في لحظةٍ مفصلية من تاريخ سوريا الحديث، خرجت أصوات المحتجين في مدينة درعا في الثامن عشر من آذار عام 2011، معلنة بداية مرحلة جديدة عنوانها الحرية والتغيير.
ذلك اليوم، الذي جاء في سياق إقليمي مضطرب مع تصاعد موجة الاحتجاجات في عدد من الدول العربية، شكّل نقطة انطلاق لمسار سياسي وإنساني معقّد امتد لسنوات طويلة وترك بصماته العميقة على المجتمع السوري.
وكانت “جمعة الكرامة” في ذلك العام أولى جُمَع الثورة السورية، حيث انطلقت شرارتها من مدينة درعا، لترافقها مظاهرات في دمشق وحمص ومضايا، فيما كانت أضخم التحركات بعد درعا في مدينة بانياس، التي شهدت حالة مشابهة من الانتفاضة الشعبية.
البدايات التي مهّدت للانفجار
سبق ذلك اليوم مظاهرة في سوق الحميدية في 15 آذار، والتي شكّلت أول استجابة لدعوات الثورة في سوريا، وانتهت باعتقال معظم المتظاهرين، تلاها اعتصام أهالي المعتقلين أمام وزارة الداخلية في 16 آذار.
كما شهد حي الحريقة احتجاجاً في 17 شباط على خلفية مشكلة مع شرطة المرور، إضافة إلى وقفات احتجاجية أمام السفارة المصرية في 29 كانون الثاني، وأمام السفارة الليبية في 22 و23 شباط.
وسبقت ذلك دعوات لم تنجح لتنظيم “يوم الغضب” في 4 و5 شباط، بالتوازي مع موجة من الكتابات المناهضة للنظام المخلوع منذ انتصار الثورة المصرية، كان أبرزها في درعا البلد، حيث أعقبها اعتقال أطفال درعا في 17 شباط، وتحولت هذه الحادثة إلى شرارة أسهمت في تفجّر الغضب في لحظة اتسمت بقابلية عالية للثورة في سوريا.
وفي هذا التقرير، يروي أحد شهود البدايات تفاصيل الساعات الأولى لانطلاق الاحتجاجات، والظروف التي مهّدت لها، والتحولات التي أعقبتها في مدينة درعا ومناطق أخرى من البلاد.
لحظة الانطلاق.. من المسجد إلى الشارع
أوضح أحد منسّقي المظاهرات والاحتجاجات في درعا، والناشط رمزي أبو نبوت، المشارك في أول مظاهرة ضد نظام الأسد المخلوع في 18 آذار 2011، أن رياح الربيع العربي كانت قد اجتاحت عدداً من الدول العربية قبل اندلاع احتجاجات درعا، وكان من المتوقع وصول هذه الموجة إلى سوريا أيضاً.
وأضاف أبو نبوت، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن الدعوات للاحتجاج سبقت تاريخ 18 آذار، ورافقتها تحركات سرية تمثلت بكتابة شعارات على الجدران وتوزيع منشورات تنتقد النظام المخلوع.
وأشار إلى أن القبضة الأمنية المشددة المفروضة آنذاك خلقت حالة خوف عامة بين المواطنين، ما حدّ من قدرتهم على الخروج في احتجاجات علنية، رغم تصاعد الاحتقان في الشارع.
وبيّن أن الدعوة الأولى جاءت عقب اجتماع للناشطين في مسجد الحمزة والعباس مساء 17 آذار، حيث وُجّهت دعوة لعدد من الشباب والناشطين للتحضير للاحتجاجات، وبعد صلاة الجمعة في اليوم التالي مباشرة، خرج المشاركون مردّدين هتافات تطالب بالحرية، متجهين من المسجد نحو المسجد العمري، الذي كان يشهد انتشاراً أمنياً كثيفاً.
وأضاف أن مسجد الحمزة والعباس يبعد نحو 300 متر عن المسجد العمري، ومع انطلاق المحتجين باتجاهه واجهتهم قوات الأمن الداخلي، التي حاولت منعهم وأطلقت النار في الهواء لتفريقهم، إلا أن إصرار المتظاهرين دفعهم إلى مواصلة المسير حتى الوصول إلى المسجد العمري، حيث استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وأطلقت النار، في وقت بدأت فيه الحشود تتدفق من مساجد وأحياء مختلفة في المدينة.
