آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » قطاع النفط.. أرقام طموحة وشراكات واعدة تواجه تحديات الواقع

قطاع النفط.. أرقام طموحة وشراكات واعدة تواجه تحديات الواقع

عبد الحميد غانم:

بعد سنوات من العزلة الاقتصادية والسياسية، يعود قطاع النفط السوري ليبرز كلاعب أساسي في مسار التعافي الوطني وإعادة بناء العلاقات مع المجتمع الدولي.

ويستعيد القطاع حضوره على الساحة العالمية عبر مشاركة تاريخية للشركة السوريّة للبترول في مؤتمر “سيراويك” للطاقة بالولايات المتحدة، حيث كشفت عن خطط طموحة لمضاعفة الإنتاج النفطي، ضمن رؤية جديدة تربط بين الاقتصاد والسياسة والانفتاح الدولي.

وعلى هامش المؤتمر الذي انعقد بين 23 و27 آذار الجاري تحت شعار “التقارب والمنافسة: الطاقة، التكنولوجيا، والجيوسياسة”، شارك الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول (SPC)، المهندس يوسف قبلاوي، في “ندوة الطاقة السورية-الأميركية” التي استضافها مركز “أتلانتيك كاونسل” للأبحاث بالتعاون مع مجلس الأعمال السوري-الأميركي.

وأعلن قبلاوي أن إنتاج النفط في سوريا ارتفع من 10-15 ألف برميل يومياً إلى أكثر من 100 ألف برميل، مع خطة لمضاعفته بنهاية العام إلى 200 ألف برميل يومياً، والوصول إلى نحو 800 ألف برميل يومياً بحلول عام 2029. كما أشار إلى تخصيص مربع بحري لشركة “شيفرون” بموجب مذكرة تفاهم، بالإضافة إلى مباحثات مع “توتال”، “كونوكو فيليبس”، و”قطر للطاقة”، إلى جانب 15-17 مربعاً جديداً غير مستكشف داخل سوريا.

لكن هذه الأرقام الطموحة والشراكات الواعدة تواجه تحديات داخلية واسعة، ما يضع مصداقية خطط التعافي أمام اختبار حقيقي.

في هذا التقرير، يحلل الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أبعاد الخطة الإنتاجية وتأثيراتها المحتملة، فيما يقرأ رجل الأعمال السوري المغترب الدكتور محمد مسلط البراك، الرسائل السياسية والاقتصادية الكامنة وراء هذا الانفتاح غير المسبوق.

رؤية تحويلية

يركّز الخبير رحال على الواقع الاقتصادي السوري لا سيما في قطاع الطاقة، من الانهيار إلى محاولة العودة.

يقول رحال: “قبل عام 2011، وصل إنتاج سوريا من النفط إلى ما بين 380 و400 ألف برميل يومياً، ما جعل القطاع النفطي أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد ومصدراً حيوياً للعملة الصعبة”، قبل انهياره لاحقاً ليصل في بعض الفترات إلى أقل من 30 ألف برميل يومياً.

ويضيف رحال: “اليوم، مع إعلان أن الإنتاج ارتفع من 10-15 ألف برميل يومياً إلى أكثر من 100 ألف برميل، يمكن القول إن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً قدراتها في هذا القطاع الحيوي. لكن الأكثر طموحاً هو ما أعلن عنه من خطط لمضاعفة الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً بنهاية العام الحالي، ثم قفزة نوعية إلى 800 ألف برميل يومياً بحلول عام 2029”.

ويوضح رحال، لصحيفة “الثورة السورية”، أن رفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً يعني، وفق متوسط سعر عالمي يقارب 75 دولاراً للبرميل (قبل التصعيد في المنطقة)، تحقيق إيرادات سنوية تصل إلى نحو خمسة مليارات دولار.

ويؤكد أن “هذا الرقم ليس بسيطاً في اقتصاد يقدر حجمه الحالي بين 10 و15 مليار دولار، ما يعني أن النفط وحده قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة. إنه محرك اقتصادي ثقيل قادر على تغيير المشهد بالكامل”.

