إخلاص علي
تكشف بيانات الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لعام 2025 عن اختلال واضح في الميزان التجاري السوري.
وبينما يؤكد الخبراء أن هيمنة الواردات أمر طبيعي في الدول الخارجة من حروب، تشير الأرقام إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتجاوز حالة الركود وتعزيز الإنتاج المحلي. ويشمل ذلك التركيز على تحفيز الصادرات، وتطوير الموانئ والبنية التحتية، ودعم المستثمرين، لضمان تفادي استمرار العجز المالي وخلق فرص اقتصادية مستدامة.
اختلال طبيعي
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة المنافذ والجمارك لعام 2025، التي حصلت صحيفة “الثورة السورية” على نسخة منها، هيمنة واضحة لحركة الاستيراد على حساب التصدير، إذ سجلت الشاحنات الواردة 542,373 شاحنة، في حين بلغت شاحنات التصدير 63,092 شاحنة.
وعلى صعيد الأوزان، بلغ إجمالي وزن البضائع المتبادلة 14,472,970 طناً، شكلت الواردات منها النسبة الأكبر بـ12,211,006 أطنان، مقابل صادرات بلغت 2,261,964 طناً، ما يظهر الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري.
وعلى الساحل السوري، سجّل نشاط الموانئ البحرية حركة لافتة في مناولة البضائع، تصدّرها ميناء طرطوس الذي استقبل 924 باخرة متنوعة بين بضائع عامة وصيانة وحاويات، وبلغت كمية البضائع المتناولة فيه 6,546,276 طناً، بعدد حاويات بلغ 7,061 حاوية.
أما مرفأ اللاذقية، فقد استقبل 512 باخرة، تصدرت فيها بوارج الحاويات 272 باخرة، تلتها بوارج البضائع العامة 214 باخرة، وبلغ إجمالي البضائع المتناولة في المرفأ 3,255,307 أطنان، بعدد حاويات بلغ 176,930 حاوية.
ويرى الخبير الاقتصادي زياد عربش، أن اختلال الميزان التجاري في سوريا ظاهرة طبيعية في مرحلة التعافي الأولى، حيث يسيطر الاستيراد على المشهد لتلبية احتياجات إعادة الإعمار والاستهلاك المحلي، في حين يعاني التصدير من ضعف الإنتاج المحلي.
وأرجع عربش هذه الفجوة إلى أسباب رئيسة، أبرزها الدمار الواسع للبنية التحتية الذي طال الصناعات والزراعة، مما حد من القدرة الإنتاجية ودفع البلاد للاعتماد على الواردات، خاصة من تركيا والأردن بسبب انخفاض التكاليف والقرب الجغرافي.
وتتركز هذه الواردات في المحروقات والغاز والحبوب التي تضررت بشدة من الجفاف القاسي، بالإضافة إلى الآلات والتجهيزات اللازمة لتعويض ما هو بالٍ.
كما أسهم رفع العقوبات والقيود السابقة في ملء الفجوات المتراكمة خلال السنوات الماضية، في حين لا تزال الصادرات السورية تعاني من ضعف الجودة والتسويق عالمياً، فضلاً عن اعتمادها على المواد الخام والمنتجات الزراعية الأولية دون إضافة قيمة عالية.
وأكد عربش لصحيفة “الثورة السورية” أن هذا الوضع متوقع ويشبه اقتصادات ما بعد الصراع مثل لبنان والعراق، حيث يصل الاستيراد إلى 80–90 بالمئة من الحركة التجارية في السنوات الأولى، غير أنه حذر من أن استمرار هذا العجز يتطلب تدخلات فورية لتجنب الانهيار المالي.
واقترح عربش استراتيجيات تشمل تحفيز الصادرات عبر دعم الإنتاج الصناعي، إصلاح المنظومة الجمركية لتقليل التأخير والرسوم على المصدرين، وتطوير المنتجات الوطنية في قطاعات الزراعة والغذاء والفوسفات، مع العمل على تحسين جودتها للحصول على الشهادات الدولية التي تتيح لها دخول أسواق الخليج وأوروبا.
كما دعا إلى إعادة تقييم الاتفاقيات التجارية مع تركيا والدول العربية، وتطوير الموانئ، مع ضرورة عودة الاستقرار للقطاع المصرفي وجذب الاستثمارات العربية والأجنبية.
شروط وحوافز
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، أن هيمنة المستوردات على الصادرات في المرحلة الحالية أمر طبيعي، وعزا ذلك إلى سببين رئيسين: الأول، الانفتاح الكبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية الملحة للسلع والمنتجات كافة، والثاني، تردي الإنتاج المحلي نتيجة السياسات الخاطئة للنظام البائد وانهيار البنية التحتية على مدى 15 عاماً.
وأضاف قضيماتي لصحيفة “الثورة السورية” أن تحفيز الصادرات ودفع عجلة الإنتاج مرهون بشروط أساسية عدة، على رأسها عودة رؤوس الأموال والاستثمارات، إذ لا يمكن للاقتصاد الانتعاش دون عودة الأموال السورية المهاجرة والاستثمارات، خاصة من رجال الأعمال السوريين الذين كانوا العمود الفقري للصناعة قبل عام 2011.
وأوضح أن الشروط الأخرى تشمل تفعيل القطاع المصرفي عبر إحياء الدور الحقيقي للبنوك في تحريك الأموال عبر القنوات الرسمية وتقديم التسهيلات الائتمانية، وهو أمر لا يزال غائباً حتى الآن.
كما شدد على أهمية توفير بنية تحتية جاذبة، مشيراً إلى أن تكاليف الكهرباء المرتفعة وانقطاعها تشكل عائقاً كبيراً أمام عودة الصناعيين مقارنة بالدول التي انتقلوا إليها.
وقدّم قضيماتي رؤية للحوافز التي يمكن أن تشجع المستثمرين على العودة، وركز بشكل خاص على المستثمر السوري، وتشمل:
- تسهيلات استيرادية: عبر تقديم حوافز جمركية وضريبية لاستيراد الآلات والمعدات اللازمة لإقامة المشاريع أو إعادة تشغيلها.
- دعم مالي ومصرفي: من خلال إتاحة قروض ميسرة ومنح عبر البنوك للمساعدة في بدء الأعمال، خاصة وأن القطاع المصرفي ما زال غير فاعل بالقدر الكافي.
- حماية المنتج المحلي: إذ يواجه الصناعيون مشكلة انخفاض هامش الربح بسبب انخفاض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة المنافسة، مثل قطاع النسيج، حيث الضرائب على الأقمشة المستوردة منخفضة، ما يضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي.
واقترح قضيماتي أن تحذو الحكومة حذو ما فعلته في قطاع الدواجن، حيث رفعت تكاليف استيراد الدجاج ومنعته لفترة مؤقتة، مما شجع المستثمرين على إنشاء مداجن محلية لتحقيق أرباح أكبر، مؤكداً أن هذه السياسة تمثل حافزاً أساسياً يمكن تعميمه على قطاعات أخرى لإنعاش الإنتاج المحلي والتصدير.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
