آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الحرية وانعكاسها على الإبداع.. كيف تغيّر المشهد الثقافي السوري؟

الحرية وانعكاسها على الإبداع.. كيف تغيّر المشهد الثقافي السوري؟

سعاد زاهر

بعد انتصار الثورة السورية، لم يعد السؤال مقتصراً على ما حدث، إنما امتدّ إلى التفاصيل اليومية التي تبدّلت في حياة الناس، حيث تختلط الآمال بالأسئلة، والانتصارات بالتحديات الثقيلة، وبينما تتغيّر صورة سوريا في الداخل والخارج، يحاول السوريون فهم ما الذي تغيّر فعلاً، وما الذي ما زال ينتظر تحوّلاً أعمق.

في هذه المادة نستمع إلى ثلاث شهادات من مجالات مختلفة: الكاتب عمار الأمير، والفنانة التشكيلية عفراء كيالي، والمسرحي فراس الأحمد، في قراءة لنتاج الثورة السورية الثقافي بعد أكثر من عام على التحرير.

ما الذي تغيّر في حياة الناس؟

تتوقف المحطة الأولى عند تبدّل ملامح الحياة اليومية في سوريا بعد عام من استعادة الحرية، والتفاصيل الصغيرة التي تكشف التحوّل الحقيقي في روح الناس.

يرى الكاتب عمار الأمير أن التغيير الأعمق لا يظهر في الشعارات، بل في إحساس الناس بالوطن ذاته، ويقول إن “السجن الكبير” الذي عاش فيه السوريون لعقود طويلة تحوّل اليوم إلى “بيت كبير”، بعدما استعاد الوطن معناه الأساسي بوصفه ملاذاً وأماناً.

ويضيف أن أجمل ما في المرحلة الجديدة هو عودة السوري إلى وطن لم يغادره في الحقيقة، في إشارة إلى استعادة الشعور بالأمان تدريجياً، كما يلفت إلى أن مصادر الطمأنينة التي كانت قد جفّت بالكامل بدأت تتنوّع من جديد، فيما تبدو على وجوه الناس آثار تعب طويل أخذ يتراجع أمام تصوّرات عن مستقبل يحترم الإنسان ويصون كرامته.

أما الفنانة التشكيلية عفراء كيالي فترى أن التحوّل الحقيقي يتجلّى في التفاصيل اليومية التي لا تلتقطها الكاميرات، وتؤكد أنه بعد عام من الحرية عاد الأمان النفسي إلى الناس، وأصبح السير في الشوارع دون خوف من الحواجز أو الاعتقال أمراً طبيعياً.

وتشير إلى أن التحوّل الأصدق يتمثّل في عودة الصوت السوري من ظلمة الهمس إلى وضوح التعبير الطبيعي، وبدء الناس الحديث عن السياسة والشأن العام دون خشية أو تردّد.

من جهته، يصف المسرحي فراس الأحمد التغيير في الحياة اليومية بأنه نتيجة مباشرة للتحوّلات التي شهدها القطاعان العام والخاص، ويقول إن الحياة باتت أفضل من السابق، ولا سيما مع بروز طاقات الشباب ومهاراتهم الفنية إلى العلن بعد سنوات طويلة من التهميش والخوف، ويرى أن عودة مظاهر الفرح إلى الفضاء العام، وظهور المواهب في مجالي الفن والمسرح، يعكسان تحوّلاً نفسياً واجتماعياً مهماً داخل المجتمع.

بين التحرّر والتحديات

وفي معرض الإجابة عن سؤال حول القطاعات التي شهدت التغيير الأعمق خلال العام الماضي، وتلك التي ما زالت تعاني من القيود، يؤكد الكاتب عمار الأمير أن الاقتصاد لا يزال التحدي الأكبر في هذه المرحلة، فبرأيه، تحتاج سوريا إلى قفزة تنموية حقيقية لا تقتصر على الخطط النظرية، بل تسهم في رفع معدلات النمو في الدخل القومي، والحدّ من البطالة، ومساعدة المجتمع على تجاوز أسباب التخلّف التي تراكمت خلال عقود من الاستبداد.

