زهور رمضان
الجرائم الالكترونية هي أنشطة غير مشروعة تستهدف أجهزة الحاسوب، الشبكات، أو البيانات، أو تستخدمها كوسيلة للاحتيال المالي، سرقة الهوية، الابتزاز، أو الاختراق، وتنتشر عالمياً متجاوزة الحدود الوطنية، حيث يقع ضحيتها ملايين الأشخاص سنوياً، يستهدف المجرمون فيها الأفراد عبر صفحات وهمية، مكالمات دعم فني كاذبة، أو عبر الصور المثيرة والابتزاز العاطفي، وتشير التقارير إلى أن النساء والشباب هم الأكثر استهدافاً بشكل عام، بينما يزداد خطر الخسائر المالية لدى كبار السن.
وباتت هذه الجرائم التي تتنوع صورها بين الاحتيال والابتزاز وسرقة البيانات والقرصنة مشكلة حقيقية تضعنا أمام سؤال مهم، كيف يتعامل القانون مع جرائم كهذا، وما هي الحلول القانونية للحد من انتشارها في المجتمع؟
من الناحية القانونية
أوضح المحامي بشار العلي في حديثه لـ “الثورة السورية” أنَّه ووفقاً للمادة”51″ من الإعلان الدستوري 2025 “يستمر العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها” وعليه فإنَّ القانون رقم ” 20″ لعام 2022م هو التشريع الأساسي الحالي الذي ينظم مكافحة الجرائم المعلوماتية في سوريا، حيث عرَّف هذه الجريمة بأنَّها:” سلوك مجرّم وفقاً لأحكام هذا القانون يُقترف بواسطة وسائل تقانة المعلومات، ويستهدف المعلومات أو نظمها، كما يرتبط بإضافة محتوى رقمي على الشبكة”.
ويضيف العلي: إنَّها تتضمن مجموعة واسعة من صور وأنواع السلوك الإجرامي التي ترتكب عن طريق الوسائل الالكترونية، مبيناً أنَّ من أبرزها الابتزاز الالكتروني الذي يتم عن طريق تهديد الضحية بنشر معلومات أو صور خاصة مقابل الحصول على المال.
ويتابع العلي حديثه بأنَّ لهذه الجريمة ركنين هما الركن المادي الذي يتمثل بفعل الخداع وتهديد الضحية، الذي يمارسه الجاني حيال المجني عليه، عبر وسائل الاتصال الحديثة ” الانترنت، البريد الالكتروني، منصات التواصل بفضح أمر ما كصور، فيديوهات ومعلومات خاصة” والركن المعنوي الذي يعني وجود النية الجرمية وقصد تحقيق المنفعة المادية أو المعنوية غير المشروعة وأن يكون هناك ضرر حقيقي أو محتمل قد يلحق بسمعة الضحية أو مالها أو نفسيتها.
وفقاً للمادة “26” من القانون رقم ” 20″ لعام 2022 بحسب العلي، “يعاقب بالحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات مع غرامة (بالعملة القديمة) من ثلاثة ملايين ليرة سورية، إلى أربعة ملايين ليرة سورية كل من هدد بالنشر أو نشر على الشبكة صوراً ثابتة أو متحركة أو محادثات أو تسجيلات صوتية منافية للحشمة أو الحياء وعائدة لأحد الناس ولو حصل عليها برضاه”، مؤكداً على أن العقوبة تشدد لتصبح “السجن المؤقت من خمس سنوات إلى سبع سنوات وغرامة من أربعة ملايين ليرة سورية إلى خمسة ملايين ليرة سورية إذا وقع الجرم على قاصر لم يتم الثامنة عشرة من عمره”، وذلك لحماية خصوصيته وكرامته.
ويشير العلي إلى أنَّ جريمة الابتزاز الالكتروني تعدُّ من أبرز وأخطر الجرائم التي يتعرض لها مستخدمو الانترنت، مرجعاً السبب إلى قلة الوعي بأساليب الحماية الالكترونية ونتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت البعض للبحث عن مصدر للمال ما جعلهم يقعون فريسة سهلة للمبتزين على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتحدث العلي أيضاً عن الاحتيال الالكتروني الذي يعد من الأفعال الجرمية التي ترتكب عبر الشبكة، ويتمثل بخداع الضحايا عبر مواقع وهمية أو تحويل أموال لمصادر غير موثوقة، حيث يمارس فيها الجاني فعل الخداع، حيال المجني عليه أو حيال منظومته المعلوماتية عبر الشبكة، فتكون نتيجتها تسليم المجني عليه ماله أو ما في حكمه إلى المحتال تحت وطأة الخداع.
وأوضح أنّ المشرّع عاقب على الاحتيال الالكتروني البسيط عبر الشبكة بعقوبة جنحية الوصف، مبيناً أنها تصبح جنائية وتكون عقوبتها الاعتقال المؤقت من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة مالية في بعض الحالات وفقاً للمادة “19” من القانون رقم ” 20″ لعام 2022 وتشدد إلى السجن من خمس إلى سبع سنوات مع غرامة أعلى إذا استهدف الاحتيال جهات عامة أو أو مصرفية ويُلزم الجاني بإعادة الاموال.
