فؤاد الوادي
بدأت قوافل النفط العراقية تعبر الأراضي السورية لأول مرة منذ عقود، تمهيدا لتصديره عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط، وسط تصاعد حدة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يعد شريان الطاقة العالمية.
وقد وضعت هذه التطورات العالم أمام تحديات كبيرة لإعادة رسم خرائط الطاقة، من خلال البحث عن طرائق بديلة لمواجهة هذه الأزمة المستدامة والمتدحرجة حتى إشعار آخر، في ضوء استمرار الحرب وغياب أي آفاق للحل. لكن في المقابل، ربما تشكل هذه التطورات الطارئة فرصة استثنائية لسوريا الخارجة للتو من تحت وطأة عقود من الاستبداد والفساد والحرب، التي أدت إلى الانهيار الاقتصادي نتيجة تدمير النظام المخلوع لركائز الدولة، ولكل مظاهر ومقومات الحياة والمعيشة للسوريين.
خيارات مستدامة لإيجاد مسارات بديلة
ويؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الحكيم المصري، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن الحرب الدائرة على مشارف منطقة الخليج بين أميركا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبرغم تداعياتها الاقتصادية الخطيرة على المنطقة والعالم، فإنها تشكل فرصة تاريخية للعالم عموما، ولسوريا على وجه الخصوص، كونها تضع الجميع أمام اللجوء إلى خيارات مستدامة لإيجاد مسارات وطرق بديلة عن تلك الممرات المهددة في كل لحظة، والتي باتت تستخدم للابتزاز والضغط السياسي من قبل إيران على الدول العربية في منطقة الخليج.
وتحدث الدكتور المصري عن أن أهمية استثمار سوريا في الخيارات البديلة للمنطقة والعالم تأتي من أهمية هذا المضيق الذي يعبر من خلاله أكثر من 20 بالمئة من صادرات العالم من النفط، وهو ما يوجب على الدولة تهيئة كل الظروف المناسبة، وخصوصا خلق بيئة آمنة ومستقرة، لدعم هذه الخيارات والبدائل، التي بدأت تتجسد بصورة أصغر بعد مرور قوافل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط.
وقال المصري: “إن خطوة نقل النفط العراقي عبر سوريا سوف تكون لها آثار اقتصادية على المدى القريب والبعيد، لعل أبرزها دعم مسار التعافي وتعزيز ودفع عجلة التنمية، على اعتبار أنها سوف تنعش الخزينة العامة، وتفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، كما أن هذه الخطوة سوف تشجع على جذب الاستثمارات ورجال الأعمال، وكذلك ترسخ ركائز بيئة الاستثمار التي لا تزال هشة نظرا للظروف الصعبة التي تجتاح العالم نتيجة الحروب”.
وبحسب باحثين اقتصاديين، فإن سوريا ستجني فوائد مباشرة من هذه الخطوة، حيث تقدر عوائد رسوم العبور والموانئ والتفريغ بنحو 150 إلى 200 مليون دولار سنويا، كما أن الفائدة الأكبر لدمشق من هذه الخطوة تكمن في إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية لسد العجز المحلي، حيث تحتاج سوريا إلى نحو 220,000 برميل يوميا، بينما لا يتجاوز الإنتاج الحالي 50,000 برميل.
الدور المحوري والموقع الاستراتيجي
وبدأت، الأربعاء الماضي، أولى قوافل الفيول العراقي بالدخول إلى الأراضي السورية عبر منفذ التنف باتجاه مصفاة بانياس، تمهيدا لتصديره إلى الأسواق العالمية، في إطار التأكيد على دور سوريا المحوري الإقليمي وموقعها الاستراتيجي بوصفها بوابة حيوية على البحر المتوسط.
وتعليقا على ذلك، قال وزير الطاقة محمد البشير، مؤكدا أهمية الدور الاستراتيجي لسوريا في تحقيق الأمن الطاقي: “من الحدود السورية – العراقية وصولا إلى النواقل البحرية في بانياس.. سوريا تعود لتكون “بوصلة العبور” ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة الإقليمية”، مضيفا أن هذه الخطوة تعزز مصالحنا الوطنية، وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي نحو آفاق أوسع.
أما وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، فقد شدد بدوره على ضرورة الاستمرار في هذا التعاون وبشكل مستدام، وأنه لن يكون مرتبطا بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشددا على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.
وبدورها، أكدت الشركة السورية للبترول، عبر قناتها على تلغرام، أنه مع تتابع وصول القوافل، ستباشر الفرق الفنية في الشركة السورية للبترول عمليات تفريغ الفيول في خزاناتها تمهيدا لنقله إلى مصب بانياس النفطي وتحميله على النواقل البحرية المخصصة للتصدير، ضمن مسار يعكس جاهزية البنية التحتية السورية وكفاءة كوادرها في إدارة عمليات العبور وفق أعلى المعايير.
