مها سلطان
كان يفترض بتصريح ترامب المفاجئ حول وجود مفاوضات مع إيران أن يبعد مجريات الحرب عن عتبة تصعيد جديدة تنذر هذه المرة بتوسعها نحو أكثر من دولة في المنطقة، وفق ما يتم تداوله إعلاميا نقلا عن أوساط دبلوماسية. هذا عدا عن أن مجريات الحرب تبدو وكأنها تخرج عن سياق الضبط باتجاهات معاكسة بما لا يصب، ربما، في المصلحة الأميركية- الإسرائيلية. علما أن تصريح ترامب حول التفاوض يراه المحللون الاستراتيجيون أنه جاء في التوقيت الأميركي المناسب، إذ إن ترامب يجيد قراءة ميدان الحرب وتحولاته، ويعرف بالضبط متى يخرج ويفتح باب التفاوض، وفي الوقت الذي لن ترفض فيه إيران التفاوض، وإن كانت تعلن عكس ذلك حتى الآن.
منذ 27 يوما، تستيقظ المنطقة والعالم كل يوم على سؤال واحد: أي دول قد تنضم للحرب؟ وفي الجواب على السؤال تبدو كل دولة قابلة للانضمام إليها في أي لحظة، لكن هذا لم يحدث حتى الآن. تسترخي المنطقة بضع ساعات قبل أن يأتي ليل اليوم التالي ليعود السؤال نفسه. وطالما أن الجواب مستمر على حاله تهدئ المخاوف لكنها لا تزول، ولا تنحسر حالة الترقب القائمة لكل حادث يقع حتى لو كان محدودا، وحتى لو جرى احتواؤه بسرعة. الأمر نفسه ينسحب على المفاوضات المحتملة، والتي عرضت باكستان استضافتها.
وبقدر الحديث الواسع عن احتمال أن تنضم دول خليجية للحرب، السعودية مثلا وفق وكالة “بلومبرغ” الأميركية على قاعدة نفاد صبر الخليج تجاه العدوان الإيراني المستمر عليها، بقدر ما يتم الحديث عن دول أخرى تتقاطع ميادينها بشكل غير مباشر مع ميدان الحرب الرئيس. الحديث لا يتوقف عن سوريا، خصوصا وأن جانبيها، العراق ولبنان، منخرطان عمليا بالحرب، ولا فرق هنا سواء كان الانخراط رسميا أو غير رسمي طالما أن ميليشيا حزب الله في لبنان ونظيرتها في العراق هما من يمتلكان كلمة الميدان ويقوضان جهود الدولة الوطنية لمنع الانخراط واحتواء التداعيات.
سؤال الداخل والإقليم
السؤال نفسه ينسحب على الداخل السوري. فبقدر ما تحاول الدولة السورية حماية البلاد من الانخراط والتداعيات، بقدر ما تحاول هذه الميليشيات توريط سوريا. حتى الآن تنجح الدولة السورية في تجنيب نفسها منزلقات الحرب، وتنجح في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة والحسابات، حيث تدير تفاعلاتها مع الأطراف المختلفة بطريقة تسمح لها بالاستفادة من الجميع دون الانخراط الكامل مع أي طرف، وهذا ما يمنحها مساحة أكبر في الحركة والمناورة لإبعاد التهديد. لكنها في الوقت نفسه واقعة تحت ضغط كبير، بفعل الموقع من جهة، وبفعل إعادة التموضع التي لم تكتمل بعد من جهة أخرى. وإذا ما طال أمد الحرب ووصل التهديد إلى حدود المس بالأمن والاستقرار والتأثير على الملفات الداخلية، فقد تجد سوريا نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة، من ضمنها الانخراط كخيار لا مفر منه.
