غادة حداد
تُظهر استضافة أندرو تايت على «AB Talks» كيف يتحوّل الإعلام من منصّة حوار إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. بين تلميع شخصيات متهمة بالإتجار بالبشر، وترويج نموذج دبي القائم على الفردانية والثراء، يتكشّف خطاب يبرّر اللامساواة، ويعيد تشكيل الوعي عبر تجاهل الضحايا وتقديم النجاح كقيمة منفصلة عن العدالة
فجأةً، ارتأى الإعلامي الإماراتي أنس بوخش وفريق عمل برنامج «AB Talks» أنّ استضافة أندرو تايت خطوة ممتازة للحديث عن «عظمة» حكّام الإمارات. قال تايت إنّه قرّر الذهب إلى الإمارات «تحت الصواريخ لإثبات فكرة أنّ الدولة الجيدة وحكّامها يستحقون من الفرد أن يعاملهم بالمثل»، وأبدى خيبة أمله من الأشخاص الذين غادروا الإمارات بسبب الحرب.
يوم الأربعاء 18 آذار (مارس) الماضي، أُعلن عن مقابلة مع أندرو تايت، ما أثار نقمة المتابعين، لتنهال التعليقات الرافضة لاستضافته في البرنامج. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تُبث الحلقة. وكان تبرير البرنامج، ردّاً على المعترضين، أنه «يرى القصة وراء العنوان أو الاسم»، وأن هذا هو هدفه منذ انطلاقته، في تطبيقٍ لنموذج دبي نفسه «أنا أسير وأُطاع، على حساب الضحايا».
ظاهرة أندرو تايت
أندرو تايت هو لاعب ملاكمة سابق، شكّل نموذجاً مكثفاً لخطاب ذكوري يعيد إنتاج علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجال والنساء. هو ليس مجرد ظاهرة فردية، بل جزء من بنية ثقافية أوسع تُعيد ترسيخ الهيمنة الذكورية تحت غطاء «النجاح» و«الرجولة».
بدأ تايت مسيرته كملاكم محترف، لكنه اكتسب شهرته الحقيقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد ترويجه لرؤيته للعالم، التي تقوم على السيطرة والثروة والتفوق الذكوري. كما قدّم تصوراً دونياً للنساء، عبر تصريحاته التي تؤكد أنّ الرجل يجب أن يكون صاحب السلطة في العلاقة، أو تلك التي تربط قيمة المرأة بمظهرها ودورها التقليدي، بما يعكس منطق «تشييء النساء»، واختزال المرأة إلى جسد أو وظيفة اجتماعية تخدم الرجل. ويُعد تايت من أبرز النماذج الكارهة للنساء، وهذا لا يتعلّق بمشاعره الشخصية فحسب، بل بمنظومة أفكار تعيد إنتاج اللامساواة وتمنح شرعيةً لتفوّق الرجل بوصفه أمراً طبيعياً أو حتى مرغوباً.
خطورة نموذج مثل تايت لا تقتصر على الأفكار والترويج لها، بل تمتد إلى ممارسات إجرامية، فهو مُلاحق في بريطانيا ورومانيا بتهم الإتجار بالبشر، والاغتصاب، والتحرش، بما في ذلك التحرش بقاصرات، إضافة إلى غسيل الأموال والتهرب الضريبي.
ورغم جسامة هذه التهم، قرر بوخش تقديم منبر لتايت، ما يسهم في تبسيط أفعاله وردّها إلى دوافع نفسية واجتماعية فقط، في محاولة لإظهار نفسه كطرف محايد، في حين أن الحياد في هذه الجرائم هو شكل من أشكال الانحياز.
وبالعودة إلى انطلاقة برنامج «AB Talks»، تظهر حلقة بُثت في 10 آذار (مارس) 2020 مع المغني المغربي سعد لمجرد، حين كان لا يزال ملاحقاً بقضايا اغتصاب، وقد أُدين لاحقاً عام 2023 في فرنسا، ولا يزال ملاحقاً بقضية ابتزاز، مما يعكس قراراً فعلياً بالتغاضي عن أي جريمة على حساب المشاهدات.
دبي: نموذج الشركة الخاصة
عوضاً عن بث المقابلة مع تايت، بُثت في 21 آذار (مارس) الماضي حلقة مع المدير التنفيذي لمؤسسة «دبي للتسويق السياحي والتجاري»، عصام كاظم، الذي قال إن دبي تُدار بذهنية شركة خاصة، وقدمها كنموذج متفوق عالمياً يقوم على راحة الزوار والمقيمين، ضمن سياسة تكرّس الفردانية والاهتمام بالذات.