وأكدت الشركة التزامها بتعزيز هذا الدور الاستراتيجي بما يخدم المصالح الوطنية، ويدعم استقرار أسواق الطاقة في المنطقة، مع استمرارها في توفير بدائل موثوقة في ظل المتغيرات الراهنة.
وأوضح مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، في تصريح لـ”سانا”، أن القافلة الأولى ضمت 299 صهريجا، في خطوة تعكس استعادة سوريا دورها الحيوي ممرا إقليميا للطاقة، وتعزيز حضورها في معادلة الأمن الطاقي الإقليمية.
وأشار شيخ أحمد إلى أنه مع وصول القوافل، ستباشر الفرق الفنية في الشركة عمليات التفريغ في المكان المخصص، تمهيدا لتحميل الفيول على النواقل البحرية المخصصة للتصدير إلى وجهتها النهائية، ضمن مسار يثبت كفاءة كوادرها في إدارة عمليات العبور وفق أعلى المعايير الدولية.
كما لفت إلى أن تدفق هذه الكميات الكبيرة يسهم بشكل مباشر في تنمية الاقتصاد الوطني عبر تنشيط حركة الترانزيت، ورفد خزينة الدولة بإيرادات مجزية تدفع بعجلة النمو نحو آفاق أوسع، ويؤكد أهمية الموقع الاستراتيجي لسوريا بوصفها بوابة رئيسية وحيوية على البحر المتوسط لنقل النفط ومشتقاته من دول الجوار إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد شيخ أحمد أن نجاح هذا التنسيق اللوجستي عالي المستوى يعكس قوة إدارة السياسة النفطية السورية وقدرتها على بناء شراكات استراتيجية، حيث تعد هذه القافلة حجر الزاوية لمرحلة قادمة ستشهد توسعا كبيرا وتمهد الطريق لتصدير مواد بترولية متنوعة من المنافذ البرية إلى البوابة الدولية من خلال الموانئ السورية.
وكان مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مازن علوش قد أعلن يوم أمس الثلاثاء عن إعادة افتتاح منفذ التنف – الوليد الحدودي بين سوريا والعراق، وذلك في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
سوريا رئة الاقتصاد العراقي
وفي مطلع الشهر الجاري، أعلنت وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط العراقية “سومو” بدء تصدير “النفط الأسود” والنفط الخام عبر الشاحنات برا، انطلاقا من معبر الوليد الحدودي.
وكشف المدير العام لشركة “سومو” عن توقيع عقود لتوريد نحو 50,000 برميل يوميا من خام البصرة، مع خطط لزيادتها تدريجيا لتصل إلى 150,000 برميل يوميا عبر تشغيل نحو 800 شاحنة. وتنطلق القوافل من حديثة في العراق، وصولا إلى مصفاة وميناء بانياس السوري.
وبالمقابل، يعتبر العراق هذا المنفذ بمثابة “رئة” للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة 92 بالمئة على النفط لتأمين رواتب 8 ملايين موظف، أي بتكلفة 5 مليارات دولار شهريا، كما أن الجغرافيا السورية – العراقية المشتركة تسمح بتحويل سوريا إلى “عقدة طاقة عالمية” تربط الخليج بالبحر المتوسط.
وتلوح في الأفق أربعة مشاريع استراتيجية قد تحول وجه المنطقة، هي خط التابلين، وخط كركوك – بانياس النفطي، وخط الغاز القطري الذي قد يمد ذراعا إلى بانياس لتصدير الغاز المسال، والقطار السريع الذي يربط السعودية بشمال سوريا وصولا إلى أوروبا.
ويدشن عبور النفط العراقي للأراضي السورية مرحلة جيو اقتصادية جديدة، حيث تفرض الضرورة الاقتصادية نفسها على الحسابات السياسية المعقدة، وهو ما يطرح أسئلة عن إمكانية تحويل هذا “الحل الإسعافي” إلى تحالف استراتيجي مستدام.
وفي الخامس والعشرين من آذار الماضي، أعلنت وزارة النفط العراقية إعداد دراسة لإنشاء خط أنابيب نفطي جديد يمتد من ميناء البصرة إلى ميناء بانياس غربي سوريا، في خطوة تهدف إلى تعزيز مرونة صادرات النفط وتنويع منافذ التصدير.
وقال وكيل الوزارة، باسم محمد خضير، إن الخط الحالي غير صالح للعمل، مشيرا إلى أن الوزارة تدرس تنفيذ مشروع أوسع ينطلق من البصرة مع إمكانية التفرع نحو كل من سوريا والأردن.
