نربط التوتر عادةً بالمشاعر السلبية والضغط النفسي، لكن الخبراء يشيرون إلى أن التوتر ليس دائماً أمراً ضاراً. فإلى جانب التوتر السلبي الذي قد يسبب القلق ويؤثر في الأداء، هناك نوع آخر يُعرف باسم اليوسترس (Eustress)، أو التوتر الإيجابي، وهو توتر يمكن أن يحفّز الإنسان ويدفعه إلى التقدم وتحقيق أهدافه.
ووفق ما يوضحه موقع Healthline، فإن هذا النوع من التوتر قد يسهم في تعزيز الشعور بالرفاه والإنجاز، ويشكّل تحدياً يدفع الإنسان إلى التطور من دون أن يستنزف موارده النفسية أو الجسدية.
ما هو «اليوسترس» أو التوتر الإيجابي؟
نمر جميعاً بفترات من التوتر في حياتنا، سواء كان توتراً يومياً مستمراً أو مواقف عابرة تظهر بين حين وآخر. لكن ما قد لا يعرفه كثيرون هو أن التوتر ليس دائماً سلبياً.
يشير الخبراء إلى وجود نوعين من التوتر:
الأول هو التوتر السلبي (Distress)، والثاني هو التوتر الإيجابي أو اليوسترس (Eustress).
يقول الطبيب النفسي الإكلينيكي الدكتور مايكل جينوفيز إن معظم الناس يربطون التوتر بالتجارب السلبية، لكن اليوسترس يمثل الجانب الإيجابي منه. ويوضح أن «الأحداث المثيرة أو المجهِدة تُحدث استجابة كيميائية في الجسم».
وغالباً ما ينشأ هذا النوع من التوتر عندما يواجه الإنسان تحدياً ممتعاً أو محفزاً، ما يخلق شعوراً بالتوتر العصبي الصحي الذي يدفعه إلى الإنجاز. ويؤكد جينوفيز أن وجود اليوسترس مهم، لأن غيابه قد يؤثر في رفاه الإنسان.
ويضيف:
«يساعدنا اليوسترس على البقاء متحفزين، والعمل لتحقيق أهدافنا، والشعور بالرضى عن الحياة».
الفرق بين التوتر الإيجابي والتوتر السلبي
رغم ارتباط المفهومين ببعضهما، فإن بينهما اختلافاً واضحاً.
فاليوسترس ينشأ من تجارب إيجابية أو محفزة، بينما ينشأ التوتر السلبي من تجارب أو تصورات سلبية.
ويظهر التوتر السلبي عندما يشعر الإنسان بأن موارده غير كافية لمواجهة المطالب أو الضغوط التي يواجهها، وهو ما قد يؤدي إلى القلق أو تراجع الأداء.
أما التوتر الإيجابي فيقدّم تحدياً يدفع الإنسان إلى التطور من دون أن ينهكه أو يستنزف طاقته.
لماذا يُعد اليوسترس مهماً للصحة النفسية؟
يشير الخبراء إلى أن الخروج من منطقة الراحة يمكن أن يكون مفيداً في كثير من الأحيان، وهو ما يجعل التوتر الإيجابي جزءاً مهماً من الصحة العامة.
تقول عالمة النفس كارا فاسوني إن اليوسترس يعني تحدي النفس من دون استنزاف جميع الموارد. ويساعد هذا النوع من التوتر الإنسان على النمو في ثلاثة مجالات رئيسية:
عاطفياً
قد يؤدي اليوسترس إلى مشاعر إيجابية مثل الرضى والإلهام والتحفيز والشعور بالانسجام.
نفسياً
يساعد هذا النوع من التوتر على بناء الثقة بالنفس والاستقلالية والمرونة النفسية.
جسدياً
يمكن أن يسهم في تقوية الجسم، مثلما يحدث عند إكمال تمرين رياضي صعب.
كما يشير الخبير لي إلى أن اليوسترس «يولد مشاعر إيجابية مثل الحماسة والإنجاز والمعنى والرضى والرفاه». ويضيف أن هذا النوع من التوتر قد يجعل الإنسان يشعر بالثقة والقدرة والتحفيز لمواجهة التحديات.
