يوسف فارس
لم تفِ إسرائيل بأيٍّ من التزامات «المرحلة الثانية» من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لوقف الحرب على غزة. إذ تنصّلت من البروتوكول الإنساني المتعلّق بإدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية إلى القطاع، وواصلت تسليح مجموعات من العملاء في مناطق «الخط الأصفر». كما لم تسمح بدخول اللجنة الإدارية إلى غزة، رغم مرور شهرين على تشكيلها.
ومع ذلك، تجاوز «المندوب السامي»، نيكولاي ميلادينوف، كلّ تلك الثغرات، وقدّم أخيراً مخططاً إسرائيلياً تبنّاه «مجلس السلام» الأميركي لنزع سلاح المقاومة في غزة. وسلّم ميلادينوف المخطّط المتدرّج، الذي يراعي المصالح الأمنية الإسرائيلية بشكل كامل من دون أيّ مكاسب إنسانية أو سياسية للقطاع، إلى حركة «حماس» نهاية الأسبوع الماضي. ووفقاً لمصادر في الحركة تحدّثت إلى «الأخبار»، تقوم الخطة على «مسار تدريجي متعدّد المراحل»، يرتكز على «مبدأ التوازي في التنفيذ بين الإجراءات الإسرائيلية والتزامات «حماس»»، وذلك ضمن «جدول زمني دقيق ومحدّد المراحل».
غير أن الخطّة تمنح إسرائيل «هامشاً واسعاً للتنصّل من أيّ التزام»، وتسمح، في المقابل، بـ«إلقاء اللوم الدائم على المقاومة»، وذلك وفقاً للمصادر «الحمساوية»، التي تشير أيضاً إلى أن الوثيقة التي قدّمها ميلادينوف تُظهر أنها لا تتعامل مع ملفّ نزع السلاح باعتباره «إجراءً منفصلاً»، إنّما «تدمجه في إطار سياسي وأمني شامل»، يقوم على قاعدة «خطوة مقابل خطوة». إذ لن يتمّ بموجبه الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلّا بعد تنفيذ متزامن من الطرفَين، بما يضمن الحفاظ على توازن الالتزامات.
وفي ضوء ذلك، فإن وجود اشتراطات من قبيل «خلوّ المناطق المسموح بإعادة إعمارها من السلاح»، وربط دخول المساعدات بعملية نزع السلاح، يخلقان ثغرات يمكن لإسرائيل استغلالها بذريعة عدم اكتمال تنفيذ تلك العمليات، علماً أن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، كان أعلن، بشكل متكرّر، أنه سيواصل عملية نزع السلاح «حتى آخر بندقية كلاشنكوف» في غزة، مع تقديم تقديرات عددية غير دقيقة لحجم هذا السلاح الموجود في القطاع.
يعكس ما تحمله الخطة توجهاً نحو تدويل «ملف الأمن» في غزة
كذلك، تُظهر الوثيقة المتداولة أن الخطة تنطلق من مجموعة مبادئ عامة، أبرزها ضرورة استكمال ترتيبات «المرحلة الأولى» بالكامل، والسماح بإدخال مواد الإعمار إلى المناطق التي يتمّ التحقّق من خلوّها من السلاح، إضافة إلى اعتماد صيغة حكم تقوم على مبدأ «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد». كما تنصّ الوثيقة على نقل إدارة غزة تدريجياً إلى «لجنة وطنية» تتولّى الصلاحيات الإدارية والأمنية خلال المرحلة الانتقالية، فيما تخضع عملية حصر السلاح وجمعه لإشراف دولي وآليات تحقّق ميدانية. وفي هذا السياق، كان جيش الاحتلال أعلن سابقاً استكمال نزع السلاح من نحو 58% من مساحة القطاع، في إشارة إلى مناطق «الخطّ الأصفر» التي دمّرها بالكامل، وهو ما يعني تكريس النموذج القائم لإتمام هذه المهمّة، عبر تحويل ما تبقّى من القطاع إلى كومة ركام.
