مهى كنج
تعتمد إيران مقاربة تقوم على المرور الانتقائي في مضيق هرمز، ما خلق تبايناً حاداً في كلفة الطاقة بين الدول. فالدول التي تحافظ على علاقات مستقرة مع طهران، مثل الصين والهند، لا تزال تحصل على تدفقات شبه منتظمة. وتشير تقديرات السوق إلى أن آسيا تستحوذ أصلاً على نحو 70% من صادرات نفط الخليج، ما يجعل أي تسهيلات في العبور عاملاً حاسماً في استقرار أسعارها المحلية. المضيق لم يُغلق بالكامل، لكن ما تغيّر فعلياً هو كلفة العبور وهوية المستفيدين.
سياسة المرور الانتقائي وتأثيرها على الأسعار
في حديثه مع “النهار”، يوضح الخبير الاقتصادي أحمد عقل بأن إيران لم تغلق المضيق بالكامل، واتبعت سياسة “المرور الانتقائي”، إذ سمحت بمرور محدود لبعض السفن التابعة لدول معيّنة، وفرضت قيوداً على سفن أخرى. ونتيجة لذلك، انخفضت حركة العبور في المضيق إلى مستويات متدنية جداً، يقدّرها المحللون بنحو 5% فقط من المستوى الطبيعي، بعدما كان يمرّ قرابة 100 سفينة أو ناقلة يومياً.
ويضيف عقل،أن هذا التقييد أسهم في رفع أسعار النفط بنحو 50%، إلى نحو 110 دولارات، وأثّر بشكل واضح على اختلال توزيع الإمدادات، إذ باتت تتجه إلى دول محدّدة دون غيرها، ما يشبه إعادة توجيه التجارة العالمية، ولا سيما تجارة النفط والطاقة. ورغم أن هذه السياسة خفّفت من حدّة الصدمة، فإنها لم تُقدّم حلاً فعلياً للأزمة، حيث إن الطاقة المارة عبر المضيق لا تزال دون المستويات المطلوبة لتلبية احتياجات الدول الصناعية.
أدوات السيطرة الإيرانية وسوق مزدوجة للطاقة
تتجه إيران إلى تكريس سيطرتها على الممر الحيوي عبر أدوات تشريعية واقتصادية. وفي هذا السياق، قال البرلماني “محمد رضا رضائي كوجي” إن مشروع القانون يهدف إلى تقنين سيادة إيران على المضيق رسمياً، بما يشمل الإشراف عليه، وفرض رسوم عبور كمصدر دخل، في خطوة تعكس تحوّلاً نحو السيطرة الرسمية على الممرات البحرية. بالتوازي، أفادت “بلومبرغ” بأن إيران بدأت بفرض رسوم على بعض السفن التجارية المارة، قد تصل أحياناً إلى مليوني دولار.
أدّى ذلك عملياً إلى نشوء سوق مزدوجة للطاقة:
سوق أقل كلفة للدول التي تتمتع بمرور آمن.
سوق أعلى كلفة للدول التي تواجه قيوداً ومخاطر.
على مستوى التجارة العالمية، تُقدّر قيمة السلع التي تعبر المضيق سنوياً بأكثر من تريليون دولار، ما يعني أن أي زيادة في الكلفة، ولو بنسبة ضئيلة، تنعكس مباشرة على أسعار السلع عالمياً، من الوقود إلى الغذاء.
ويشير عقل إلى أن دولاً مثل روسيا وباكستان تستفيد من هامش أمان نسبي، يتيح لها تجنب جزء من هذه التكاليف، فيما أعلنت إيران استثناء الشاحنات وناقلات النفط العراقية من القيود المفروضة لضمان استمرار الصادرات العراقية.
ويضيف عقل أن مضيق هرمز أصبح أداة ضغط جيوسياسية واقتصادية رئيسية، ما دفع عدداً كبيراً من الدول إلى التدخل ديبلوماسياً لضمان استمرار الملاحة. ومن المرجّح أن نشهد في المرحلة المقبلة زيادة في تكوين المخزونات الاستراتيجية من النفط، وتطوير خطوط نقل جديدة، إلى جانب توجّه الدول نحو تنويع اقتصاداتها ومصادر الطاقة، بدل الاعتماد على جهة واحدة. كذلك، يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تغيّرات كبيرة على مستوى التحالفات الاقتصادية والمعطيات العالمية.
ويتابع عقل: رغم التحديات، لا يُرجّح أن يصل الاقتصاد العالمي إلى حالة هشاشة مطلقة، إذ تميل الدول إلى إيجاد حلول حتى ولو كانت مكلفة أو تضغط على ميزانياتها، خاصة بالنسبة إلى سلعة أساسية كالنفط. كما يُتوقع أن يكون لإدارة التدفق عبر مضيق هرمز تأثير كبير على العديد من المعطيات، من بينها تسريع جهود تنويع مصادر الدخل في دول الخليج، حيث نجحت دول مثل الإمارات وقطر والسعودية في رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي إلى مستويات مرتفعة، بلغت في بعض الحالات نحو 40%.
بأي كلفة… ولمن؟
ما يجري في مضيق هرمز يكشف تحوّلاً بنيوياً في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد مسار التجارة، بل السياسة أيضاً. وبينما تستفيد بعض الدول من “امتياز المرور”، تجد أخرى نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، عنوانها ارتفاع الكلفة وتراجع القدرة التنافسية.
هكذا، يتحوّل المضيق من ممر عالمي إلى أداة لإعادة توزيع الأرباح والخسائر، في اقتصاد باتت خطوطه تُرسم بميزان القوى، لا فقط بقوانين السوق.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
