د. سلمان ريا
ليس من قبيل المصادفة أن تتحول أكثر الاتفاقات الدولية حساسية إلى نصوص قابلة للتأويل المتعدد. ما يبدو للوهلة الأولى ضعفًا في الصياغة أو ارتباكًا لغويًا، هو في الحقيقة تقنية دبلوماسية متقنة، تُستخدم لتجاوز لحظة الانسداد السياسي دون حلّ جذري للنزاع. هذه التقنية، المعروفة بـ “الغموض البنّاء”، لا تهدف إلى إزالة الخلاف بقدر ما تسعى إلى احتوائه مؤقتًا، مع ترك الباب مفتوحًا لإعادة تعريفه لاحقًا وفق موازين القوة.
منذ صدور قرار مجلس الأمن 242 عقب حرب 1967، ظهر هذا النمط بوضوح. النص الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من “أراضٍ محتلة” دون تحديد شامل، لم يكن خللًا لغويًا عابرًا، بل صياغة مقصودة سمحت لكل طرف بقراءة ما يريد. العرب رأوه التزامًا بالانسحاب الكامل، فيما اعتبرته إسرائيل إطارًا تفاوضيًا مفتوحًا، تدعمه الولايات المتحدة سياسيًا وقانونيًا. منذ تلك اللحظة، لم يعد النزاع يدور فقط حول الأرض، بل حول معنى النص نفسه، أي حول من يمتلك حق تفسيره.
هذه الظاهرة لم تتوقف عند ذلك المثال، بل تكررت بصيغ أكثر تعقيدًا في اتفاقيات أوسلو، حيث بدا الاتفاق وكأنه خطوة نحو تسوية نهائية، بينما كان في جوهره إعادة تنظيم للصراع. القضايا الأساسية لم تُحسم، بل أُجلت تحت مسمى “الوضع النهائي”، ما منح كل طرف مساحة لبناء واقع ميداني يخدم تفسيره الخاص. بالنسبة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، كان الاتفاق مسارًا نحو الدولة، أما بالنسبة إلى إسرائيل، فكان أداة لإدارة الواقع الأمني دون التزام نهائي. هنا يتجلى الغموض البنّاء بوصفه ليس مجرد وسيلة للتوافق، بل آلية لإعادة توزيع الزمن السياسي، بحيث يُرحّل الحسم إلى مرحلة لاحقة تكون فيها موازين القوة قد تغيّرت.
حتى في الاتفاقات التي تبدو تقنية ومحكمة، مثل الاتفاق النووي الإيراني، يظهر الغموض بشكل مختلف لكنه يؤدي الوظيفة ذاتها. النصوص التفصيلية لم تمنع التباين في التفسير، بل أخفته مؤقتًا تحت طبقة من الدقة التقنية. وعندما قررت الولايات المتحدة الانسحاب، لم يكن ذلك خرقًا بسيطًا، بل إعادة تعريف للاتفاق من خارج إطاره، مستندة إلى تفوق بنيوي يسمح لها بإعادة تشكيل الالتزامات دون كلفة موازية. في المقابل، تعاملت إيران مع النص بوصفه مرجعية قانونية يمكن التمسك بها، قبل أن تدخل بدورها في لعبة إعادة التفسير التدريجي عبر تعديل سلوكها النووي.
وفي السياق الأحدث، يتكرر النمط ذاته في التفاهمات والهدن الجزئية التي تُصاغ بحدود جغرافية وسياسية ضيقة، بحيث تُقدَّم كخفض للتصعيد بينما هي في الواقع إعادة توجيه له. ما سُمّي بالهدنة التي لم تشمل لبنان يكشف هذه الآلية بوضوح: اتفاق يُفهم من بعض الأطراف على أنه تهدئة أوسع، بينما يُصاغ فعليًا كترتيب موضعي يسمح باستمرار العمليات خارج نطاقه. في هذا الفراغ التفسيري، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح المناطق غير المشمولة ساحة مفتوحة لإعادة فرض الردع. هنا لا يعود الغموض مجرد مساحة تفاوض، بل يتحول إلى أداة عملياتية تُستخدم لتحديد أين تتوقف النار وأين تستمر، ومن يدفع الكلفة المباشرة لذلك.
ما يجمع هذه الحالات ليس فقط الغموض، بل البيئة التي يعمل ضمنها. في نظام دولي متوازن، يمكن لمثل هذا الغموض أن يتحول إلى مساحة تفاوض حقيقية تُحلّ عبر المؤسسات. أما في نظام مختل، فإن الغموض لا يُحسم بالحوار، بل بالقوة. النص يصبح عندها ساحة صراع بحد ذاته، تُستخدم فيه اللغة كأداة سياسية، لا كوسيلة توضيح. من يمتلك القوة لا يحتاج إلى كسر القواعد، بل يكفيه أن يعيد تفسيرها بما يتوافق مع مصالحه.
هنا يتضح أن ما يُسمى غالبًا “ازدواجية المعايير” ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل نتيجة بنيوية لنظام يجمع بين ثلاثة عناصر: قوة صلبة تفرض الوقائع، وقدرة قانونية على صياغة النصوص بمرونة، وسلطة سردية تروّج تفسيرًا معينًا باعتباره الشرعي. حين تجتمع هذه العناصر، لا يعود الغموض مشكلة يجب حلها، بل أداة يجب الحفاظ عليها، لأنها تمنح الطرف الأقوى هامش حركة دائم.
المفارقة القاسية أن الطرف الأضعف هو الذي يدفع الثمن دائمًا. وفي السياقات التي استعرضناها، كان هذا الطرف في الغالب عربيًا، سواء في تفسير نصوص قرار مجلس الأمن 242، أو في مسار اتفاقيات أوسلو، أو في تداعيات الهدن الجزئية التي تُستثنى منها ساحات كـ لبنان. ذلك أن الضعف هنا ليس فقط عسكريًا، بل تفاوضي وتفسيري أيضًا، حيث لا يمتلك هذا الطرف القدرة الكافية على فرض قراءته للنص أو حماية مخرجاته على الأرض.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الاتفاقات الدولية بوصفها نهاية للنزاعات، بل كمرحلة انتقالية تُنقل فيها المواجهة من الميدان العسكري إلى ميدان التأويل. الغموض البنّاء ليس وسيلة لتحقيق السلام، بل أداة لإدارة الصراع بشروط مختلفة، حيث تصبح اللغة امتدادًا للسياسة، والسياسة امتدادًا للقوة. وفي عالم كهذا، لا يُحسم معنى النص عند توقيعه، بل في كل مرة يُعاد فيها تفسيره تحت ضغط الواقع، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب من لا يملك القدرة على فرض تفسيره.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