كما يرى أن الإعلام بحاجة إلى تحوّل جذري، إذ لا يمكن – بحسب تقديره – أن يستقيم المشهد الإعلامي في ظل وجود صحيفة واحدة تصدر عن مؤسسة حكومية، مشدداً على ضرورة ظهور صحف خاصة تعبّر عن تعددية المجتمع وتنوّع أصواته.

وفي الوقت نفسه، ينتقد ما يسمّيه “إعلام أبناء الإنترنت”، معتبراً أن كثيراً من محتواه يتّسم بالسطحية ويشبه “زبد البحر” في طبيعته العابرة، أما في قطاع التعليم، فيرى أن المشكلة الجوهرية تكمن في واقع المعلّم، إذ لا يمكن أن يكون التعليم بخير ما دام المعلّم يعاني من ظروف صعبة.

ومع ذلك، يشير الأمير إلى أن ما يبعث على الاطمئنان في المرحلة الراهنة هو وجود مؤسسة عسكرية قوية قادرة على حماية حدود البلاد وصون وحدتها ومنع أي محاولات للانقسام الداخلي أو التدخلات الخارجية.

الفنانة عفراء كيالي تعتقد أن قطاعات الإعلام والثقافة والتعليم شهدت التغيّرات الأعمق خلال العام الأول، وتشير إلى عودة الأطفال إلى المدارس بعد سنوات من الانقطاع، وتمكّن عدد كبير من الطلاب المفصولين من الجامعات من استكمال دراستهم، لكنها تعتبر في الوقت ذاته أن القيود لم تختفِ تماماً، إذ ما زالت تظهر داخل بعض المؤسسات الرسمية على شكل محسوبيات وعادات بيروقراطية قديمة تحتاج إلى إصلاحات أعمق.

أما المسرحي فراس الأحمد فيرى أن أبرز التحوّلات برزت في القطاعات الفنية، مثل المسرح والفن التشكيلي والكتابة، حيث بدأت القيود القديمة تتلاشى تدريجياً، لكنه يلفت، في المقابل، إلى أن الاقتصاد ما يزال ضعيفاً ويحتاج إلى وقت طويل للتعافي.

“نختبر زمناً جديداً”

كيف انعكست الحرية على الخطاب الثقافي والأدبي والفني في سوريا؟ يقدّم الكاتب عمار الأمير قراءة نقدية للمشهد الثقافي، إذ يرى أن الخطاب الثقافي لم يرتقِ بعد إلى مستوى المسؤولية التاريخية، لأن السوري ما زال منشغلاً بتأمين لقمة العيش أكثر من اهتمامه بالكتاب.

ويضيف أن الروايات التي تُكتب عن الحقبة السوداء ما تزال متخبطة، نتيجة اختلاف ذاكرة السوريين تبعاً لتباين المناطق والتجارب، كما يشير إلى ظهور سرديات غير دقيقة أحياناً، بل وسرديات يكتبها بعض من أخطأوا في قراءة التاريخ وفق أهوائهم، ومع ذلك، يؤكد أن الحرية أطلقت طاقة اللغة، وجعلت الأقلام أكثر قوة وجرأة في التعبير.

في المقابل، ترى الفنانة عفراء كيالي أن الحرية منحت الخطاب الثقافي مساحة أوسع من الصراحة والصدق، فلم يعد الأدب يكتفي بتقديم السوريين بوصفهم ضحايا فقط، بل بدأ الكتّاب يتناولون أيضاً الأخطاء والأحلام المؤجلة، ويكشفون تنوّع المجتمع السوري الذي ظلّ مغيّباً لسنوات طويلة.

