رمضان الحكيم
في تحليلها لتبعات إغلاق مضيق هرمز، تركّز غالبية الأوساط الاقتصادية الدولية على انعكاسات هذا التطور على أسواق النفط العالمية، بوصف المضيق أحد أهمّ الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لتقلّبات أسعار النفط وتأثيرها المباشر في معدّلات التضخّم والنمو الاقتصادي العالمي، فإن التركيز الحصري على النفط غالباً ما يحجب جوانب أخرى لا تقلّ أهمية، تتعلق بالتجارة البحرية غير النفطية عبر هذا الممرّ الحيوي، إذ إن هذه التجارة تشكّل جزءاً مهماً من حركة السلع العالمية، وأيّ اضطراب فيها ينعكس مباشرة على اقتصادات عدّةِ مناطق مترابطة تجارياً.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين كتلتَين اقتصاديتَين أساسيتَين ستتأثّران بشكل مباشر بتعطّل الملاحة في المضيق: الأولى، تضمّ دول الخليج إضافة إلى العراق وإيران، وهي دول تعتمد بدرجات متفاوتة على «هرمز» في تجارتها الخارجية سواء من حيث الصادرات أو المستوردات. وأمّا الكتلة الثانية، فهي الدول الشريكة تجارياً لهذه المنطقة، وفي مقدّمتها الاقتصادات الآسيوية الكبرى من مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى عدد من الاقتصادات الصناعية الصاعدة التي ترتبط بسلاسل توريد واسعة مع أسواق الخليج.
وبحسب تقديرات دولية، فإن قيمة التجارة غير النفطية التي تمرّ عبر المضيق ليست أقلّ شأناً من تجارة النفط، بل قد تقترب من قيمتها في بعض التقديرات، إذ تشير بيانات النقل البحري الصادرة عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية»، إلى أنه يَعبر من «هرمز» نحو 4% من إجمالي تجارة الحاويات العالمية. وبالاستناد إلى تقديرات حركة الشحن العالمية، يمكن ترجمة هذه النسبة إلى ما يقارب 25 مليون حاوية سنوياً.
وكان حذّر تقرير أممي، صدر قبل أيام من الحرب الحالية، من أن أيّ تعطّل مستمر أو إغلاق للمضيق سيؤدّي إلى «التأثير في خدمات التغذية، وعمليات إعادة الشحن في الخليج العربي أو شمال المحيط الهندي، وربما يؤدّي إلى إعادة توجيه عبر موانئ جنوب آسيا. وقد يؤدّي هذا التحوّل إلى ازدحام وارتفاع في معدّلات الشحن، خصوصاً على خطوط الخليج الداخلية وخطوط الشرق الأوسط–آسيا وجنوب آسيا. ورغم أن التأثير في تجارة الحاويات العالمية لا يزال محدوداً، فإن أيّ تصعيد إضافي قد تكون له آثار أوسع على موثوقية الشبكات وتكاليف النقل. وفي الواقع، ارتفعت المعدّلات الفورية المتوسطة من شنغهاي إلى ميناء جبل علي (أكبر موانئ الخليج العربي) بنسبة 55% بين مايو ويونيو 2025».
وتفسّر بيانات الملاحة البحرية خلفية تلك الصورة القاتمة؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى عبور ما يقارب 42 ألف سفينة سنوياً عبر مضيق هرمز، بينها نحو 15 ألف سفينة تحمل بضائع غير نفطية. وبذلك، يعبر المضيق يومياً في المتوسط نحو 41 سفينة تجارية مُحمّلة بحاويات وبضائع عامة، إضافة إلى الحبوب والمعادن والمواد الخام، ما يجعل أيّ تعطّل في حركة الملاحة يمثّل عاملاً ضاغطاً على سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.