لكن الأرقام الأكثر طموحاً تثير تساؤلات حول مدى واقعيتها. فالإنتاج المستهدف البالغ 800 ألف برميل يومياً بحلول 2029 يعني إيرادات سنوية قد تصل إلى نحو 22 مليار دولار (بافتراض ثبات الأسعار)، وهو رقم يفوق حجم الاقتصاد السوري الحالي، ما يشير إلى أن هذه الخطة تستند إلى رؤية تحويلية للقطاع، وليس مجرد استعادة للوضع السابق، إلا أن التفاصيل لا تزال غير واضحة.

حسابات الإعمار

تتغير الصورة بشكل كبير عند وضع هذه الإيرادات في سياق إعادة الإعمار. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن سوريا تحتاج ما بين 250 و400 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وهنا يطرح رحال معادلة زمنية، قائلاً: “بإجراء حساب بسيط، فإن عائدات نفطية بحدود خمسة مليارات دولار سنوياً تعني أن تمويل الإعمار عبر النفط وحده قد يستغرق عقوداً طويلة، ربما تصل إلى نصف قرن. هذا يؤكد بوضوح أن النفط السوري، رغم أهميته الاستراتيجية، لا يمكن أن يكون الحل الوحيد”.

وضمن هذا الإطار، يضع رحال قطاع النفط باعتباره “جزءاً من منظومة أوسع تشمل الاستثمارات الأجنبية والمساعدات الدولية وإصلاحات هيكلية في الاقتصاد”.

ويضيف: “بعيداً عن الإيرادات المباشرة، تكمن الأهمية الحقيقية لزيادة الإنتاج في تأثيرها غير المباشر على الاقتصاد الكلي. فتوفر النفط محلياً يقلل من فاتورة الاستيراد للمشتقات النفطية، ويخفف من أزمة الطاقة، ويؤدي إلى تحسين التغذية الكهربائية، ويخفض تكاليف الإنتاج الصناعي، ما ينعكس إيجاباً على الأسعار وفرص العمل. بمعنى آخر، النفط يمكن أن يعيد تشغيل عجلة الاقتصاد وليس فقط تمويلها”.

ويرى أن “تحسين واقع الطاقة سيؤدي إلى انخفاض تكاليف الإنتاج في القطاعات الأخرى، ما يعزز قدرة المنتجين المحليين على المنافسة، ويخلق فرص عمل جديدة في الصناعات المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية”.

البيئة السياسية والقانونية

يشير رحال إلى أن العامل الحاسم في هذه المعادلة قد يكون سياسياً واقتصادياً في آن واحد. فالحديث عن انفتاح على شركات عالمية كبرى مثل “شيفرون” و”توتال إنرجي” و”كونوكو فيليبس” و”قطر للطاقة”، كما أعلن قبلاوي، لا يمكن فصله عن مسار العلاقات الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة.

ويضيف: “هذه الشركات لا تدخل أي سوق بشكل جدي إلا في بيئة سياسية وقانونية مستقرة نسبياً، ومع وضوح في منظومة العقوبات. العقوبات المفروضة على سوريا خلال السنوات الماضية طالت مجمل الاقتصاد، وتشير التقديرات إلى أنها رفعت تكاليف الاستيراد بنسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة، وأضعفت تدفق الاستثمارات إلى حد كبير”.

ويذهب رحال إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن أي تحسن في العلاقات السورية-الأميركية قد يكون له أثر اقتصادي يتجاوز حتى أثر زيادة الإنتاج النفطي نفسه.

ويشرح كيف يمكن لهذا التحسن أن ينعكس على الواقع المعيشي للمواطنين: “فتح القنوات المالية، وتسهيل التعاملات المصرفية، وخفض تكاليف التجارة بنسبة قد تصل إلى 25 بالمئة، كلها عوامل يمكن أن تنعكس سريعاً على حياة المواطنين من خلال انخفاض الأسعار وتحسن توفر السلع”.

ويضيف: “عودة الشركات العالمية قد تجلب استثمارات تتراوح بين 10 و20 مليار دولار خلال سنوات قليلة، وهو رقم يفوق بكثير العائد السنوي الحالي للنفط. هذه الاستثمارات ستنعكس على البنية التحتية، والتوظيف، ونقل التكنولوجيا، والاندماج في سلاسل التوريد العالمية”.

النفط والسياسة

يلخص رحال رؤيته، قائلاً: “النفط وحده لا يصنع التعافي، لكنه يوفر الوقود المالي الأولي. أما الانفتاح الدولي، خاصة مع الولايات المتحدة، فهو الذي يحدد حجم هذا التعافي وسرعته. بعبارة أخرى، يمكن القول إن النفط يعطي سوريا القدرة، لكن السياسة تحدد مدى استخدام هذه القدرة”.