ويُظهر الجدول الزمني للخطّة، الممتدّ على عدة أشهر، مساراً تدريجياً يبدأ بوقف شامل للعمليات العسكرية، مترافق مع إجراءات إنسانية عاجلة من الجانب الإسرائيلي، وذلك في مقابل التزام «حماس» بوقف أنشطتها العسكرية وتمكين «اللجنة الوطنية» من بدء عملها داخل غزة. وتُعدّ هذه المرحلة تمهيدية لتهيئة البيئة الميدانية والسياسية للانتقال إلى المراحل اللاحقة. أمّا المرحلة الثانية، الممتدّة بين اليوم السادس عشر واليوم الستين، فتُعدّ نقطة التحول الأساسية، إذ يبدأ التطبيق الفعلي لعملية نزع السلاح في خلالها؛ وهي تشمل انسحابات إسرائيلية من مناطق داخل القطاع، وتوسيع إدخال المساعدات ومواد الإعمار، في مقابل التزام «حماس» بحصر الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة في مناطق محدّدة، وتقديم معلومات تفصيلية حول مواقعها، إلى جانب وقف كامل للأنشطة العسكرية، والانسحاب من المشهد الأمني لصالح «اللجنة الوطنية».
على أن المرحلة الثانية تخضع، وفقاً للوثيقة، لمراقبة دقيقة، بحيث لا يمكن الانتقال إلى ما يليها إلّا بعد التحقق الكامل من تنفيذ الالتزامات المرتبطة بها بشكل كامل، ما يجعلها الأكثر حساسية وتعقيداً في مسار الخطة، خصوصاً نظراً إلى تداخل البعدَين الأمني والسياسي فيها. ومع الانتقال إلى المرحلة الثالثة، تتوسّع الإجراءات الإسرائيلية لتشمل انسحابات إضافية وتسهيلات أوسع، في حين تستكمل «حماس» عملية حصر الأسلحة الثقيلة، وتبدأ تسليمها تدريجياً بإشراف «اللجنة الوطنية»، بالتوازي مع نقل مزيد من الصلاحيات الأمنية إلى جهات مدنية. أمّا المرحلة الرابعة، فتشهد انسحاباً أوسع للقوات الإسرائيلية، في مقابل استكمال حصر جميع أنواع السلاح داخل القطاع، وإنهاء أيّ وجود عسكري منظّم في المدن. وتنتهي الخطة بمرحلة خامسة، يتمّ خلالها إنجاز عملية نزع السلاح، بالتزامن مع انسحاب شبه كامل للقوات الإسرائيلية إلى خطوط خارجية، وتثبيت واقع أمني جديد قائم على إدارة مدنية خالية من المظاهر المسلّحة، مع استمرار الرقابة الدولية على تنفيذ الترتيبات النهائية.
ويعكس ما تحمله الخطة، من اعتماد كبير على آليات تحقّق دولية، وعلى «اللجنة الفلسطينية» التي تتولّى الإشراف على التنفيذ، إضافة إلى دور محتمل لـ«قوة الاستقرار الدولية»، توجهاً نحو تدويل ملف الأمن في غزة وربطه بمسار إعادة الإعمار وإعادة تشكيل بنية الحكم. وإزاء ما تقدّم، تقول مصادر في «حماس»، لـ«الأخبار»، إن الخطة المطروحة «لا تقدم أيّ التزامات واضحة تُلزم إسرائيل، ولا تتطرّق إلى مصير مجموعات العملاء»، مشيرة إلى أن هدفها يقتصر على «تجريد القطاع من السلاح بما يتيح لإسرائيل مواصلة الإبادة من دون تهديدات أو مواجهة». وتصف المصادر الخطة بأنها «مجحفة»، علماً أن الحركة «لم تقدّم رداً سلبياً عليها، على اعتبار أن أيّ رد سلبي سيقدّم مبرراً إلى الإسرائيليين لاستكمال فصول الإبادة، بل قدّمت تعديلات على قاعدة «نعم ولكن»، من بينها التفريق بين السلاح الهجومي والسلاح الأمني الشرطي الذي لا يمكن نزعه أو الاستغناء عنه داخلياً». ويشير الردّ الحمساوي إلى رغبة في تأجيل البتّ في هذه القضية الحساسة، إلى حين توفّر أجواء دولية وإقليمية أكثر ملاءمة للبحث في خطة ترامب، وهو ما يعني تعليق الأمور إلى ما بعد انتهاء الحرب الإقليمية الدائرة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
