آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » كيف تؤثر أزمة الغاز في المنطقة على سوريا؟

كيف تؤثر أزمة الغاز في المنطقة على سوريا؟

مجد عبيسي

تلقي أزمة الغاز في السوق العالمية بظلالها على الاقتصاد السوري بشكل مباشر وغير مباشر، لا سيما قطاع الكهرباء.

وأوقفت “قطر للطاقة” عمل منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي أثرت على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما بدد نحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية في الوقت الحالي.

وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، الأسبوع الماضي، إن الأمر قد يستغرق شهوراً حتى تعود عمليات التسليم إلى طبيعتها.

ووسط أزمة إقليمية متشابكة، يواجه الاقتصاد السوري ضغوطاً تضخمية، قد تمتد آثارها إلى الاستثمارات المحلية والمشاريع الناشئة والخدمات الأساسية.

المتغير الأكثر تأثيراً

يؤكد الخبراء في حديثهم لصحيفة “الثورة السورية”، أن أزمة الغاز الإقليمية لها تبعات متعددة المستويات على سوريا.

وذكرت الشركة السورية للبترول أن الحرب الإقليمية أثرت بشكل كبير على توريد الغاز من الشركاء الخارجيين.

والعام الماضي، أعلنت قطر مبادرة لتزويد سوريا بكميات من الغاز الطبيعي عبر الأردن، بهدف دعم قطاع الطاقة وتوليد نحو 400 ميغاواط، كما مولت وصول الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا.

وشهد مطلع العام الحالي بوادر لحل مشكلة الطاقة في سوريا، حيث ارتفعت الكمية المولدة بما يفوق الضعف، من نحو 1600 ميغاواط ساعي إلى أكثر من 3000 ميغاواط ساعي مع وصول الغاز المصري الوارد عبر الأردن، ما أدى إلى تحسن ساعات الوصل لتتراوح بين 12 و20 ساعة في اليوم، بعد أن كان التقنين الجائر يصل إلى نحو 20 ساعة يومياً قطع على مستوى البلاد.

لكن الوضع عاد إلى التراجع بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية– الإيرانية، إذ انخفض وصل الكهرباء بنحو 50 بالمئة بعد إيقاف مصر ضخ 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً إلى سوريا ولبنان، عبر الأردن، بالتزامن مع تخفيض الشركة السورية لتوليد ونقل الكهرباء الطاقة المنتجة من محطة دير علي في ريف العاصمة إلى النصف، لإجراء الصيانة الدورية.

وأوضحت وزارة الطاقة أن الانخفاض الحاصل في ساعات التغذية الكهربائية حالياً، يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إضافة إلى توقف ضخها في بعض الأحيان.

وقالت الوزارة في بيان، إن هذا التوقف يأتي نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن، وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة، مشيرة إلى العمل بالتوازي على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.

ورأى المحلل الاقتصادي سامر رحال، أن أزمة توقف الغاز القطري ستبدأ بالضغط على منظومة الكهرباء التي تعاني أصلاً من نقص الوقود وتراجع الإنتاج في سوريا.

وأضاف رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا سينعكس على حياة السكان، لأن الكهرباء في سوريا مرتبطة مباشرة بمعظم القطاعات اليومية. فزيادة ساعات التقنين ترفع تكاليف تشغيل المصانع والورش الصغيرة، وتزيد الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما قد تتأثر خدمات أساسية مثل ضخ المياه وتشغيل بعض المرافق العامة.

الإنتاج المحلي

رغم أن سوريا تمتلك احتياطيات غاز مهمة في حقول الجزيرة، إلا أن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وخطوط النقل خلال السنوات الماضية، تقلل من إمكانية الاعتماد عليها.

ولا يتجاوز الإنتاج المحلي من الغاز 110 أطنان يومياً، مقابل احتياج يومي يبلغ نحو 1700 طن، في حين تتسع خزانات الغاز في سوريا لنحو 7000 طن فقط، وهي استطاعة محدودة مقارنة بحجم الطلب.

ويرى المحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن الحكومة اليوم مضطرة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الموارد المحلية المحدودة أو البحث عن بدائل أكثر تكلفة، وهو ما يزيد الضغط على قطاع الطاقة ويقلل قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب.

ويوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن إنتاج الغاز محلياً لا يزال قائماً، لكنه يواجه تحديات عدة، بما في ذلك تضرر بعض الحقول خلال فترة النظام المخلوع، كما أن عمليات الصيانة والتطوير تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة.

لذلك، فإن الكميات المنتجة محلياً لا تكفي لتغطية الحاجة الكاملة لمحطات الكهرباء والصناعة والمنازل. وكان الغاز المستورد يساعد على تعويض جزء من النقص، لكن بعد توقفه تتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وتعمل الشركة السورية للبترول حالياً على بناء خزانات جديدة وتأهيل مصب نفطي لتعزيز قدرة التخزين والتفريغ.

وفي ما يتعلق بالحلول طويلة الأمد، أكدت الشركة أن استيراد الغاز يُعد إجراء مؤقتاً، في حين تعتمد الخطة الاستراتيجية على تطوير حقول الغاز السورية وزيادة الإنتاج المحلي وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء للمواطنين.

وأضافت الشركة أن سوريا قد تحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لتصبح دولة مصدّرة للنفط، مشيرة إلى توقيع مذكرة تفاهم لاستكشاف حقول الغاز في البحر.

القطاعات المتضررة

يشير السيد عمر إلى أن القطاعات المتضررة واسعة، إذ قد تتأثر الخدمات الأساسية مثل ضخ المياه وتشغيل المستشفيات والمدارس. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، تنعكس هذه الضغوط على أسعار السلع والخدمات، ما يزيد العبء على الأسر التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة. وهنا، يصبح تطوير الحقول السورية أكثر أهمية لتعويض جزء من النقص.

ويضيف أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على قطاع الكهرباء، لكنها تحتاج إلى استقرار أمني واستثمارات وتقنيات حديثة. كما أن تحسين شبكات النقل والتوزيع يساهم في تقليل الهدر وضمان وصول الغاز إلى محطات التوليد بكفاءة أكبر.

تكلفة إضافية

يتوقع المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، أن تتجه بعض المعامل والورش والمحطات في الفترة القادمة إلى خطوط طاقة أخرى مثل المازوت أو الفيول أو أنواع وقود أخرى، رغم أن هذا له تكلفة أعلى بكثير، وهذا سيؤثر مباشرة على أسعار المنتجات والخدمات.

كما أن الدولة ستتحمل تكاليف ارتفاع الأسعار، كونها تبيع الكهرباء اليوم وفق شرائح معينة، وفي حال اضطرّت إلى رفع التكلفة بالانتقال إلى المازوت أو الفيول، سيؤدي ذلك إلى زيادة التكلفة عليها، ولكن لا يمكن رفع أسعار شرائح الكهرباء مرة ثانية، وبالتالي سيصبح عبئاً على الميزانية العامة، وفق ما قال الدبس لصحيفة “الثورة السورية”.

من جهة أخرى، ستضطر الشركات العامة أو الخاصة، الخدمية والإنتاجية، إلى رفع أسعارها وتشغيل الكهرباء بأنواع أخرى من الوقود.

ويرجح الدبس أيضاً أن يرتفع سعر المازوت المنزلي، وبالتالي ستزداد تكاليف المعيشة من جهة، وتكاليف الإنتاج وتزداد الأسعار من جهة أخرى. ما يعني أن التأثير سيكون مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد السوري ككل.

ونتيجة لذلك، قد لا تحتمل بعض المصانع والورش هذه الزيادة، فستضطر إلى إغلاق أبوابها أو العمل بساعات أقل بكثير من الساعات الممكنة، لأنها لا تملك القدرة على رفع الأسعار. وبالتأكيد، سيشمل هذا معامل الصناعات الغذائية والأسمنت والحديد وأي مصانع أخرى.

مشروعات الطاقة

يرى الدبس أن هناك تأثيراً غير مباشر سيظهر في أي مشاريع طاقة ناشئة لتجديد المحطات أو تحديثها أو إنشاء محطات جديدة، ودخول مستثمرين، وكل ذلك سيتوقف لأنه في الأساس لا يوجد غاز لتشغيل المحطات.

