آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » في ذكرى الثورة السورية.. كيف تحول الحراك السلمي إلى العمل المسلح؟

في ذكرى الثورة السورية.. كيف تحول الحراك السلمي إلى العمل المسلح؟

عاصم الزعبي

لم يخطر في بال نظام الأسد ومسؤوليه، في يوم الثامن عشر من آذار من العام 2011، أن اندلاع الثورة التي أطاحت، بعد 14 عاما، بأعتى نظام إجرامي، ستنطلق من محافظة درعا، التي طالما ادعى نظام الأسد المخلوع وأتباعه أنها المحافظة الأكثر ولاء له. فالعديد من أبنائها شغلوا مناصب في الدولة، والكثير منهم يعملون في دول الاغتراب، خاصة الخليج، ما جعلها من أكثر المحافظات ثراء، وهو ما دفع للتساؤل بعد اندلاع الثورة منها: لماذا ثار أبناء درعا، وما الذي ينقصهم؟

لم يتمكن حتى اليوم أي أحد من إثبات أن خروج المظاهرات من درعا كان أمرا مخططا له مسبقا، فالعبارة التي كتبت على أحد جدران مدرسة الأربعين بدرعا البلد “إجاك الدور يا دكتور” كانت نذيرا مفاجئا، في ظل ثورات الربيع العربي التي اجتاحت عدة دول بدءا من تونس ووصولا إلى سوريا، التي لطالما كان الاعتقاد أنها لن تتحرك بوجه النظام المخلوع، خاصة مع تجارب سابقة من مجازر في حماة وحلب في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينيات.

بحسب تفاصيل حصلت عليها صحيفة “الثورة السورية”، فقبل أسابيع قليلة من خروج المظاهرات في درعا كان هناك شعور بالقلق لدى الأجهزة الأمنية من تحرك ما في الشارع، وارتبط ذلك الشعور بدعوات للتظاهر من جهة، واعتقال الأطفال من قبل الأمن العسكري من جهة أخرى، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى استدعاء حوالي 20 من أبناء المحافظة، تعرف الأجهزة الأمنية أنهم معارضون، لمحاولة معرفة أي شيء، لكن دون ضغط.

انطلاق الثورة والتعاطي الأمني

في آذار من العام 2011 كانت سوريا، بشكل عام، تعيش حالة من الغليان بالتزامن مع الثورات في الدول العربية الأخرى، وكانت هناك دعوات لمظاهرة في دمشق في الخامس عشر من آذار، وتجمع عدد من الناشطين وسط حضور أمني أدى إلى فض تجمعهم بشكل سريع. لكن المفاجأة كانت من درعا يوم الثامن عشر من آذار، حيث اتفق حينها عدد من الشبان من “درعا البلد” على الخروج في مظاهرة من مسجد الحمزة والعباس، في حين كان المتوقع للأمن أن أي خروج لأي مظاهرة سيكون من المسجد العمري.

كانت عبارة “الله أكبر” هي الإيذان باندلاع الثورة السورية، والتي أطلقها علي المسالمة، الذي استشهد لاحقا على يد أجهزة الأسد الأمنية، ليرددها العشرات خلفه. واتجه المتظاهرون، من خلال شوارع درعا البلد، إلى المسجد العمري، ومن هناك إلى الجسر الواصل بين شطري مدينة درعا، حيث تمركزت قوات أمنية كبيرة بدأت بإطلاق النار دون تردد، ليسقط أول شهيدين في الثورة: محمود الجوابرة، وحسام عياش.

كان استشهاد الجوابرة وعياش دافعا كبيرا لأبناء المحافظة للاستمرار بالمظاهرات، فقد أدى قتلهما بالشكل الذي جرى إلى كشف حقيقة النظام المخلوع، وأنه نظام مراوغ خلال المحاولات لإسكات أبناء المحافظة من خلال إرسال مسؤولين آنذاك بحجة التهدئة، ليطرحوا ما طرحوه بين الترغيب والترهيب. وهذا ما دفع الأهالي إلى الاعتصام في المسجد العمري الكبير في درعا البلد، لتبدأ من هنا نقطة فارقة في مسار الثورة الوليدة التي لم تتوقف بعدها.

العنف الأمني وبداية المجازر

في ليلة 23 آذار، فجر 24 آذار 2011، اقتحمت القوات الأمنية التابعة للنظام المخلوع المسجد العمري في درعا البلد، وارتكبت مجزرة راح ضحيتها عدد من أبناء درعا وسقط جرحى، وجرى وضع أسلحة وأموال للادعاء بوجود مؤامرة خارجية.

في يوم 24 آذار، وعلى خلفية اقتحام المسجد العمري، تجمع الآلاف من أبناء المحافظة من المدن والبلدات للتوجه إلى مدينة درعا احتجاجا على الاقتحام، وبمجرد دخول المتظاهرين إلى المدينة بدأ قناصو نظام الأسد بإطلاق النار، ما أدى إلى استشهاد 65 متظاهرا في أول مجزرة كبيرة في الثورة السورية.

