى حرب واسعة في المنطقة والى حرب استنزاف طويلة ومكلفة للجميع.
أولاً: كيف ردت إيران؟
اعتمدت إيران في ردّها على استراتيجية “تشتيت الدفاعات” الجوية الأميركية الإسرائيلية واستنزافها، وقصف الرادارات لمنع حصولها على إنذار مبكر، ورفع كلفة الحرب على كافة الأطراف المشاركة، وشملت العمليات:
استهداف القواعد والعمق: شنّت إيران هجمات واسعة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة استهدفت العمق الإسرائيلي (مثل تل أبيب وحيفا) والقواعد العسكرية الأميركية في دول المنطقة، بالإضافة إلى استهداف محطات رادار إنذار مبكر أميركية.
سياسة الاستنزاف: بدلاً من الاكتفاء بالردّ المباشر على “إسرائيل”، وسّعت طهران نطاق الاستهداف ليشمل المصالح والمنشآت الاقتصادية في الدول التي تستضيف قوات أميركية، في محاولة لإجبار هذه الدول على الضغط نحو وقف الحرب.
استهداف السفن: سُجلت هجمات على ناقلات نفط وسفن تجارية مرتبطة بالولايات المتحدة أو حلفائها في بحر العرب والخليج لتعزيز ورقة ضغط الطاقة.
ثانياً: ورقة مضيق هرمز
تزامن إعلان “إغلاق” المضيق من قبل الحرس الثوري مع بداية الضربات (28 شباط 2026)، وقد ترتب على ذلك:
توقف شبه كامل للملاحة: أدّى الإعلان والتهديدات الإيرانية بوجود ألغام بحرية إلى تراجع حركة المرور في المضيق بنسبة تصل إلى 90%، مع بقاء مئات الناقلات عالقة في الخليج.
شلل الطاقة العالمي: المضيق يمرّ عبره نحو 20% من الإنتاج العالمي للنفط. هذا التوقف أدّى إلى احتجاز ملايين البراميل يومياً، مما تسبّب في قفزة سريعة في أسعار الطاقة عالمياً، وتصاعد المخاوف من حدوث صدمة عرض عالمية.
ثالثاً: التداعيات على الداخل الأميركي والإسرائيلي،
تنوّعت التحديات الميدانية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية في كلا الجانبين:
1 ـ على صعيد الداخل الأميركي،
*الضغط الاقتصادي: ارتفاع أسعار الوقود يضغط على المستهلك الأميركي مما يؤدي الى تضخم في الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
*الاستنزاف العسكري: تشير التقارير إلى استهلاك مكثف للذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، مما يثير تساؤلات في البنتاغون حول القدرة على الاستمرار طويلاً في حرب استنزاف مكلفة عسكرياً.
*الخلافات مع الحلفاء: توتر العلاقات الأميركية مع دول أوروبية مثل إسبانيا وفرنسا وحتى بريطانيا، التي انتقدت التورّط في الحرب مما فاقم من حدة الخلافات التي نشبت على خلفية الموقف الأميركي من استمرار الحرب في أوكرانيا، ورفع ترامب الرسوم الجمركية مع الدول الأوروبية، وعزمه السيطرة على جزيرة غرين لاند.. وبالتالي أضعف التحالف الدولي خلف إدارة ترامب.
2 ـ على صعيد الداخل الإسرائيلي،
تعرّضت الجبهة الداخلية لضغوط مستمرة نتيجة سقوط الصواريخ أدّت الى…
*استنزاف كبير لقذائف القبة الحديدية ومنظومات الدفاع الجوي.
*إحداث أزمات نفسية واقتصادية.. حيث بدأت تسود حالة من عدم اليقين بالقدرة على إنجاز أهداف الحرب خلال أيام، وسيادة قلق من الدخول في حرب استنزاف طويلة مكلفة، يسود فيها انعدام الأمن والاستقرار، والتعرّض للخسائر المادية والاقتصادية والبشرية، في ظلّ الشلل الاقتصادي وارتفاع الأسعار.
باختصار: الحرب لم تعد مجرد “عملية خاطفة” كما كان يأمل المخططون لها، بل تحوّلت إلى استنزاف متبادل يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة التكاليف الاقتصادية الباهظة، ويضع “إسرائيل” أمام تحدي أمنها الوجودي، بينما تستخدم إيران ورقة “خنق الاقتصاد العالمي” كورقة ضغط لوقف الحرب عليها، وتعزيز شروطها لوقف النار واستطراد في المفاوضات غير المباشرة لوضع نهاية للحرب المفروضة عليها أميركياً وإسرائيلياً والتي تسبّب بتفجير الأمن والاستقرار في المنطقة وإحداث الازمة الاقتصادية في العالم نتيجة توقف إمدادات الطاقة من المنطقة وارتفاع أسعار النفط والغاز والمواد والسلع الغذائية…
(اخبار سوريا الوطن-البناء)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