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تسرب المستثمرين، لأن دراسات الجدوى كانت مبنية على غاز بسعر معين أو مازوت بسعر معين، فارتفاعه الآن سيؤدي إلى تغير في دراسات الجدوى، وبالتالي ستنشأ مشاكل.

وهذا الارتفاع غير معروف المدة، فربما إذا توقفت الحرب خلال أسبوعين أو ثلاثة شهور، قد تعود الأسعار إلى طبيعتها. أما إذا استمرت الفترة أطول، فسيظل الارتفاع، وهذا سيؤدي إلى أن جميع عمليات التحديث والتطوير وإنشاء المعامل الجديدة والصناعات الجديدة ستعيد حساباتها من البداية، وربما تتوقف لفترات طويلة.

ويوضح الدبس أن هذا يعني أن الاقتصاد السوري ككل سيتأثر بشكل مباشر، وكذلك الدخل والخدمات العامة. وسيؤدي ذلك إلى تأثير واضح على تشغيل اليد العاملة ودخل المواطن، سواء من خلال الأجور أو من خلال إيرادات الدولة من الضرائب والرسوم وغيرها.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة فينتشر جلوبال الأمريكية، ثاني أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، مايك سابل، خلال منتدى معني بأمن الطاقة في طوكيو إن التقلبات في أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية الناجمة عن أزمة الشرق الأوسط “قصيرة الأجل للغاية”.

وأضاف سابل: “هناك تقلبات هائلة في الأسواق.. لكننا نرى أن هذا قصير الأجل للغاية ومتفائلون بشدة حيال متانة السوق على المدى المتوسط والطويل وقوة الاستثمارات فيها وعودة الإمدادات من جديد. نتوقع استقراراً كبيراً في أسعار التسييل على المدى الطويل”.

وتشير تقديرات إلى أن متوسط سعر الغاز الطبيعي المسال للتسليم في نيسان لمنطقة شمال شرق آسيا 19.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بانخفاض عن 22.50 دولار في الأسبوع السابق، والذي كان أعلى مستوى منذ منتصف كانون الثاني 2023.

وقالت مصادر بالقطاع إن التقديرات خلصت إلى أن سعر التسليم في أيار سيكون 18.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

ضرر متبادل

يشير الدبس إلى أن الضرر سيكون متبادلاً بين الطرفين: زيادة تكاليف الإنتاج سترفع الأسعار، ما يؤدي إلى التضخم، وبالتالي سيواجه المواطن صعوبة في شراء المواد الأساسية وتلبية احتياجاته اليومية. أما من جهة الدولة، سينعكس ذلك على الميزانية، سواء من ناحية دعم الكهرباء أو من ناحية تراجع الاستثمارات وانخفاض الإيرادات الضريبية الناتجة عن العمليات التشغيلية، مما يخلق خللاً وضغطاً على الاقتصاد السوري، وينعكس لاحقاً على الأمن القومي.

ويضيف أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وهناك علاقات وعقود استثمارية طويلة وقوية بين قطر وبلدان الخليج الأخرى وبين سوريا. وستتأثر هذه العقود أيضاً، مما يؤدي إلى تأثير مباشر على جميع البنود المرتبطة بالاستثمارات، وتتوقف الاتفاقات المعقودة بين الحكومة السورية والحكومات القطرية أو الخليجية.

عندها ستضطر سوريا إلى شراء الغاز من مصادر أخرى، سواء من روسيا أو أذربيجان أو مصادر أخرى، وربما فتح أسواق جديدة لتغطية العجز، لكن بأسعار السوق الرائجة وليس بأسعار الدعم المقدمة من قطر. وهذا سيجبر سوريا على فتح مجالات اقتصادية وسياسية جديدة مع دول كانت في السابق في غنى عنها، وفق الدبس.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير المالية :إيضاحات مهمة بشأن التعاميم التي اصدرتها الوزارة بخصوص رواتب المتقاعدين 

    نشر وزير المالية د. يسر برنية منذ قليل توضيحاً بشأن التعاميم الصادرة مؤخراً عن وزارة المالية بشأن رواتب المتقاعدين المتوقفة،معتبراً أن هناك حاجة ...