وبحسب وكالة الأنباء العراقية “واع”، أوضح خضير أن المشروع ما يزال في مرحلة إدارة التصاميم، مبينا أن تنفيذه يتطلب تخصيصات مالية كبيرة لتغطية كلفة إنشاء الأنبوب والمحطات الوسيطة والمستودعات.
وأضاف خضير أن المشروع يستهدف تحقيق مرونة في تزويد المصافي بين جنوب العراق وشماله، فضلا عن تمكين نقل نفط الجنوب إلى الشمال في حال حدوث أي طارئ في مضيق هرمز، مشيرا إلى أن تصنيع الأنبوب سيتم بواسطة شركة عراقية في الجنوب، على أن يتم استيراد المواد الأولية، مع الالتزام بالمواصفات العالمية في التنفيذ.
وأكد أن الوزارة تعتزم طرح المشروع أمام الشركات عبر دعوات تنافسية لتنفيذه، لافتا إلى أن خطط الوزارة تشمل أيضا تطوير منظومة التصدير الجنوبية، وتأهيل منظومة التصدير الشمالية عبر ميناء جيهان وصولا إلى بانياس على البحر الأبيض المتوسط.
وبين خضير أن الخيارات التصديرية قد تمتد إلى ميناء العقبة في الأردن عند الحاجة، إلى جانب إمكانية إنشاء خطوط نقل إضافية عبر الحوضيات نحو تركيا والأردن وسوريا، لافتا إلى أن الوزارة بصدد الإعلان للشركات الناقلة والمشترين عبر شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، المسؤولة عن تصدير النفط الخام.
وقبل ذلك بأيام، قال وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إن العراق ينقل نحو 200 ألف برميل من النفط يوميا عبر مستودعات النفط، من خلال مسارات تمر عبر تركيا وسوريا والأردن.
تفعيل حركة العبور التجاري
وفي وقت سابق، افتتح رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا قتيبة بدوي، بمشاركة رئيس هيئة المنافذ الحدودية في العراق عمر عدنان الوائلي، الخميس، منفذ التنف – الوليد الحدودي بين البلدين، في إطار تعزيز التعاون الثنائي وتفعيل حركة العبور التجاري وترانزيت البضائع.
وقالت الهيئة إن الافتتاح شهد جولة ميدانية مشتركة داخل المنفذ، اطلع خلالها الجانبان على جاهزية البنية التحتية والإجراءات التشغيلية، إضافة إلى متابعة تدفق قوافل الصهاريج وحركة شاحنات الترانزيت، بما يعكس بدء مرحلة جديدة من التنسيق الميداني بين الجهات المعنية في البلدين.
وأكد الجانبان أهمية هذا المنفذ الحيوي في دعم حركة التبادل التجاري وتأمين انسيابية عبور البضائع والطاقة، مشددين على استمرار التنسيق لتطوير آليات العمل وتذليل العقبات التي قد تعترض حركة النقل، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين سوريا والعراق ويرفع كفاءة الممرات البرية الإقليمية.
ويعد افتتاح منفذ التنف – الوليد خطوة استراتيجية ضمن جهود الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لتفعيل المنافذ الحدودية ورفع جاهزيتها، بما يواكب متطلبات المرحلة ويعزز دور سوريا ممرا رئيسيا لحركة الترانزيت في المنطقة، وفق الهيئة.
وكانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قد أعلنت في وقت سابق أن وفدا من رئاسة الهيئة أجرى جولة ميدانية للاطلاع على جاهزية منفذ اليعربية – ربيعة، تمهيدا لاستكمال تفعيل العمل فيه مطلع شهر أيار القادم، إلى جانب متابعة واقع منفذ سيمالكا – فيشخابور، في إطار استكمال الإجراءات اللازمة لإدخاله ضمن منظومة عمل الهيئة، مؤكدة أن هذه الخطوات تشكل محطة مهمة في تعزيز الربط الاقتصادي بين البلدين وتفعيل خطوط التجارة والطاقة بما يدعم حركة التبادل التجاري ويعزز فرص التكامل الاقتصادي خلال المرحلة القادمة.
وتتمتع سوريا بموقع استراتيجي يربط بين قارات العالم الثلاث، وهو ما يجعلها ممرا بريا وبحريا حيويا للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، إضافة إلى أن موقعها على البحر المتوسط يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين تربط برا بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج. وهذا ما يفرض عليها الاستفادة من خوارزميات هذه الظروف الاستثنائية وقراءتها جيدا، والاستثمار في إمكانية تحويلها إلى فرص مستدامة لدعم النهوض والتعافي السريع، ولا سيما مع الوضع الأمني المستقر بعد الاتفاق مع “قسد”، والذي يقابله انفتاح عالمي على سوريا، وبحث في مشاريع حقيقية لدعم الاقتصاد السوري.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