ولأن سوريا محكومة بالموقع فإن هذه الخيارات مرتبطة بالجوار، العراق ولبنان، بالدرجة الأولى. ولأنها تيقظت مسبقا للمخاطر، وفي مرحلة سابقة على اندلاع الحرب، عملت على نشر قوات وتعزيزات على الحدود مع كل من العراق ولبنان. ومع اندلاع الحرب استطاعت تحقيق أعلى مستوى ضبط لهذه الحدود، لناحية احتواء عمليات التهريب وانتقال المسلحين والأسلحة. وسبق للحكومة السورية أن أعلنت مرات عدة خلال الأشهر الماضية إحباط عمليات تهريب وتفكيك خلايا مرتبطة بميليشيات لبنانية وعراقية موالية لإيران.
لكن المخاوف والأسئلة نفسها ما زالت تدور حول ما إذا كانت سوريا ما تزال في مأمن من تداعيات الحرب، فيوم الاثنين الماضي، أعلنت هيئة العمليات العسكرية في الجيش السوري حالة تأهب كاملة على الحدود مع العراق، عقب تعرض إحدى القواعد العسكرية بريف الحسكة لقصف صاروخي مصدره الأراضي العراقية.
وقالت هيئة العمليات في بيان: تعرضت إحدى قواعدنا العسكرية قرب بلدة اليعربية بريف الحسكة لقصف نفذ بواسطة خمسة صواريخ انطلقت من محيط قرية تل الهوى الواقعة بعمق 20 كيلومترا داخل الأراضي العراقية. وأوضحت أنه جرى التواصل والتنسيق مع الجانب العراقي حول الحادثة، مشيرة إلى أن الجيش العراقي أكد أنه بدأ عملية تمشيط وبحث عن الفاعلين.
وأكدت الهيئة أن الجيش السوري في حالة تأهب كاملة وسيقوم بمسؤولياته للدفاع عن الأراضي السورية والتصدي لأي اعتداء.
يشار إلى أن القاعدة المستهدفة هي قاعدة خراب الجير التي انتشر فيها الجيش السوري بعد انسحاب القوات الأميركية منها منذ شباط الماضي. أما بلدة ربيعة التي انطلق منها الهجوم فهي تخضع لنفوذ الميليشيات المنضوية ضمن الحشد الشعبي، وأبرزها ميليشيا كتائب حزب الله.
هذا يعني أن القاعدة خالية تماما من أي وجود عسكري أميركي، وأنها قاعدة سورية، ما يسقط ذرائع هذه الميليشيات بخصوص أنها تستهدف القواعد الأميركية.
تقع قاعدة خراب الجير بين بلدتي اليعربية ورميلان، ولا تبعد عن الحدود السورية العراقية سوى 14 كيلومترا، وعن الحدود التركية 29 كيلومترا، فيما تبلغ مساحتها نحو 1.6 كيلومتر مربع. وكانت من أهم قواعد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة قبل الانسحاب منها وتسليمها للجيش السوري، مع قواعد أخرى منها التنف والشدادي.
وكان العراق أعلن أمس الأربعاء إلقاء القبض على أربعة من العناصر الخارجة عن القانون المتورطين في قصف القاعدة. وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان: أقدمت عناصر خارجة عن القانون على إطلاق مجموعة من الصواريخ من ناحية ربيعة بمحافظة نينوى بواسطة عجلة نوع “كيا” باتجاه الأراضي السورية.
وأضاف: فور وقوع عملية الإطلاق تحركت قطعاتنا الأمنية مسنودة بجهد استخباري وتمكنت من إلقاء القبض على أربعة من المنفذين وضبط العجلة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة للتحقيق معهم، كما شرعت بالبحث عن جميع المتورطين في هذا العمل الإجرامي المدان.
وأكد النعمان أن “العراق حريص على أمن الدول المجاورة، ولن يسمح بأن يكون منطلقا لأي اعتداء على أي دولة، وفق ما تمليه ثوابتنا الدستورية والقانونية”.
اختبار الإدارة والصمود
الكاتب والمحلل السياسي جابر سلامة يرى أن إيران تخوض هذه الحرب من خلال استراتيجية الأذرع المنتشرة في المنطقة، والتي تمثل شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة التي تمتد من الخليج العربي عبر العراق وسوريا ولبنان إلى فلسطين واليمن. وهذه الأذرع تشكل العمق الاستراتيجي لإيران وقدرتها على توجيه ضربات متعددة من جبهات مختلفة، مما يجعل الردع الأميركي والإسرائيلي أكثر تعقيدا.