أي تعطّل طويل الأمد لحركة الملاحة، سيترك تأثيراته على شبكة واسعة من سلاسل التوريد العالمية
الواردات الغذائية
تعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية والسلعية، وهو ما يمنح مضيق هرمز أهمية مضاعفة في منظومة الأمن الغذائي والاقتصادي لتلك الدول. وتتمركز على السواحل الخليجية مجموعة من أكبر الموانئ التجارية في المنطقة، من بينها ميناء جبل علي وميناء خليفة في الإمارات، إضافة إلى ميناء حمد في قطر، وكذلك موانئ الشويخ والشعيبة في الكويت، و«الملك عبد العزيز» في الدمام في السعودية.
وتُظهِر البيانات التجارية أن مستوردات دول الخليج من السلع الغذائية وحدها، تبلغ سنوياً ما يقارب 50 مليار دولار. ومع إضافة سلع أخرى من مثل السيارات والإلكترونيات والمواد الصناعية ومستلزمات الإنتاج، ترتفع قيمة شريحة مهمة من الواردات لتصل إلى نحو 125 مليار دولار سنوياً، أي بمتوسط يومي يقارب 340 مليون دولار من السلع، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على المرور عبر مضيق هرمز.
وعليه، فإن أيّ إغلاق أو تعطّل طويل الأمد للمضيق سيدفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات بديلة لتأمين احتياجاتها، سواء عبر النقل البري أو عبر الموانئ المطلّة على البحر الأحمر. غير أن هذه البدائل، على أهميتها، تبقى محدودة القدرة مقارنة بحجم التجارة التي تمرّ عادة عبر المضيق، كما أنها ترتبط بتكاليف نقل وتأمين أعلى، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق المحلية. وإذا كانت السعودية قادرة على تعويض بعض من تجارتها باستخدام موانئ البحر الأحمر، فإن الدول الأخرى ستبقى تواجه معضلة كبيرة.
ولا يقتصر التأثير على جانب الواردات فحسب، بل يمتدّ أيضاً إلى الصادرات غير النفطية لدول المنطقة. ذلك أن تعطّل حركة الملاحة يهدّد بتراجع الصادرات الصناعية والبتروكيماوية وإعادة التصدير، وهو ما يعني خسارة عائدات مالية وفرص عمل، فضلاً عن احتمال فقدان بعض الأسواق الخارجية في حال استمرار الاضطرابات لفترات طويلة.
تركيبة الشركاء التجاريين
من زاوية أخرى، فإن التدقيق في تركيبة الشركاء التجاريين لدول الخليج، يفسّر جانباً من التباين في المواقف الدولية تجاه المخاطر التي تهدّد الملاحة في مضيق هرمز. فالدول الآسيوية الكبرى كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، لكنها في الوقت ذاته تمثّل جزءاً أساسياً من شبكة التجارة غير النفطية المرتبطة بالمنطقة. وفي ما يتعلّق بالسلع الغذائية تحديداً، تتصدّر قائمةَ المصدّرين إلى أسواق الخليج دولٌ وأطراف من مثل البرازيل والاتحاد الأوروبي وأستراليا وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، إلى جانب الهند. كما تلعب دول إقليمية دوراً مهماً في هذا المجال، من بينها تركيا ومصر والأردن وباكستان إضافة إلى تايلاند وفيتنام.
وبالتالي، فإن أي تعطّل طويل الأمد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، سيترك تأثيراته على شبكة واسعة من سلاسل التوريد العالمية. فالدول المستوردة قد تضطر إلى ترشيد استهلاك الطاقة أو البحث عن بدائل أعلى كلفة، في حين ستجد الدول المصدّرة للسلع نفسها أمام تراجع في الطلب الخليجي أو الحاجة إلى البحث عن أسواق جديدة لتصريف إنتاجها.
وفي المجمل، فإن التأثير المركّب لهذه العوامل، من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الصادرات، قد يقود إلى تباطؤ إضافي في نمو الاقتصاد العالمي، بالتوازي مع ضغوط تضخّمية جديدة. ومن شأن كلّ ذلك أن يضاعف من خطورة استمرار الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وإضرارها بحلقة مركزية في منظمة التجارة العالمية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