أمثلة على التوتر الإيجابي في الحياة اليومية
يمكن أن يظهر اليوسترس في جوانب مختلفة من الحياة، سواء في العمل أو في العلاقات أو في الأنشطة الشخصية.
التوتر الإيجابي في العمل
قد يظهر اليوسترس عند تولي مشروع جديد يدفع الشخص إلى تعلم مهارات جديدة ويخرجه من منطقة الراحة.
لكن هذا النوع من التوتر يبقى إيجابياً فقط عندما يكون التحدي واقعياً. فإذا كانت المواعيد النهائية غير واقعية، أو كان الشخص يتعامل مع عدد كبير من المشاريع في وقت واحد، أو يعمل ضمن بيئة عمل سامة، فمن المرجح أن يتحول الأمر إلى توتر سلبي.
التوتر الإيجابي في الاهتمامات الشخصية
يمكن أيضاً أن يظهر اليوسترس عند تحديد أهداف صعبة مرتبطة بالهوايات أو الشغف الشخصي.
فالإنسان يمتلك قدرة طبيعية على التعلم، لكن اكتساب مهارات جديدة قد يكون صعباً في البداية. وغالباً ما يمر الشخص بمرحلة يشعر فيها بعدم الارتياح أو بعدم الكفاءة.
ومع ذلك، يتعلم الإنسان من أخطائه. وعندما يبدأ بملاحظة نجاحات صغيرة ويطور ثقته بنفسه، يزداد دافعه لمواصلة التعلم والتقدم.
التوتر الإيجابي والسفر
السفر قد يكون تجربة مرهقة، خصوصاً عند زيارة أماكن بعيدة تختلف لغتها وثقافتها.
لكن في الوقت نفسه، يمنح السفر تجربة غنية بالاكتشافات، من الأطعمة الجديدة إلى الأماكن والثقافات المختلفة. ولهذا، رغم ما قد يرافقه من توتر، يعد السفر تجربة إيجابية ومفتوحة على آفاق جديدة لكثير من الناس.
التوتر الإيجابي واللياقة البدنية
جسدياً، يظهر اليوسترس عندما يتحدى الإنسان جسده بهدف زيادة القوة أو القدرة على التحمل أو المرونة.
ففي صالة الرياضة أو أثناء التنزه، قد ينغمس الشخص في التمرين إلى درجة لا يشعر معها بالإرهاق لأنه يعيش اللحظة بالكامل.
كيف يمكن إدخال التوتر الإيجابي إلى الحياة اليومية؟
يشير الخبراء إلى أن كثيراً من الناس قد يختبرون التوتر الإيجابي بالفعل في حياتهم، لكن يمكن أيضاً العمل على إدخاله بشكل أكبر إلى الروتين اليومي.
تقترح فاسوني بعض الطرق التي قد تساعد على ذلك، مثل:
تعلم شيء جديد كل يوم، سواء كان بسيطاً أو كبيراً
وضع أهداف شخصية ومهنية تكون صعبة ولكن واقعية
الخروج من منطقة الراحة في العمل، مثل تحمل مسؤوليات جديدة أو تطوير مهارات جديدة
ممارسة التمارين الرياضية بانتظام
التوازن بين التوتر والراحة
يبقى التوتر، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، جزءاً طبيعياً من الحياة. وقد لا يكون من الممكن دائماً تجنب مصادر التوتر السلبي، لكن يمكن البحث عن طرق لزيادة التوتر الإيجابي في الحياة.
وقد يتم ذلك من خلال خوض تحديات ممتعة أو مشاريع جديدة أو مغامرات، سواء في العمل أو في المنزل أو أثناء السفر. فكل نشاط يتطلب جهداً لكنه يمنح شعوراً بالإنجاز يمكن أن يكون مصدراً للتوتر الإيجابي.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن التوازن ضروري، إذ يجب موازنة أي نوع من التوتر بالراحة والاسترخاء، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون مستويات مرتفعة من التوتر السلبي.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
