آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » زمن الظلال..!

زمن الظلال..!

 

 

د. سلمان ريا

 

إذا رأيتَ ظلالاً أطول من أصحابها، فلا تُسارع إلى الإعجاب… بل اسأل: ماذا حدث للشمس؟

في السياسة الدولية اليوم، لم تعد المشكلة في “الأقزام” الذين كبر ظلّهم، بل في الأفق الذي انخفضت فيه الشمس إلى درجة جعلت كل شيء يبدو أكبر مما هو عليه. نحن لا نعيش عصر صعود قوى جديدة بقدر ما نعيش لحظة اختلال بصري في ميزان القوة العالمي—لحظة تُضخَّم فيها الأصوات، وتُختزل فيها الحقائق، وتُقاس فيها الهيبة بحدة الخطاب لا بعمق القدرة.

 

خذ ظاهرة دونالد ترمب.

ليس مهماً إن كنت تؤيده أو تعارضه؛ الأهم أنه يمثل نموذجاً صارخاً: تضخيم الحضور الإعلامي إلى درجة يُخيّل معها أن الخطاب ذاته أصبح بديلاً عن القوة. لكن خلف هذا “الظل الطويل” تكمن حقيقة أكثر قسوة: تراجع قدرة المؤسسات على إنتاج قرار متماسك، وانقسام داخلي يجعل أعظم قوة في العالم تبدو وكأنها تبحث عن نفسها.

 

الأمر لا يتوقف عند الأفراد.

روسيا تُحدث زلازل جيوسياسية، لكنها تفعل ذلك بقاعدة اقتصادية محدودة لا تكفي لحمل مشروع طويل الأمد.

إيران تمد نفوذها عبر شبكات غير تقليدية، لكنها تصطدم بسقف صلب حين يتعلق الأمر ببناء نظام مستقر.

تركيا تتحرك بمرونة عالية، لكن تذبذبها الداخلي يجعل كل تقدم قابلًا للتراجع.

 

ثم هناك الحالة الأكثر إثارة للجدل: إسرائيل.

قد تبدو قوةً فائقة التأثير قياساً بحجمها الجغرافي والديموغرافي، وتمتلك بالفعل تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واضحاً، إضافة إلى شبكة علاقات دولية عميقة. لكن السؤال الصادم ليس في ما تملكه الآن، بل في طبيعة هذا الامتداد:

هل هو امتداد قابل للاستدامة، أم ظلّ يتضخم بفعل بيئة إقليمية مضطربة ودعم دولي غير متوازن؟

عندما تتحول القوة إلى اعتماد دائم على التفوق الأمني وحده، دون تسوية سياسية مستقرة أو اندماج إقليمي حقيقي، فإن الظل قد يستمر طويلاً… لكن الجسم يظل تحت ضغط دائم.

وهنا تحديداً يظهر الاختلال: نفوذ واسع، مقابل هشاشة كامنة في العمق الاستراتيجي والقبول الإقليمي.

 

هذه ليست قوى “صغيرة” بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً ليست بالحجم الذي يوحي به ظلّها. ما نراه ليس تضخماً في القوة، بل تضخماً في الانعكاس.

 

في المقابل، هناك قوى لا تبدو صاخبة لكنها تبني بصمت.

الصين لا تحتاج إلى صدمات إعلامية لتثبت حضورها؛ فهي تزرع نفوذها في سلاسل التوريد، في التكنولوجيا، في البنية التحتية العالمية. هذا ليس “ظلًا طويلاً”، بل جسم يتمدد فعلياً.

أما الاتحاد الأوروبي، فرغم بطئه الظاهري، يمارس نوعاً مختلفاً من القوة: قوة القواعد، حيث تتحول القوانين والمعايير إلى أدوات هيمنة أكثر استدامة من الجيوش.

 

الصدمة الحقيقية هنا ليست أن الأقزام كبر ظلهم، بل أن العالم أصبح يقيس القوة بالظل.

الإعلام يضخّم، والسياسة تختصر، والجمهور يستهلك صوراً سريعة لقوة لا وجود لها في العمق. وهنا تكمن الخطورة: حين تُبنى القرارات الكبرى على تقدير خاطئ للحجم الحقيقي للقوى، تصبح الحروب أسهل، والأزمات أعمق، والمفاجآت أكثر كلفة.

 

نحن إذن لا نعيش “غروباً” كاملاً، بل لحظة انتقال خطرة بين نظامين:

نظام قديم يفقد توازنه، ونظام جديد لم يكتمل بعد. في هذه المنطقة الرمادية، تصبح الظلال خادعة، وتصبح الحقيقة أقل وضوحاً من أي وقت مضى.

 

السؤال الذي يجب أن يصدم الرأي العام ليس: من الأقوى اليوم؟

بل: من يستطيع أن يبقى قوياً بعد عشر سنوات؟

لأن الظل، مهما طال، يختفي مع أول شروق حقيقي.

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“مسيحيو سورية” بين الدويلعة والسقيلبية 

      بقلم المهندس باسل قس نصر الله   انتقل أبو الطيب المتنبي إلى مصر في زمن كافور الإخشيدي، مدفوعاّ بأحلامٍ واسعة، ظنّ فيها ...