فميليشيا “حزب الله” في لبنان يمثل قوة عسكرية ضخمة تمتلك ترسانة صاروخية قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي، والميليشيات العراقية تتولى دورا متزايدا في استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، والحوثيون في اليمن يسيطرون على جزء من السواحل المطلة على البحر الأحمر ويشكلون تهديدا لحركة الملاحة. وسط كل ذلك تتواجد سوريا، لذلك طالما استمرت الحرب ستبقى سوريا في دائرة الاستهداف وفي دائرة المخاطرة المحتملة لأي توسع في نطاق الحرب.
هنا لا بد من الإشارة إلى أنه قبل ساعات قليلة من استهداف قاعدة خراب الجير من قبل ميليشيات عراقية موالية لإيران، أعلن مصدر أمني تفكيك خلية من ستة أشخاص تتبع ميليشيا “الحشد الشعبي” في دير الزور. وحسب المصدر فإن التحقيقات مستمرة مع الموقوفين لكشف المزيد من التفاصيل حول ارتباطاتهم والمهام الموكلة إليهم، مشيرا إلى أن الخلية كانت تنشط في نقل المعلومات وتهريب الأسلحة.
وكان فريق من المراقبين ربط بين تفكيك الخلية والهجوم على قاعدة خراب الجير، باعتبار أن الثاني جاء ردا على الأول، مشيرين إلى أن إيران بدأت تتحرك لتعميم الفوضى على جانبي الحدود السورية العراقية عبر الإيعاز لميليشياتها المنتشرة في هذه المنطقة تنفيذ عمليات أمنية استفزازية لسوريا. ولأن مثل هذه الأحداث تجعل منطقة الحدود هشة أمنيا، فإن ذلك يساعدها على إدامة عمليات تهريب الأسلحة والأموال لأذرعها في المنطقة.
المسألة الأساسية هنا أن هذين الحدثين يتزامنان مع تصاعد حدة الأزمة في الداخل اللبناني، على خلفية استمرار القصف الإسرائيلي العنيف على مختلف المناطق اللبنانية بفعل انخراط ميليشيا “حزب الله” فيما سماه معركة إسناد إيران. هذا من جهة. ومن جهة ثانية على خلفية التصعيد الدبلوماسي بين لبنان وإيران بعد إعلان الحكومة اللبنانية السفير الإيراني شخصا غير مرغوب فيه وإمهاله حتى الأحد القادم للمغادرة إلى بلاده.
هذا الإجراء الحكومي رد عليه “حزب الله” بغضب شديد متوعدا الحكومة “بأداء جديد بعد انتهاء الحرب”. لكن الحكومة اللبنانية تمسكت بموقفها، وهذا ما وضعه المحللون في إطار نزع الشرعية عن سلوك وتصرفات الحزب، مؤكدين أنه مؤشر إيجابي داخليا وفي العلاقة مع سوريا لناحية التنسيق والتعاون.
وكانت سوريا نشرت تعزيزات على الحدود مع لبنان منذ شباط الماضي، مطمئنة إلى أنها إجراء دفاعي بحت من دون نيات مبيتة، خصوصا وأن حزب الله شن حملة تضليل وتخويف بخصوص هذه التعزيزات والقول إنها هجومية تمهيدا للتدخل عسكريا في لبنان.
حول ذلك يرى سلامة أنه لا يمكن لأي دولة في العالم أن تغلق حدودها بالكامل وتعزل نفسها عن محيطها الإقليمي مهما كانت قوتها، لأن الدول تتأثر ببعضها البعض حتى بالطقس والرياح العابرة للحدود. فكيف إذا كان التأثير يتمثل في حرب وجودية بالنسبة لإيران و”إسرائيل”؟ فطبيعة الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تجعل التداخل بين دول المنطقة أمرا واقعا لا يمكن تجاهله، وسوريا في هذا السياق هي الأكثر عرضة لهذا التداخل وتداعياته.