ويحذر رحال من أن القضية الأهم تبقى داخلية بالدرجة الأولى، مستنداً إلى تجارب دول عديدة أثبتت أن الموارد الطبيعية قد تتحول إلى “نقمة” إذا لم تدار بشفافية وكفاءة.

ويؤكد أن “العائدات النفطية تحتاج إلى نظام واضح يضمن توجيهها نحو الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة، وليس فقط الإنفاق الجاري. كما أن العدالة في توزيع هذه العائدات ستكون عاملاً حاسماً في تحقيق الاستقرار الاجتماعي”.

رسائل سياسية واقتصادية

من زاوية أخرى، يقرأ رجل الأعمال السوري المغترب في الولايات المتحدة، الدكتور محمد البراك، الأبعاد السياسية والاقتصادية للمشاركة السورية في فعاليات مؤتمر الطاقة.

ويصف البراك هذه المشاركة بأنها “نقطة تحول حقيقية” في مسار العلاقات السورية-الأميركية، معتبراً أنها تعكس “انفتاحاً يحمل رسائل سياسية واقتصادية بالغة الأهمية في مرحلة ما بعد التحرير”.

ويضيف: “وجود الشركة السورية للبترول على منصة واحدة مع كبرى المؤسسات الدولية في الولايات المتحدة.. رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن سوريا الجديدة أصبحت جاهزة للانخراط في الاقتصاد العالمي وفق قواعد الشفافية والشراكة الحقيقية”.

ويشير إلى أن انعقاد الندوة في مركز “أتلانتيك كاونسل”، بالتعاون مع مجلس الأعمال السوري-الأميركي، وبحضور ممثلين عن شركات عالمية كبرى، “يعيد سوريا إلى خريطة الطاقة الدولية بعد سنوات من العزلة التي فرضتها سياسات النظام المخلوع”.

ويؤكد أن الحدث يوضح أن قطاع النفط والغاز السوري بوابة رئيسة لبناء جسور الثقة بين سوريا والعالم. ما شهده السوريون خلال الفترة الماضية، من إسقاط النظام إلى دخول البلاد مرحلة التحرير، خلق واقعاً جديداً يتطلب أدوات جديدة للتعامل مع المجتمع الدولي، ويعد قطاع الطاقة خير وسيلة لإعادة فتح القنوات المغلقة.

جسر للعلاقات

يشدد البراك على أن قطاع النفط والغاز يشكل، في المرحلة الراهنة، “المحرك الطبيعي لعملية التعافي الاقتصادي، وفي الوقت نفسه، الجسر الأكثر متانة لتوثيق العلاقات السورية-الأميركية”.

ويوضح لصحيفة “الثورة السورية”: “الولايات المتحدة لديها خبرة متراكمة وشركات تمتلك التكنولوجيا والاستثمارات القادرة على إعادة تأهيل البنية التحتية للنفط والغاز في سوريا. وفي الوقت عينه، سوريا بحاجة ماسة إلى هذه الخبرات لاستعادة دورها كفاعل رئيس في سوق الطاقة الدولي”.

ويرى أن “هذه المصالح المتقاطعة تخلق أرضية صلبة لتعاون استراتيجي طويل الأمد. ما نراه اليوم من انفتاح على شركات عالمية كبرى، وما سمعناه من خلال الندوة حول الرؤية السورية لتطوير القطاع، يضع الأسس لشراكات تتجاوز حدود النفط والغاز لتشمل مجالات البنية التحتية وإعادة الإعمار”.

ويصف البراك المناقشات التي دارت في الندوة بأنها “كانت أكثر عمقاً من مجرد الحديث عن زيادة الإنتاج أو تحسين الكفاءة”، ويبين أن “الحوار الذي جمع المسؤولين السوريين مع نظرائهم الأميركيين والدوليين حمل رسائل إيجابية حول رغبة سوريا الجديدة في الانخراط بجدية في النظام الاقتصادي العالمي، وهو ما يطمئن المستثمرين والجهات المانحة”.

