ط
خليل كوثراني
لماذا يسأل كاتب في صحيفة خليجية هذه الأيام ما إن كانت الحرب ستغيّر سياسات إيران؟ ليس السؤال فقط للإشارة إلى الخشية من تداعيات نجاة إيران، بل كذلك لمنح العدوان وجاهة عبر اعتبار أن إيران قد استحقّته وأوقعت نفسها فيه. كيف ذلك؟ يحيل الكاتب «ورطات» إيران إلى معتنقات غيبية إيمانية هي أُسّ الأزمة، إذ جعلت دورها «غير طبيعي» جراء مذهبها الأيديولوجي، وها هي اليوم تدفع الثمن بعد أن أمهل الربّ الأميركي ولم يُهمل.
طبعاً، سيغيب عن قراءةٍ في مثل هكذا سياق، النقدُ تجاه الخطاب المسيحاني والصليبية الجديدة والأحلام الصهيونية، حتى لا يتمّ التشويش على حصرية إيران في مربّع الارتهان للهذيان العقائدي الشاذّ بين أمم المنطقة والعالم. يغيب ذلك رغم أن ترامب، وطيف من فريقه المقرّر في هذا العدوان، يلاقي نتنياهو في حرب هرمجدونيّة الصبغة تحتاج، وفق الأخير، إلى مزيد من العمل؛ فالمسيح سيظهر لكن ليس في غضون يومين، كما أوضح.
التغاضي عن كلّ هذا التحشيد الديني المقابل، الناضح عدوانية وعنصرية وكراهية وخرافية، والموثّق بتصريحات شبه يومية، وبغضّ النظر عن نوايا المتغاضين، هو توطئة للتعمية على تحرّي التوصيف الحقيقي للحرب الجارية الآن؛ علماً أن ذلك التحشيد الديني في العدوان، على أهمّيته الكاشفة لطبيعة العدوّ، لا يمثّل، في النهاية، سوى ذخيرة لشرعنة حرب غير شعبية في الولايات المتحدة لا تمسّ المصالح الحيوية المباشرة لها كما يردّد الجميع، ولو اشتركوا جميعاً هناك في هدف الحفاظ على الهيمنة.
ما هو، إذاً، التوصيف الحقيقي لجوهر هذه الحرب؟ هو، ببساطة، الحفاظ على الهيمنة عبر تأمين تسيّد إسرائيل المنطقة. وهذا ما يعنيه أنها، ببعدها الإقليمي، هي حرب «إسرائيل الكبرى». الجديد في الأمر، أنه لم يعد في الإمكان الحفاظ على إسرائيل، وجوداً ودوراً، إلا بمشروع «إسرائيل الكبرى»، أي تلك التي تتحرّك خارج «الحدود». ونتنياهو، من لحظة إعلانه «حرب الاستقلال الثانية» إثر السابع من أكتوبر، لم يترك «إسرائيل الكبرى» مسألة عائمة في مساحة الأحلام التوسّعية في التصوّرات التقليدية فحسب، بل قدّمها في حلّة الخطّة الدفاعية شبه الوحيدة التي يمكن أن تؤمّن مستقبل دولة إسرائيل. وهو لا يخفي سبيله إلى ذلك: (١) ضرب إيران و(٢) تفتيت المنطقة، كعلاجين حاسمين لما يتوافر من تهديدات، ماثلةٍ لا يمكن التعايش معها، ومحتملةٍ تجب المبادرة إلى وأدها.
لم يعد في الإمكان الحفاظ على إسرائيل، وجوداً ودوراً، إلا بمشروع «إسرائيل الكبرى»
نحن، من ثمّ، لا نتحدّث، مع هذه النسخة من «إسرائيل الكبرى»، عن أسطوانة المطامع الصهيونية وأحلام التوسّع من النيل إلى الفرات بالمعنى الفضفاض، وإن كانت هذه الأحلام بذاتها عدّة تعبئة واستقطاب لا يستهان بها؛ بل عن كيان يريد أن يؤمّن وجوده وتسيّده على حساب المحيط، تدميراً أو قضماً أو تطويعاً، فإذ به لا يرى لنفسه حياة ودوراً بغير الغلبة الحاسمة على جميع الأغيار وإزاحة الأخطار الماثلة ووأد المحتملة.
إن مفهوم «إسرائيل الإمبراطورية» الذي بات يتداول ـــ وهو وصف مغرق في المبالغة ـــ لا يعبّر عن حقيقة إسرائيل وقدراتها الذاتية، بقدر ما يدلّ على ما يتوسّله نتنياهو من عدوانية، بمدد أميركي، للحفاظ على مستقبل الكيان في محيطه العدائي، عبر تجديد دوره التاريخي كوكيل واستثمار ناجح للغرب. وما محاولته إعادة تشكيل «الشرق الأوسط»، بدواً من ضرب إيران القوة المركزية المعادية، إلا الأداة لهذه الرؤية.
لقد أخرج السابع من أكتوبر الأفعى من جحرها، وهي قد بلغت في العاشر من رمضان أقصى تمدّدها؛ وانتهاء الحرب على ما هي عليه من نتائج، كفيلة، في أدنى تبعاتها الإقليمية، بإحباط طموح نتنياهو وبعثرة رؤيته للمنطقة. من هنا، فإن ضرب إيران – وهذا المهم في الربط العملي بـ«إسرائيل الكبرى» – هو اجتثاث لعمق العقبات الماثلة، ومن ثمّ إعمال مبضع التفتيت لدرء العقبات المحتملة التي ستصبح لقمة سائغة، وكلّ ذلك لإكمال ترتيبات إسرائيل للإقليم. هذا ما يُرجى أن يكون عليه المدخل لأي قراءة عربية للحرب؛ قراءة تأخذ في الاعتبار مصالح المنطقة وشعوبها، ولا ترتضي التساهل مع محاولات الزجّ بالدول العربية في هذا العدوان وقوداً لأحلام نتنياهو، وخدمة لأوهام مأفونين كدونالد ترامب وليندسي غراهام.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