جاءت التطورات الأمنية متسارعة وبسقف مرتفع من النظام المخلوع، الذي عمل على استخدام القوة المفرطة منذ البداية لوضع حد للحراك السلمي. إلا أن سياسة المداهمات والاعتقالات التي اتبعها لم تفلح بتحقيق ما يريده، ما أدى إلى التوجه منذ البدايات نحو إدخال الجيش في مواجهة المتظاهرين السلميين والمدنيين. ففي فجر الخامس والعشرين من نيسان 2011، كانت فرقتان عسكريتان، الفرقة التاسعة والفرقة 15 من القوات الخاصة، قد حاصرتا مدينة درعا بشكل كامل، وبدأتا باقتحام درعا البلد، في مشهد أوحى حينها باندلاع حرب بين طرفين عسكريين، في حين أن ما يجري هو حرب عسكرية يشنها نظام مجرم على شعب أعزل.

المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أوضح خلال حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أنه في بدايات الثورة السورية عام 2011، خرج السوريون والسوريات إلى الشارع في حراك سلمي واضح المعالم، مطالبين بالحرية والكرامة وإنهاء عقود من الاستبداد. غير أن رد السلطة جاء سريعا وعنيفا، حيث تم التعامل مع التظاهرات السلمية بوصفها تهديدا أمنيا، فاستخدمت القوة المفرطة منذ الأسابيع الأولى، بما في ذلك إطلاق النار على المتظاهرين، والاعتقالات الجماعية، والتعذيب داخل مراكز الاحتجاز. هذا التصعيد لم يكن عارضا أو محدودا، بل اتخذ طابعا ممنهجا يهدف إلى كسر الحراك وردع المجتمع.

تصاعد العنف والتحول نحو السلاح

منذ الأسبوع الثالث من المظاهرات في درعا، حاول النظام المخلوع جر الأهالي لمواجهات مسلحة، حيث عمد عناصر الأمن آنذاك إلى ترك أسلحتهم بالقرب من المتظاهرين لتتم إعادتها. وفي إحدى المرات تركت الأجهزة الأمنية سيارة عسكرية مملوءة بالسلاح، لكن المتظاهرين أعادوها لأقرب نقطة من الأمن دون أن يتم المساس بالسلاح الموجود. وأكد الأهالي مرارا رفضهم لاستخدام السلاح، حتى بعد أن بدأت المظاهرات في الاتساع في المحافظات الأخرى، من دوما بريف دمشق إلى بانياس واللاذقية وحمص وحماة والمحافظات الأخرى، كانت جميع المظاهرات تدعو للسلمية مهما يكن.

إلا أن طول مدة المظاهرات بشكل سلمي على مدى الأشهر الثمانية الأولى، وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء في مجازر على مساحة الأرض السورية، أدى إلى التحول التدريجي نحو المواجهة، بدءا من انشقاق عدد من الضباط والعناصر عن جيش النظام المخلوع لحماية المتظاهرين، ووصولا إلى تشكيل “الجيش السوري الحر”، وهي النقطة الفارقة الثانية في مسار الثورة السورية.

وبحسب الكيلاني، فإنه وأمام هذا الواقع بدأ المزاج العام في الشارع السوري يتغير تدريجيا. فمع تزايد أعداد الضحايا وغياب أي مساءلة، تراجعت الثقة بإمكانية تحقيق التغيير عبر الوسائل السلمية وحدها، وبرز شعور عميق بانسداد الأفق السياسي. كما أدى القمع إلى تقويض الفضاء المدني وإغلاق مساحات التعبير السلمي، الأمر الذي دفع بعض المجتمعات المحلية إلى البحث عن وسائل لحماية نفسها في ظل غياب أي ضمانات للأمن أو العدالة. ومن هذا المنظور، فإن العنف الممارس ضد الحراك السلمي لم يقتصر أثره على القمع المباشر، بل أسهم في إعادة تشكيل طبيعة التفاعل المجتمعي مع السلطة، ومهد تدريجيا لتحولات أكثر حدة في مسار الأحداث.

ومن جهته، الكاتب الصحفي عدنان الأحمد، بين في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن تحول المظاهرات إلى التسلح مرتبط بعدة عوامل، أولها طغيان النظام في استخدام القوة المفرطة ومحاولة قهر الناس وإخضاعهم بالقوة، وهو ما شجع فكرة ضرورة دفاع الناس عن أنفسهم.

تحولات الحراك من سلمي إلى مسلح والعوامل التي أثرت بذلك

التنسيقيات كان المصطلح الأول الذي عرف خلال بدايات الثورة لتنظيم عمل المظاهرات في مختلف المحافظات، والخروج بمواقف موحدة وصلت إلى حد وضع عناوين المظاهرات التي كانت تخرج أيام “الجمعة”، والشعارات التي ستتم المناداة بها.

الانتقال إلى التسلح بعد المظاهرات السلمية لم يكن رغبة من أحد، إلا أنه كان واقعا فرضه نظام الأسد المخلوع، وارتبط التسلح والتوجه نحوه بعوامل داخلية متأثرة بالعنف، وخارجية منها ما كان سلبيا من المجتمع الدولي بعدم حماية المتظاهرين، ومنها ما كان على شكل دعم للتسلح لم يكن، في الحقيقة، سوى للإبقاء على وجود حالة “لا منتصر”.