ويضيف: “عندما تناقش الشركة السورية للبترول في منصة بحثية أميركية بحضور صناع قرار وخبراء من كبرى شركات الطاقة، خططها الطموحة لتطوير القطاع، فهذا يعني أن لغة الحوار والعمل المشترك قد حلت محل لغة التهميش والعقوبات. هذه هي اللغة التي يفهمها مجتمع الأعمال الأميركي والدولي”.

دور المغتربين والقطاع الخاص

يلفت البراك إلى أن الجالية السورية في الولايات المتحدة، وخاصة في مجالات الأعمال والاستثمار، يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تعزيز هذه الديناميكية الجديدة.

ويؤكد: “نحن كسوريين مغتربين في أميركا نملك أداتين أساسيتين: أولاً، فهم عميق للبيئة الاقتصادية والقانونية في البلدين، وثانياً، شبكة علاقات يمكن أن تسهل بناء الجسور بين صناع القرار هنا وهناك”.

ويضيف: “ما نشهده اليوم من انفتاح هو ثمرة جهود متواصلة، لكنه أيضاً مسؤولية كبيرة. علينا أن نكون صوتاً داعماً لتوجهات الدولة السورية الجديدة نحو الانفتاح الاقتصادي، وفي الوقت نفسه ننقل للجانب الأميركي صورة حقيقية عن استقرار سوريا وجاهزيتها للاستثمار”.

كما يشدد البراك على دور القطاع الخاص السوري، سواء في الداخل أم في الخارج، لافتاً إلى أن لديه “تجارب وخبرات تراكمية يمكن أن تسهم في إعادة الإعمار. لكن ما نحتاجه هو بيئة قانونية واضحة واستقرار في السياسات، إلى جانب تسهيلات في التحويلات المالية والتعاملات المصرفية. هذا ما نأمل أن تتبلور ملامحه خلال الفترة المقبلة”.

فرصة واعدة

يوجه البراك رسالة مباشرة إلى المستثمرين الأميركيين والشركات الكبرى، قائلاً: “سوريا اليوم ليست سوريا الأمس. هناك قيادة جديدة، وهناك رغبة حقيقية في بناء دولة المؤسسات والشفافية. قطاع الطاقة هو نقطة البداية الطبيعية للاستثمار الأميركي في سوريا، لكنه ليس النهاية. الاستثمار اليوم في سوريا هو استثمار في استقرار المنطقة بأكملها، وهو فرصة اقتصادية واعدة في سوق يحتاج إلى كل شيء”.

ويضيف: “تعالوا وانظروا بأنفسكم. ما يحدث اليوم في سوريا من تحولات سياسية واقتصادية يستحق أن يكون جزءاً من خططكم الاستثمارية”.

وعليه، فإن سوريا تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لكنها مشروطة. فزيادة إنتاج النفط إلى 200 ألف برميل يومياً، ثم إلى 800 ألف برميل بحلول 2029، قد تكون بداية مسار التعافي الاقتصادي، لكنها ليست نهايته.

كما يخلص رحال إلى أن “النفط وحده لا يصنع التعافي، لكنه يوفر الوقود المالي الأولي. أما الانفتاح الدولي، وخاصة مع الولايات المتحدة، فهو الذي يحدد حجم هذا التعافي وسرعته”، وأن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة سوريا على تحويل هذه العائدات إلى تنمية مستدامة تنعكس على حياة الناس.

وتظل التحديات الداخلية حاسمة أيضاً: فالعائدات النفطية تحتاج إلى نظام واضح يضمن الشفافية والكفاءة في الإدارة، والعدالة في التوزيع، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة. كما أن استقرار السياسات والبيئة القانونية سيكون العامل الأهم في جذب الاستثمارات الدولية وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس.

ويؤكد البراك أن مشاركة سوريا في مؤتمر الطاقة تمثل بداية الطريق، إذ تشير الإشارات الأولى إلى عودة البلاد تدريجياً إلى خريطة الاقتصاد الدولي، حاملة معها آمالاً كبيرة وتحديات جسيمة في الوقت نفسه.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إستراتيجية قديمة.. لماذا تستهدف إسرائيل مصانع الحديد والصلب الإيرانية؟

    مع دخول الحرب شهرها الثاني، صعَّدت إسرائيل من هجماتها على المنشآت الصناعية الإستراتيجية في إيران، لتزيد بذلك من الضغوط الاقتصادية على المدنيين.   ...