رمضان الحكيم
في موقف يُنظر إليه على أنه ردّ انتقامي تجاه الدول الرافضة للمشاركة في حربه على إيران، أناط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أخيراً، مهمة فتح مضيق هرمز وحمايته بالدول المتضررة من إغلاقه، معتبراً أن بلاده لا تستفيد شيئاً من المضيق. وبالتالي، فإن ترامب، وفقاً لبعض وسائل الإعلام الأميركية، قد يذهب إلى إعلان وقف الحرب، حتى في حال استمرار إغلاق المضيق. لكن الرئيس الأميركي عاد مجدّداً، خلال الساعات الماضية، إلى تهديد إيران بـ«الجحيم» ما لم تقْدم على فتح «هرمز».
ومنذ بدء الحملة على إيران، تقدّم الإدارة الأميركية روايات متباينة حول مجرياتها ونتائجها، وذلك في ظلّ محدودية المعلومات المتاحة بشأن خسائر الولايات المتحدة العسكرية أو الأضرار التي لحقت بمنشآتها الحيوية. غير أنه مع تأثّر الأسواق العالمية باضطراب سلاسل الإمداد في مجالَي الطاقة والسلع، والتي تمرّ عبر «هرمز»، بدأت التداعيات الاقتصادية بالظهور بشكل أوضح، متجلّيةً في صورة مؤشرات ملموسة من مثل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتقلّبات البورصات، واللجوء إلى استخدام جزء من الاحتياطيات النفطية للحدّ من ارتفاع الأسعار. وتضاف إلى ما تقدّم، المخاوف من تعطّل الملاحة في مضيق باب المندب، والذي قد يفضي إلى تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
مكاسب مؤقتة وخسائر طويلة
لا يمكن لأيّ شخص ملمّ بأبسط قواعد علم الاقتصاد إنكار تأثر اقتصادات الدول كافة بتوقف حركة الملاحة عبر «هرمز»، وإن بدرجات متفاوتة، وذلك تبعاً لعوامل عدة، منها مستوى انكشاف اقتصاديات الدول على العالم، وحجم التجارة النفطية، وحجم مستورداتها أو صادراتها من النفط الخام، وعلاقاتها التجارية مع منطقة الخليج، وغير ما تقدّم من العوامل. فالاضطراب الحاصل في أسواق الطاقة، وارتفاع كلف التأمين والنقل، وما إليهما من تبعات الحرب، تمتدّ آثاره المباشرة وغير المباشرة إلى مختلف الاقتصادات الكبيرة والصغيرة، بغضّ النظر عن قربها أو بعدها الجغرافي من المضيق.
وعليه، فإن ما تردّده الإدارة الأميركية بشأن عدم تأثر مصالحها بالوضع السائد في «هرمز»، يبدو إمّا تعامياً مقصوداً عن الواقع، أو نتيجة للحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية الخاطئة التي وقعت فيها هذه الإدارة في أثناء اتّخاذها قرار شن الحرب. فالولايات المتحدة ليست استثناء من القاعدة المشار إليها، نظراً إلى أنها دولة منتجة ومستهلكة في آن معاً، وترتبط بشكل وثيق بالاقتصاد العالمي. وفي المجمل، وبناءً على تقديرات وتحليلات مؤسسات اقتصادية أميركية عريقة، يمكن القول إن الاقتصاد الأميركي لا يتضرّر أساساً من نقص مباشر في الإمدادات، بقدر ما يتأثر بارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة معدلات التضخم، وتباطؤ النمو. ورغم تحقيق مكاسب محدودة لقطاع الطاقة، فإن ذلك تقابله خسائر أوسع على مستوى الاقتصاد الكلّي.
