آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » المنطقة على صفيح ساخن: حرب واحدة لكن الواقع مختلف

المنطقة على صفيح ساخن: حرب واحدة لكن الواقع مختلف

 

من أجواء إيران المشتعلة بالغارات الأميركية – الإسرائيلية، إلى أجواء الخليج العربي التي تخترق هدوءها صواريخ إيران ومسيراتها من دون أي تبرير حربي، الحرب واحدة، لكن الواقع متعدد، وكل طرف يدفع الثمن لكن بطرق مختلفة.

 

فهذه الحرب لا تُحدّ، منذ بدايتها في 28 شباط/فبراير المنصرم، بحدود جغرافية ضيقة أو بجبهات تقليدية منفصلة، فالمنطقة كلها ساحة اشتباك مترابطة، تتداخل فيها الأدوات العسكرية بالاقتصادية، وتتحول فيها الممرات الحيوية ومصادر الطاقة إلى عناصر ضغط، لا تقل رعباً عن الصواريخ والطائرات.

 

تتحرك المواجهة في الخليج العربي على مستوى مختلف، حيث تتخذ الحرب طابعاً اقتصادياً واستراتيجياً بالدرجة الأولى: تهديد الملاحة في الممرات الحيوية، واستهداف منشآت الطاقة، ومحاولات التأثير في تدفقات النفط والغاز، أدوات تتقصد إيران استخدامها للضغط على النموذج الخليجي للاستقرار والنمو في المنطقة. فالأمان الخليجي، وخصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، هو الهدف الأساس لصواريخ إيران ومسيراتها، التي تستهدف المرافق الحيوية، إلى جانب استهداف المنشآت النفطية لتكبيد دول الخليج أثمان صراع كانت هذه الدول مصرة منذ البداية على رفض الدخول في رماله المتحركة. ويبدو أن هذا النمط من الاستهداف يعكس إدراكاً إيرانياً أن ضرب نموذج الأمان الخليجي اقتصادياً قد يحقق تأثيراً يفوق في بعض جوانبه المواجهة العسكرية المباشرة.

 

غير أن هذا التوجه يحمل في طياته دلالات معاكسة أيضاً. فالانتقال إلى أدوات الضغط غير المباشر، لا سيما الاقتصادية منها، قد يعكس ارتفاع كلفة المواجهة التقليدية بالنسبة لإيران، وتراجع قدرتها على خوض صراع مفتوح من دون تكبد خسائر متزايدة في الداخل، وهذا ما ظهر بعد استهداف حقل رأس لفان القطري للغاز.

 

 

في إسرائيل، تخوض تل أبيب حرباً على جبهتين: تواجه تهديدات متزامنة من “حزب الله” في لبنان ومن إيران، مع استمرار التعرض لهجمات صاروخية ومسيّرات. وعلى الرغم من التفوق العسكري والتقني، كثافة الهجمات واستمراريتها تفرض ضغوطاً متزايدة على منظومات الدفاع الجوي، وتستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية، في وقت تواصل فيه تل أبيب تنفيذ ضربات عميقة داخل إيران.

 

في إيران، تبدو ملامح التحول أكثر وضوحاً. فبعد سنوات من الاعتماد على الحروب بالوكالة، دخلت طهران في مواجهة أكثر مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في هذه المرة. إلا أن هذه المواجهة كشفت عن تحديات داخلية متزايدة: أدت الضربات الجوية المتكررة إلى استهداف منشآت استراتيجية ومواقع حساسة، بالتوازي مع تكبد إيران خسائر ملحوظة في قيادات عسكرية وأمنية ذات شأن، ما يطرح تساؤلات جدية حول تماسك بنية القرار في إيران، وقدرة النظام على إدارة صراع طويل الأمد. وعلى الرغم من استمرار الرد عبر الصواريخ والمسيّرات، فإن كلفة الضربات داخل العمق الإيراني تشير إلى بداية تآكل تدريجي في القدرة على امتصاص الضربات واستعادة التوازن بسرعة.

 

الوضع في لبنان مختلف. فهو الجبهة الوحيدة على تماس مع الطرف الآخر: إسرائيل. ويتخذ النزاع فيه طابع حرب استنزاف مفتوحة. فالغارات الجوية الإسرائيلية شبه اليومية، والتوغل البري التدريجي في الجنوب، وموجات النزوح الواسعة تجاوزت المليون نازح بينهم 133 ألفاً فقط مسجلون في مراكز إيواء، كلها مؤشرات على انتقال المواجهة من حدود اشتباك محدودة إلى صراع يطال عمق البلاد وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية. فالضربات لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل امتدت لتطال مراكز حضرية وبنى تحتية حساسة، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي.

 

إلى ذلك، ثمة قاسم مشترك مهم بين لبنان والخليج. فهما طرفان في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل. فإيران جرّت منطقة الخليج برمتها إلى الحرب، وأقفلت مضيق هرمز بوجه صادراتها النفطية ثم استهدفت منشآتها النفطية مباشرة، وهي ليست طرفاً محارباً. ولبنان يجرّ، للمرة الثانية في سنتين، إلى حرب لا يريد التورط فيها، ويتلقى بسبب “حزب الله” قصفاً إسرائيلياً عنيفاً، وهجوماً برياً لا تُعرف حدوده بعد.

 

تكشف هذه الحرب يوماً بعد يوم عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراعات الإقليمية: صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع ساحات الاقتصاد والطاقة، ويقوم على الاستنزاف طويل الأمد بدلاً من الحسم السريع. وفي قلب هذا المشهد، تبرز مفارقة لافتة: كلما سعت إيران إلى توسيع نطاق المواجهة خارج حدودها، ازدادت الضغوط على بنيتها الداخلية، ما يجعل مسار الحرب مفتوحاً على احتمالات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمّلاً إسرائيل المسؤولية… وزير خارجية عُمان ينتقد الحرب على إيران

توسّط في جولة ثانية من المفاوضات غير المباشرة التي استؤنفت في عُمان في السادس من شباط/ فبراير بينما جرت الجولة الأخيرة في 26 شباط/ فبراير… ...