وتابع أبو نبوت أن احتجاجات 18 آذار تميّزت بطابعها الشعبي الواسع، إذ شارك فيها مختلف فئات المجتمع من كبار وصغار، ومثقفين وعمال وفلاحين، إضافة إلى النساء، ولم تكن هذه التحركات مرتبطة بأي إطار حزبي أو مطالب فئوية، بل جاءت تعبيراً عن مطالب شعبية عامة.
وأكد أبو نبوت أن الدعوات للاحتجاج التي سبقت يوم 18 آذار لم تنجح بسبب القبضة الأمنية الصارمة والتسريبات التي كانت تصل إلى الأجهزة الأمنية، فقد جرت محاولة لتنظيم وقفة احتجاجية في 15 آذار في ساحة السرايا بدرعا، إلا أن المنظمين فوجئوا بانتشار مكثف لقوات الأمن، ما أدى إلى إلغاء الوقفة قبل انطلاقها.
وأشار إلى أن اختيار يوم الجمعة جاء لعدة أسباب، أبرزها أن المساجد تشهد تجمعات كبيرة للمصلين، ما يتيح مشاركة أوسع في الاحتجاجات بعد الصلاة مباشرة، كما أن الاتفاق على الخروج في هذا اليوم كان يسمح بمشاركة عدد أكبر من المواطنين، بدلاً من اقتصار التحركات على مجموعات محدودة من الناشطين.
وأضاف أن انطلاق الهتافات الأولى المطالبة بالحرية في شوارع درعا قوبل بالتفاف شعبي واسع، حيث ارتفعت مطالب تدعو إلى الحرية وإجراء إصلاحات وتغيير عدد من القوانين، إضافة إلى إنهاء سيطرة الأجهزة الأمنية على مفاصل الحياة المدنية في المحافظة.
سقوط الضحايا واتساع الحراك
وأوضح أن قوات الأمن تعاملت مع الاحتجاجات بقبضة مشددة، فبدأت بإطلاق النار في الهواء واستخدام القنابل المسيلة للدموع، وبعد نحو ساعة من بدء المظاهرات، وصلت تعزيزات أمنية من دمشق، بينها عناصر إضافية ومروحيات هبطت في الملعب البلدي بدرعا، ومع وصول هذه القوات، بدأ إطلاق النار المباشر على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط أول قتيلين في الثورة السورية، محمود الجوابري وحسام عياش، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى.
وبيّن أن سقوط ضحايا شكّل نقطة تحوّل في مسار الحراك، إذ عزّز إصرار المتظاهرين على مواصلة تحركاتهم والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار، مؤكداً أن الاحتجاجات كانت سلمية ولم تتضمن استخدام العنف، في حين واجهتها قوات الأمن بإطلاق النار المباشر.
كما أسهمت احتجاجات درعا في كسر حاجز الخوف، وهو ما انعكس لاحقاً في خروج مظاهرات في مدن سورية أخرى، حيث بدأت أصوات المطالبة بالإصلاح والحرية ترتفع في مناطق مختلفة من البلاد، ما جعل من مظاهرة درعا نقطة انطلاق لتحركات أوسع.
وأكد أبو نبوت أنه في تلك الفترة اتهم الإعلام الرسمي المحتجين بمحاولة زعزعة الاستقرار، ونفى وقوع عمليات قتل أو إطلاق نار، في المقابل، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في نقل صور ومقاطع من المظاهرات، ما ساهم في إيصال صوت المتظاهرين إلى مناطق سورية أخرى وإلى الرأي العام خارج البلاد.
كما أوضح أنه يُنظر إلى يوم 18 آذار بوصفه محطة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، إذ مثّل بداية مرحلة جديدة من الاحتجاجات التي حملت مطالب التغيير والإصلاح، وقد دفع هذا اليوم ثمناً باهظاً من الضحايا، لكنه بقي في ذاكرة كثيرين لحظة تحوّل في المشهد السوري.
وأضاف أن من أبرز الشعارات التي رُفعت في ذلك اليوم: “حرية حرية”، و“اللي بقتل شعبه خائن”، إضافة إلى شعارات طالبت بالإصلاح ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين.
وختم أبو نبوت حديثه بالإشارة إلى أن الدعم الأكبر لمدينة درعا في بداية الحراك جاء من أبناء حوران في الريف الشرقي والغربي للمحافظة، الذين ساندوا المتظاهرين في درعا البلد، ومع استمرار الاحتجاجات، بدأت مدن سورية أخرى بالانضمام تدريجياً، مثل دوما وداريا وحمص وبانياس ومناطق أخرى، لتتوسع دائرة المظاهرات في أنحاء البلاد.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
