مروة البرغش
لم يعد توصيف دخل المواطن السوري بعبارة “من الهالك للمالك” كافيًا لوصف الواقع المعيشي، إذ دفعت التطورات الأخيرة، وعلى رأسها حرب الشرق الأوسط، بهذا الدخل إلى مرحلة أكثر قسوة، يمكن وصفها بـ “قابض الأرواح”.
فبين دخلٍ ثابت وأسعارٍ تقفز بلا ضوابط، يجد المواطن السوري نفسه أمام معادلة معيشية مختنقة، تتفاقم يومًا بعد يوم.
ما يميز السوق السورية اليوم ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل سرعة هذا الارتفاع وحدّته. فمع كل توتر إقليمي، تتفاعل الأسواق بشكل مبالغ فيه، وكأنها تفتقد لأي آليات توازن أو رقابة. ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، تضاعفت أسعار المواد الغذائية خلال أسابيع، في مشهد يعكس هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها الكبير على الخارج.
ندفع الثمن
ترتبط سوريا اقتصاديًا بدول الجوار، ويأتي لبنان في مقدمة هذه الدول. ومع تفاقم أزمته وتزايد الضغوط عليه في ظل الحرب، انعكس ذلك مباشرة على الداخل السوري. تعقيدات النقل، وارتفاع تكاليف الشحن، وتراجع حركة التبادل، كلها عوامل ساهمت في رفع الأسعار، لتؤكد أن استقرار الجوار لم يعد ترفًا، بل ضرورة اقتصادية.
إغلاق بعض المطارات، وتعثر سلاسل الإمداد، والتوترات الأمنية في المنطقة، عوامل أدت إلى اضطراب في تدفق السلع. لكن في سوريا، لا يظهر التأثير بشكل تدريجي، بل يتضاعف. فالسوق المحلية، التي تعاني أصلًا من ضعف الإنتاج، وجدت نفسها أمام نقص في المعروض وارتفاع كبير في التكاليف، ما انعكس فورًا على الأسعار.
ولم تكن السوق السورية بحاجة إلى أزمة جديدة، فهي تعاني أصلًا من سنوات من التراجع. إلا أن الحرب الأخيرة جاءت لتضيف عبئًا جديدًا، دفع بالاقتصاد من مرحلة التدهور إلى حافة الانهيار المتسارع. وبين ضعف القدرة الشرائية وغياب الحلول الفعالة، تتسع الفجوة بين دخل المواطن ومتطلبات الحياة.
هل يُسقيان بماء هرمز؟
في الشارع السوري، تحوّل الغلاء إلى مادة يومية للسخرية السوداء. فأسعار الخضراوات البسيطة، كالنعناع والبقدونس، ارتفعت بشكل غير منطقي، ما دفع البعض للتساؤل إن كانت تُسقى “بماء هرمز”، في إشارة إلى تأثرها غير المباشر بالتوترات في المنطقة، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، بعد إغلاق إيران مضيق هرمز.
أما الدجاج، فأصبح عنوانًا صارخًا للأزمة، إذ ارتفع سعره إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في شهر واحد. هذا الارتفاع الحاد، من دون مبررات إنتاجية واضحة، يعكس حجم الفوضى في السوق، وغياب أدوات الضبط، ما جعل هذه المادة الأساسية خارج متناول شريحة واسعة من السوريين.
في مواجهة هذا الواقع، أطلق ناشطون ومواطنون دعوات لمقاطعة الدجاج، في محاولة للضغط على التجار وخفض الأسعار. ورغم أن هذه المبادرات لا تزال محدودة، إلا أنها تعبّر عن حالة وعي جماعي متزايد، ومحاولة لاستعادة الحد الأدنى من التوازن في سوق فقد بوصلته.
إلى أين يتجه السوريون؟
في ظل حرب إقليمية مفتوحة، واقتصاد داخلي هش، يبقى المواطن السوري في موقع المتلقي للضربات. ومع استمرار العوامل ذاتها دون حلول جذرية، يبدو أن موجة الغلاء الحالية ليست سوى بداية لمسار أكثر صعوبة، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة السوريين على الصمود في وجه واقع اقتصادي يزداد قسوة يومًا بعد يوم. ويبقى السوريون يدفعون الثمن باهظًا من جيوبهم المتهالكة، وما على ألسنتهم سوى كلمة واحدة: الله يفرج.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
