آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الخليج بعد انطفاء المشرق: اختبار الدور في زمن الحرب الطويلة

الخليج بعد انطفاء المشرق: اختبار الدور في زمن الحرب الطويلة

 

بقلم:أنس جودة

نادراً ما تختزل الحروب الكبرى معناها في نتائجها العسكرية المباشرة. فالمعارك قد تحسم نهاية الحرب، لكنها لا تفسر وحدها التحولات العميقة التي تتركها خلفها. الحرب العالمية الأولى أنهت مركزية المشرق العثماني، والحرب العالمية الثانية نقلت مركز النظام الدولي إلى ما وراء الأطلسي. واليوم تبدو المنطقة أمام حرب مفتوحة على الاستنزاف، قد لا تنتج حسمًا قريبًا، لكنها تحمل في داخلها احتمالات تحول تاريخي عميق.
الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ليست مجرد صراع تقني حول برنامج نووي أو توازن ردع. إنها تعبير عن أزمة أوسع في النظام الإقليمي نفسه: قوة تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً لكنها تواجه أزمة شرعية متنامية، في مقابل قوى قادرة على التعطيل وإطالة الصراع دون امتلاك مشروع بديل قادر على إعادة تنظيم الإقليم. والخليج ليس مجرد مسرح لهذا الصراع، بل هو مجاله الاقتصادي والأمني الذي تتقاطع فيه مصالح جميع الأطراف، بما فيها القوى التي لا تطلق رصاصة واحدة.
ويقع الخليج اليوم في قلب هذه المعادلة، لا على هامشها. فالحروب الطويلة لا تُضعف أطراف الصراع فقط، بل تعيد توزيع القوة في الإقليم كله. وما شهده المشرق العربي من حروب متواصلة وتآكل في مراكزه السياسية التاريخية لم يكن مجرد تراجع لجغرافيا، بل كان في الوقت ذاته أحد العوامل التي أتاحت للخليج فضاءً لبناء ثقله الاقتصادي دون أن يُحمَّل عبء سرديات الصراع التي أنهكت غيره. غير أن الحرب الجارية اليوم تُنبئ بأن هذا الفضاء بدأ يضيق: فالمنطقة تُعيد رسم خرائطها تحت النار، ومن لا يملك مشروعاً يشارك في صياغة المستقبل سيجد نفسه موضوعاً في خرائط الآخرين.
وقد تراكم في الخليج خلال العقود الماضية ما يُؤهله لمواجهة هذه اللحظة: ثقل اقتصادي ومالي غير مسبوق، ومدن تحولت إلى عقد مركزية في الطاقة والتمويل والتجارة العالمية. غير أن التاريخ يذكّر بأن الاقتصاد وحده لا يصنع دوراً سياسياً، وأن المراكز الاقتصادية لا تتحول إلى مراكز قوة إقليمية إلا حين تُترجم ثروتها إلى رؤية وقدرة على الفعل.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي. فسؤال الدور لم يعد يكتفي بالأجوبة التقليدية: لا بناء القدرات الدفاعية وحده يكفي، ولا إدارة الاستقرار الداخلي يجيب عنه. ومع تآكل السرديات التي حكمت المشرق لعقود — من القومية العسكرية إلى الأيديولوجيات العابرة للدولة — ظهر فراغ سياسي في الإقليم يطرح سؤالاً أعمق: من يملك صلاحية صياغة النظام الإقليمي القادم؟
وفي هذا السياق تطرح المبادرات القائمة، ومنها “الاتفاقات الابراهيمية”، سؤالاً مشروعاً لكنه ليس السؤال الكافي. فالإطار الذي يمكن أن يمنح الخليج دوراً تاريخياً لن يكون مجرد تطبيع أو تحالف دفاعي، بل مشروعاً أوسع يعرّف قواعد الاستقرار الإقليمي ويحدد من يملك صلاحية صياغتها.
الخليج لم يُطرح عليه حتى الآن أن يكون صانع نظام، بل شريكاً فيه.
وإذا كانت التجارب التاريخية تكشف أن المراكز الاقتصادية لا تتحول إلى مراكز قوة إلا حين تُترجم ثروتها إلى رؤية سياسية، فإن الخليج يقف اليوم عند هذا التحول بالذات: التراكم الاقتصادي موجود، والفراغ الإقليمي واسع، واللحظة مفتوحة. ما يظل غائباً هو المشروع الذي يمنح هذا الثقل معنى يتجاوز إدارة الاستقرار.
في لحظات التحول الكبرى لا يكفي أن تمتلك الدول الثروة أو الاستقرار. ما يصنع الفرق حقاً هو القدرة على تحويل هذا الثقل الاقتصادي إلى مشروع سياسي وحضاري قادر على الاستمرار — مشروع يُعرّف الخليج لا بما يملك، بل بما يبني.

(أخبار سوريا الوطن2-صفحة الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إعادة تعريف الأمن الخليجي: ما بَعد الحرب ليس كما قَبلها

  حسين إبراهيم     “ترى الإمارات لحمتها مرة وجلدها غليظ. حنّا ما ننّكل. أريد طمّن الجميع أننا بنظهر أقوى”. هذه الكلمات القليلة التي تعمّد ...