الاقتصاد الأميركي لا يتضرّر أساساً من نقص مباشر في الإمدادات، بقدر ما يتأثر بارتفاع أسعار النفط عالمياً
أمّا الخسائر المباشرة، فهي تكمن في تأثر المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لا سيما صادراتها السلعية المعتادة، والتي تراوحت قيمتها، وفق تقديرات أميركية، ما بين 50 و60 مليار دولار سنوياً، وتمثّل نحو 8% من إجمالي واردات دول الخليج. وعلى سبيل المثال، تُظهر بيانات رسمية للتجارة السلعية في السعودية، خلال كانون الثاني الماضي، أن الولايات المتحدة جاءت في المرتبة الثالثة في قائمة الدول المصدِّرة إلى المملكة – بعد الصين والإمارات – وذلك بنسبة 6.9% من إجمالي واردات السعودية؛ كما كانت ضمن أهم عشر وجهات لصادرات الرياض. والأمر نفسه ينسحب على التجارة الخارجية الكويتية؛ إذ وفقاً لبيانات الإحصاء المتعلقة بالتجارة الخارجية للربع الثالث من عام 2025، فإن الولايات المتحدة احتلّت المرتبة الثالثة – بعد كلّ من الصين والإمارات – بقيمة واردات تقارب المليار دولار أميركي. أما في الإمارات، فقد تصدّرت الولايات المتحدة قائمة الدول المصدّرة عبر منافذ إمارة أبو ظبي؛ إذ بلغت قيمة الواردات منها نحو 774 مليون دولار في كانون الأول الماضي، تلتها الصين ثمّ السعودية.
وتتركز غالبية واردات دول الخليج من الولايات المتحدة في الطائرات والمعدّات العسكرية، والآلات الصناعية، والسيارات وقطع الغيار، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية، والتكنولوجيا والخدمات، وغيرها. والجدير ذكره، هنا، أن جزءاً كبيراً من هذه الواردات يمرّ عبر «هرمز»، خصوصاً تلك المتجهة إلى قطر والكويت والإمارات والبحرين، فيما تعتمد السعودية جزئياً على موانئ البحر الأحمر.
ويطرح ذلك تساؤلات جدّية حول كلفة تعثر أو تراجع واردات الخليج من الولايات المتحدة، حتى مع إمكانية استخدام بعض الدول مسارات بديلة عبر موانئ السعودية والأردن على البحر الأحمر، ومن ثمّ شحنها براً إلى مقاصدها في دول الخليج. فهل يمكن أن يشكل مثل هذا الخيار بديلاً مناسباً من حيث الكلفة والحجم لجميع وارادات الخليج من الولايات المتحدة؟ وماذا عن صادرات الخليج إلى الأميركيين؟ ألن ترتفع كلفتها، وبالتالي أسعارها بالنسبة إلى المستهلك الأميركي؟
الخليج سوق قيمة
تُجمع آراء معظم الاقتصاديين على أن الخليج يشكل سوقاً مهماً للصادرات الأميركية، ليس من حيث الحجم مقارنة بأسواق آسيا وغيرها، وإنما من حيث القيمة، وذلك نظراً إلى نوعية الواردات التي تعتمد على إنفاق حكومي مرتفع، وتشمل سلعاً ومعدات عسكرية ومدنية أساسية كالدفاع والطيران، إضافة إلى الوظائف الاقتصادية التي تقوم بها مدن تجارية هامة كدبي عبر عملية إعادة التصدير.
وبهذا، يمكن القول إن ما تحدّث به ترامب لجهة محدودية علاقات مصالح بلاده الاقتصادية بمضيق «هرمز»، يبدو مشابهاً في مضمونه ومصداقيته لحديثه المكرَّر يومياً عن تدمير القدرات والإمكانيات العسكرية الإيرانية، والذي سرعان ما يتبين عدم صحته مع كلّ موجة صواريخ تستهدف القواعد والمصالح الأميركية والمنشآت والمراكز الإسرائيلية الحساسة. لكن ما يمكن إخفاؤه عسكرياً كحادثة استهداف حاملة الطائرات والتذرع بوقوع حريق فيها، لا ينطبق على الخسائر والتداعيات الاقتصادية؛ فالمستهلك الأميركي هنا هو أوّل من يتأثر بها. ثمّ ماذا لو قرّرت دول الخليج استبدال وارداتها الأميركية بأخرى من دول آسيوية أو أوروبية مثلاً؟ هل يمكن أن يصمت ترامب حيال ذلك؟
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