أما المسرحي فراس الأحمد فيعتقد أن الخطاب الفني والثقافي شهد تحوّلاً ملحوظاً نحو الأفضل، إذ أصبح الفنانون قادرين على التعبير بحرية أكبر، ويشير إلى أن المسرح والفنون البصرية والرواية بدأت تستعيد دورها في الحياة العامة، وأن الحرية أعادت للفنانين القدرة على تقديم أعمال تعبّر بصدق عن المجتمع وقضاياه.

صورة البلاد إقليمياً ودولياً

كيف تبدو صورة سوريا في الخارج بعد عام من التحوّل؟ يرى الكاتب عمار الأمير أن صورة سوريا في الخارج تغيّرت بشكل واضح، ويصف البلاد بأنها باتت أكثر حضوراً وتأثيراً، ويعتبر أن القيادة الجديدة استطاعت تحقيق توازن في علاقاتها الدولية والتعامل مع أطراف متباينة في المصالح والتوجهات، وهو ما يُحسب لها، ويضيف أن الشعب السوري الذي عانى طويلاً من القتل والتشريد يعيش اليوم في وطن أكثر أماناً، فيما يواجه المتورطون في مأساته تبعات أفعالهم، بانتظار ما يسميه «انتقام الزمن».

وتقدّم كيالي زاوية مختلفة انطلاقاً من تجربتها في الاغتراب، إذ تقول إن أصدقاءها من جنسيات متعددة باتوا ينظرون إلى سوريا بنظرة جديدة، حتى إن بعضهم يمازحها قائلاً: «هل يعقل أن تكون سوريا بلا حرب؟».

أما المسرحي فراس الأحمد فيرى أن سوريا بدأت تبعث برسالة إلى العالم مفادها أنها تسير في طريق التعافي، ويعتقد أن علاقاتها الإقليمية والدولية تتجه نحو مزيد من التحسّن، ولا سيما بعد أن منحها التحرير دفعة معنوية كبيرة، ويشير إلى أن البلاد بدأت اليوم تستجمع قواها وتدخل مرحلة انتعاش تدريجية.

وبالنسبة للكاتب عمار الأمير، شكّل العام الأول بعد التحرير مرحلة مفصلية في استعادة الأرض والسير بخطوات أولية نحو تطبيق العدالة الانتقالية، ولو بصورة جزئية، ويشير إلى إجراءات من بينها استعادة أموال مرتبطة بالفساد، ودمج المنشقين في مؤسسات الدولة، وترميم عدد من المدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية، لكنه يرى أن العام الثاني ينبغي أن يكون عام الاعتماد على الكفاءات بدل التزكية، وضبط الأسواق، ووضع سياسات واضحة، والانفتاح بصورة أوسع.

وتنظر الفنانة عفراء كيالي إلى المستقبل بوصفه مرحلة تحوّل كبرى، يمكن أن تتحوّل فيها سوريا إلى ورشة عمل واسعة تعتمد على طاقات أبنائها في الداخل والخارج، وتقول إن كثيراً من السوريين الذين لم يعودوا بعد بدأوا يفكّرون في مشاريع تسهم في خدمة البلاد، كما تشير إلى أن الحضور السياسي لسوريا في العالم أصبح أكثر هدوءاً واستقراراً، ما قد يفتح آفاقاً أوسع لمستقبل اقتصادي وثقافي أفضل.

أما المسرحي فراس الأحمد فيعبّر عن أمل بسيط لكنه واضح، يتمثّل في استمرار تحسّن الأوضاع ومواصلة السوريين بناء حياة أفضل بعد سنوات طويلة من الألم، ويرى أن الحفاظ على هذا المسار سيمنح المجتمع فرصة حقيقية لاستعادة إيقاع حياته الطبيعية.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التكيف مع الحياة في قصة “ثمرة الجوز العنيدة”لمفيد عيسى أحمد

  د.محمود الضبع المفتاح في قصة “ثمرة الجوز العنيدة “للأديب مفيد عيسى احمد لم يكن في ثمرة الجوز العنيدة، ولكن في الإنسان ذاته وممارساته العنيدة ...