الكيلاني أكد أن تحول الحراك السلمي إلى صراع مسلح لم يكن نتيجة لحظة واحدة أو قرار مركزي، بل جاء كنتيجة لتراكم عوامل داخلية وخارجية متداخلة. داخليا، أدى استمرار القمع الممنهج، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون والتعذيب، إلى تعزيز قناعة لدى بعض الفئات بأن السلمية لم تعد قادرة على حماية المحتجين أو تحقيق مطالبهم. كما ساهم غياب أي مسار سياسي جدي أو استجابة إصلاحية في ترسيخ هذا الشعور، حيث بدا أن السلطة ماضية في الخيار الأمني دون بدائل. وفي هذا السياق لعبت الانشقاقات داخل المؤسسة العسكرية دورا مهما، إذ أدت إلى ظهور مجموعات مسلحة أعلنت في بداياتها هدف حماية المتظاهرين، قبل أن تتوسع لاحقا وتصبح جزءا من مشهد أكثر تعقيدا.

وأضاف الكيلاني أنه، في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال تأثير العوامل الخارجية التي أسهمت في تسريع هذا التحول. فقد أدى التدويل التدريجي للأزمة السورية إلى إدخال أطراف إقليمية ودولية متعددة، لكل منها مصالحها وأجنداتها، ما ساهم في تعزيز الطابع المسلح للنزاع. كما أن تقديم الدعم العسكري أو اللوجستي لبعض الجهات، إلى جانب تدفق السلاح والمقاتلين، أدى إلى تغيير ميزان القوى على الأرض وتعقيد مسار الصراع. وإلى جانب ذلك، فإن فشل المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات فعالة لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها ساهم في استمرار التصعيد، وترك فراغا استغل لتعميق العنف.

عدنان الأحمد بين أن نظام الأسد عمل على تهيئة نفسه لهذه النقلة، بسبب أن المظاهرات السلمية تحرجه أمام العالم وهو يريد أن يثبت أنه لا يواجه متظاهرين سلميين بل “عصابات مسلحة” كما كان يسميه، إضافة إلى ذلك العامل الخارجي. بعض الدول أرادت بالفعل نصرة الشعب السوري أمام تعنت النظام ورفضه الحلول السياسية مثل قطر والسعودية وتركيا، لكن بعضها الآخر أرادت استغلال الفرصة لإطالة أمد النزاع بهدف تدمير سوريا بيد أبنائها، خصوصا الولايات المتحدة بالتنسيق مع “إسرائيل”، فكانت تمد المعارضة ببعض السلاح وتسمح، في الوقت نفسه، بوصول الدعم للنظام من سلاح ومقاتلين عبر إيران وميليشيات تابعة لها وعبر روسيا، بحيث تدوم الحرب لأطول فترة دون وجود منتصر.

أما الباحث السياسي رشيد حوراني فرأى أنه يقف وراء تحول الحراك السلمي إلى مسلح عدة عوامل، أبرزها إفراط النظام وأجهزته الأمنية في استخدام العنف المفرط والمتعدد الأوجه، من اقتحام للقرى والبلدات ومداهمات المنازل الآمنة ليلا، واعتقال وتغييب قسري، ما ولد ردة فعل لدى المتظاهرين للدفاع عن مناطق تظاهرهم. ومع ارتفاع وتيرة عنف النظام وانشقاق الضباط من الجيش مال الحراك السلمي إلى تنظيم تسلحه، مستفيدا من خبرات المنشقين العسكرية التي أحبطت العديد من الحملات العسكرية المتجهة نحو المناطق، ووقوف المعارضة التقليدية مع الحراك بكل مراحله، إضافة إلى تجاهل المجتمع الدولي لممارسات الأسد، أو تفاجئه بما حصل في سوريا وعدم توقعه وانتظاره تبيان الأمور ثم تدخله بعد تعنت الأسد.

من خلال ذلك يمكن فهم التحول من الحراك السلمي إلى الصراع المسلح في سوريا باعتباره نتيجة تفاعل معقد بين القمع الداخلي الشديد وبيئة إقليمية ودولية مضطربة. فغياب الحماية، وانعدام المساءلة، واستمرار الانتهاكات الجسيمة، كلها عوامل دفعت باتجاه مسار تصاعدي نقل الثورة من إطارها السلمي الأول إلى واقع نزاع متعدد الأبعاد ما تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم، كما ختم الكيلاني.

اليوم تحل الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع الثورة السورية من محافظة درعا، والذكرى الثانية لها بعد تحرير سوريا، وإسقاط نظام الأسد في عملية ردع العدوان، لتكون الثورة السورية، بكل ما فيها من بدايات سلمية وتحولات لاحقة حملت ما حملته، واحدة من أعظم الثورات في التاريخ الحديث، ضد أحد أعتى الأنظمة وأكثرها دموية.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الثورة السورية.. الأسباب البعيدة والمباشرة لانطلاقها في آذار 2011

أغيد أبو زايد للعام الثاني على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى اندلاع الثورة السورية التي انتهت بالإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، ...