ويضيف العلي: “تتعدد أشكال الجرائم الالكترونية بين اختراق الحسابات والبرمجة الخبيثة وانتحال الشخصية على وسائل التواصل وانشاء حسابات مزيفة على فيسبوك أو انستغرام لتشويه السمعة، فمنها، مثلاً جرائم القدح والذم والتحقير الالكتروني، بإرسال رسائل أو منشورات مسيئة عبر واتساب أو فيسبوك، ومعالجة الصور والصوتيات بشكل منافٍ للحياء، وتعديل الوسائط بقصد الإضرارأو الإساءة، وغيرها من هذه الجرائم التي يزداد انتشارها نتيجة الصعوبات الاقتصادية والبطالة وضعف الوعي الأمني والخبرة الرقمية لدى المستخدمين، مع الفضول التقني واستخدام الانترنت دون ضوابط.
التوعية القانونية
للحد من هذه الجرائم لا بد من تضافر الجهود بين التشريعات القانونية الصارمة والوعي التقني المستمر ونشر الثقافة القانونية حول التعريف بهذه الجرائم وعناصرها وأركانها، مع إشراك المجتمع المدني والجهات المختصة بنشر الوعي واتباع أعلى معايير حماية البيانات والمعلومات الشخصية وتجنب قبول طلبات الصداقة من الأشحاص المجهولين مع الحذر من مواقع وتطبيقات التعارف والعروض الوهمية للجوائز وفرص العمل التي تستخدم طعماً لاستدراج الضحايا، بحسب العلي.
وأكد على وجوب متابعة الأهل لنشاط أبنائهم وتشجيعهم على التقدم بالشكوى وكسر حاجز الخوف، مع التركيز على تجنب إلقاء اللوم على الضحية ومساندتها في اتخاذ الاجراءات القانونية وعدم الخضوع لمطالب المبتز مع ضرورة وجود مراكز دعم نفسي تساعد الضحايا على تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الجرائم وتعليم كيفية الوقاية منها والتعامل معها، وكذلك إدماجها مع الثقافة الرقمية في المناهج التعليمية.
ونوه العلي لأهمية إعداد برامج توعية قانونية للمدارس والجامعات وتشجيع الطلاب على التبليغ فوراً في حال التعرض للابتزاز، وأيضاً تقديم إرشادات الوقاية من هذه الجرائم عبر الإعلام والمؤثرين، لمكافحتها والحد من أضرارها الجسيمة. فالجرائم الإلكترونية أصبحت ظاهرة لها تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة على الأفراد والمجتمع.
من الناحية الاجتماعية
للجرائم الالكترونية تأثيرات نفسية على الأفراد وذلك بحسب الباحثة النفسية الاجتماعية رهف سليمان حسن، التي بينت في حديثها لـ” الثورة السورية ” أنَّ من أبرزها تشكل القلق والتوتر الذي ينتج عن التعرض للاحتيال أو الاختراق، ما يخلق شعوراً دائماً بالخوف وعدم الأمان، خاصةً عند استخدام الإنترنت أو إجراء معاملات مالية، مضيفةً أنه يؤدي أيضاً إلى الاكتئاب، الذي يجعل الضحايا يشعرون بالعجز أو فقدان السيطرة، خصوصاً في حالات الابتزاز أو التنمر الإلكتروني.
و تتسبب أيضا بفقدان الثقة، بحسب الحسن، سواء بالتكنولوجيا أو في الآخرين، ما يؤثر في العلاقات الشخصية والمهنية، ما يدخل الشخص في حالة من العزلة الاجتماعية، التي يفضل بعض الضحايا فيها الانسحاب من التفاعل الرقمي أو الاجتماعي خوفاً من تكرار التجربة، التي تكون نتيجتها في النهاية الوقوع في الصدمة النفسية، لأنَّه في حالات خطيرة مثل الابتزاز أو سرقة الهوية، قد يعاني الفرد حسب قولها من أعراض مشابهة لاضطراب ما بعد الصدمة.
وترى الحسن أنَّ هذه الجرائم تؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية، لأنَّ جرائم مثل انتحال الشخصية أو نشر الشائعات قد تتسبب بنزاعات بين الأفراد والعائلات، إضافةً إلى انخفاض الثقة المجتمعية، خاصةً في التعاملات الرقمية، ما يزيد الفجوة الرقمية، فتجد بعض الفئات ككبار السن قد يبتعدون عن التكنولوجيا خوفاً من التعرض للجرائم، كما أشارت إلى أنَّها تؤثر في الشركات والمؤسسات فقد تتضرر سمعتها، ما يؤثر في الاقتصاد وفرص العمل.
إنَّ انتشار الجرائم الالكترونية بات مشكلة اجتماعية متصاعدة، يجب الحد منها من خلال تطبيق قوانين صارمة من الناحية القانونية وتعزيز الوعي الرقمي مع تقديم الدعم النفسي من الناحية الاجتماعية، ما يسهم في معالجتها بشكل منظم يساعد في حماية المجتمع ككل.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