تأتي هذه الحلقة ضمن تجديد لهوية البرنامج، إذ بدأ بوخاش تناول عالم المال والأعمال، خصوصاً نماذج ريادة الأعمال، مساهماً في ترسيخ وهم لدى الشباب بأنّ كل فرد يمكن أن يصبح مليونيراً، وأن نادي رجال الأعمال مفتوح للجميع. وهكذا، يصبح البرنامج، كما دبي، يبيع الأوهام للشباب.
المشكلة ليست في نمط الحياة الذي تقدمه دبي لفئة معينة من الناس، فمن حقهم الطموح للعيش برفاه، ولو افترضنا أن المال يُجمع عبر العمل والمثابرة والمبادرة الفردية. لكن الواقع أنّ هذا الثراء يتراكم ضمن بنية تقوم على استغلال العمّال المهاجرين والضحايا غير المرئيين في سلاسل الإنتاج والخدمات.
تكمن المشكلة في الترويج لنظام قائم على الترف، وريادة الأعمال، والثراء السريع، والبهرجة المدينية، والتفوق الاقتصادي، مقابل تغييب ممنهج لأي نقد حقيقي، سواء للسياسات الخارجية أو للآثار الاجتماعية والإنسانية لهذه المنظومة. هذا التجاهل المقصود هو جوهر الفردانية، بأن يسعى كل فرد إلى راحته الخاصة، غير آبه بالآخرين، من العمّال المهاجرين الفقراء إلى ضحايا الإتجار بالبشر، وصولاً إلى معاناة السودانيين في ظل تمويل النظام الإماراتي لميليشيات الدعم السريع.
مثلاً، تتباهى بعض المؤثرات بحياتهن في دبي، ويفتخرن بتمكين النساء وريادة أعمالهن، في حين أنّ هذه الثروات ترتبط، بشكل غير مباشر، بمنظومات تُنتج العنف، بما فيه العنف الجنسي في سياقات مثل الحرب في السودان. ومع ذلك، لا تلتفت كثيرات منهن إلى معاناة أخريات، لأن هذه الجرائم لا تمسّهن مباشرة، في تكريس لشعار ضمني «أنا ومن بعدي الطوفان».
تفوق وتعالٍ
البرنامج الذي يعظّم نموذج الإمارات وحكّامها على حساب شعوب عربية أخرى، بات أيضاً يسهم في تلميع صورة متهمين بجرائم خطيرة وكارهي النساء، على حساب الضحايا، طالما أنّهم مستعدون للظهور والتحدث إيجابياً عن الإمارات. يجب الاعتراف بأنّ البرنامج نجح في حرف الانتباه عن العطب الأخلاقي، عبر تقديم سردية نفسية جذابة، خصوصاً بعد تجربة الحجر الصحي، إذ ازداد الاهتمام بالتحليل النفسي وفهم الذات.
ومع تنوع الضيوف، أصبح سهلاً على المشاهد أن يجد نفسه في إحدى الشخصيات ويتماهى معها. يقوم البرنامج منذ انطلاقته على التحليل النفسي للضيوف، لاكتشاف ماهيتهم خلف الشهرة، ويبدأ بوخش حلقاته بسؤال: «كيف حالك؟»، قبل أن يتعمّق في الطفولة والتجارب والصعوبات وكيفية تجاوزها.
لكن هذا النجاح اصطدم بأول اختبار جدي، حيث كشفت الظروف حدود هذا الخطاب. مع تصاعد التوترات الإقليمية، نشر بوخش فيديو مليئاً بنبرة التفوق، واختار مخاطبة الشعوب العربية باللغة الإنكليزية، في محاولة لإظهار تميزٍ ما. واتهم منتقدي الإمارات بأنهم يغارون أو يفتقرون للثقة، مؤكداً أنّ الإمارات «لا تريد الحرب»، كأن بقية الشعوب تسعى إليها، لا أنها مفروضة عليها.
يعكس مسار البرنامج وانكشافه اليوم، ظاهرة الإعلاميين المؤثرين. ظاهرياً يبدو خطاب البرنامج إنسانياً، لكنه ضمنياً يعمل ضمن منظومة تروّج للفردانية، وتبرر اللامساواة، وتعيد تشكيل الوعي بحيث يصبح النجاح الفردي هدفاً وحيداً، ولو أتى على حساب العدالة الجماعية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