معركة منفصلة
لكن هنا لا بد من ملاحظة نقطة مهمة، وهي أنه على عكس التوقعات فإن الأحداث الأمنية على جانبي الحدود دفعت نحو مزيد من التعاون والتنسيق الأمني والعسكري بين سوريا والعراق ولبنان لضبط الحدود ودعم الاستقرار. لكن السؤال يتركز فيما إذا كان هذا الحال سيستمر إذا ما اتسعت التهديدات الأمنية التي تشكلها الميليشيات المرتبطة بإيران في كل من لبنان والعراق؟ ويشير مراقبون إلى أن تحرك سوريا ميدانيا، في حال اتساع التهديدات، ليس بالضرورة أن يكون مرتبطا بالحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، فهذه معركة منفصلة، خصوصا أن التهديدات ضد سوريا قائمة منذ أشهر قبل اندلاع الحرب.
عمليا لا يمكن، فهذه الحرب بعد ثلاثة أسابيع من اندلاعها حولت المنطقة بكاملها إلى ساحة صراع واحدة ومفتوحة. ووفق سلامة فإن الحرب لم تعد محصورة بحدود جغرافية معينة. هذا عدا عن أن الحرب لم تكن وليدة لحظتها، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة من التوتر والمواجهات غير المعلنة بين الأطراف الثلاثة. ولكن ما يختلف في هذه الحرب أنها تجري بوتيرة متصاعدة وبعنف غير مسبوق، حيث لم تعد الضربات الجوية المحدودة أو الاستهدافات السرية هي السائدة، بل تحولت إلى مواجهات مباشرة ومفتوحة تهدد بإشعال المنطقة بأكملها وإدخالها في دوامة من العنف قد لا يمكن السيطرة عليها بسهولة.
هذه الحرب تكتسب أهميتها الخاصة بسبب موقع المنطقة الجغرافي والاقتصادي الحيوي، فهي شريان الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز وقناة السويس والممرات المائية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة والتجارة الدولية. وعندما تشتعل الحرب في منطقة بهذه الأهمية فإن تداعياتها لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل تمتد لتشمل العالم بأسره من خلال اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط والغاز وتهديد حركة الملاحة البحرية. وهو ما بدأت ملامحه تظهر خلال الأسابيع الثلاثة الماضية مع استهداف ناقلات البضائع وارتفاع تكاليف التأمين البحري وتحول طرق الشحن إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة.
باب التفاوض
بالمحصلة، ستمتد تداعيات هذه الحرب في الزمن حتى بعد توقف العمليات العسكرية، لأن الحروب اليوم لا تنتهي آثارها بإعلان وقف إطلاق النار. ويضيف سلامة: سوريا في سياقات هذه الحرب تجد نفسها في مواجهة تحديات أكثر تعقيدا، لأن آثارها كما قلنا لا تنتهي بوقف إطلاق النار بل تمتد إلى فترات طويلة لتطال أكثر القطاعات أهمية، الاقتصاد، وحساسية، المجتمع. هذا دون تحديات الجوار اللصيق المتمثلة في أذرع إيران.
من هنا فإن لسوريا وضعها الخاص جدا في سياقات هذه الحرب، لذلك فإن مجمل سياساتها القائمة تنطلق من هذا الوضع الخاص. سوريا عمليا مرتبطة بالحرب في ميادين مباشرة أو غير مباشرة، متقاطعة وغير متقاطعة، ولا تستطيع بأي حال إلا أن تضع كل السيناريوهات في الحسبان، سواء انتهت الحرب غدا أو استمرت. وإذا ما تتبعنا مسار الاحتواء والمواجهة على جانبي الحدود يمكن القول إن سوريا تحضرت جيدا وتبدو واثقة من خياراتها الحالية والمستقبلية.
يبقى فقط انتظار ما إذا كانت إيران ستدخل باب التفاوض الذي فتحه ترامب، وبعدها قد يكون هناك حديث آخر.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
