آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » كوليت خوري… آخر أميرات دمشق

كوليت خوري… آخر أميرات دمشق

 

مروة جردي

 

كانت صحافية مع خالها الصحافي حبيب كحالة، وسياسية وفية لإرث جدها فارس الخوري، وأديبة تنصف العاشقة داخلها. ربما هذا الوصف الأنسب لسيدة قاسمت الشام تسعين حولاً من تاريخها، وودعتها بصمت يليق بالتحول الأخير لسوريا الذي حاولت كوليت خوري اللحاق به، إلا أن الموت غافلها. هكذا، ودعت كوليت خوري شامها والوسط الأدبي عن عمر ناهز التسعين في منزلها في حي القصاع الدمشقي حيث كانت تتلقى الرعاية الخاصة منذ سنوات بسبب المرض الذي أخذ منها صوتها وحركتها.

 

حفيدة الاستقلال

«بالغار كللت أم بالنار يا شام، أنت الأميرة تعلو باسمك الهام» تقولها كوليت خوري بصوتها القوي المجروح، وهكذا يحمل السوريون ذكرى صوت الكاتبة السورية بعد تسجيلها العديد من النصوص والأشعار الوطنية لصالح إذاعة «شام إف إم» بينها نصوص من كتابتها، وأخرى للشاعر اللبناني سعيد عقل الذي لقبها بصاحبة «القلم الضوئي».

 

وُلدت كوليت خوري عام 1937 في كنف عائلة دمشقية عريقة، يتقدّمها اسم جدها فارس الخوري، فيفتح لها أبواب الحياة، بوصفه أبرز وجوه النضال الوطني ورئيس وزراء سوريا في مرحلة الاستقلال، فيما شغل والدها منصب وزير لشؤون القرى والبلدات. في هذا المناخ السياسي والثقافي، تشكّلت ملامحها الأولى، وربما أعمالها الأولى.

 

في دمشق، تلقت تعليمها في مدرسة «راهبات البيزانسون»، قبل أن تُنهي دراستها الثانوية في «المعهد الفرنسي العربي». لاحقاً، تنقّلت بين بيروت حيث درست الحقوق في الجامعة اليسوعية، قبل أن تعود إلى دمشق لتنال إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها، وتصبح أستاذة محاضرة في الجامعة ذاتها.

 

وفيما يحتلّ الجد فارس الخوري جزءاً كبيراً من اهتمام وسمعة كوليت، إلا أنها تنتمي لناحية الأم إلى جذر صحافي مهم في سوريا، فوالدتها من آل كحالة، وكانت أولى ذكرياتها مع القلم من خلال عملها في مجلة خالها الصحافي السوري الشهير حبيب كيالي «المضحك المبكي».

 

عاشت لتكتب حياتها

«لا أحب الصراخ بحنجرتي، فصرخت بأصابعي وأصبحت كاتبة» بهذه العبارة تلخص كوليت خوري عملها الأدبي، حيث صارت حياتها جزءاً رئيسياً من مواضيع كتبها، حتى تكاد لا تقول أو تعيش تجربة إلا وتصير كتاباً. من توثيق حياة جدها فارس الخوري، وعلاقاتها العاطفية وحبها،

 

لم تكتف كوليت خوري بحضورها المبكر في الرواية العربية، بل وسعت تجربتها لتشمل الشعر والقصّة والمقالة، متنقلة بين العربية والفرنسية، في مسارٍ يكشف عن كاتبة متعددة الأصوات والاهتمامات. بدأت بنشر ديوانها الشعري بالفرنسية «عشرون عاماً» عام 1957، قبل أن تُحدث صدى واسعاً بروايتها الأشهر «أيام معه» (1959)، التي توالت طبعاتها لعقود، مؤكدة على مكانتها كواحدة من أبرز الأصوات النسوية في الأدب العربي.

 

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تكثّف إنتاجها بين الرواية والمجموعات القصصية، فصدرت أعمال مثل «ليلة واحدة» (1961)، و«أنا والمدى» (1962)، و«كيان» (1968)، و«دمشق بيتي الكبير» (1969)، حيث حضرت المدينة والذات والهم العاطفي بوصفها محاور أساسية في كتابتها. كما قدّمت «الكلمة الأنثى» (1971) و«المرحلة المُرّة»، قبل أن تخوض تجربة المسرح بنصها العامي «أغلى جوهرة بالعالم» (1975). لاحقاً، واصلت اشتغالها على الذاكرة والتجربة الشخصية في «أيام مع الأيام» (1978-1979) و«الأيام المضيئة» (1984)، وصولاً إلى «غزل معك على هامش رواياتي» (1987)، حيث يتقاطع السردي بالوجداني.

 

إلى جانب إبداعها الأدبي، انشغلت خوري بالتوثيق والسيرة، فأصدرت «أوراق فارس الخوري» في طبعات متعددة، مستعيدةً إرث جدّها السياسي والوطني. كما تركت حضوراً لافتاً في المقالة الصحافية، من خلال سلاسل مثل «ذكريات المستقبل» في ثمانينيات القرن الماضي، ومقالاتها الأسبوعية «في وداع القرن العشرين» بين 1998 و2000، فضلاً عن نصوص تجمع بين السرد والوجدان مثل «سنوات الحب والحرب» و«عبق المواعيد» (2008).

 

يخبرنا سامي مروان مبيض الصديق المقرب من كوليت أنها منذ أواخر 2023 كانت تخطط لإصدار الجزء الرابع من مذكرات فارس خوري، وكتاب فارس الخوري بقلم معاصريه، إضافة إلى تفكيرها بجمع كل المجوهرات والملابس والكتب في مكتبتها لبيعها في مزاد من اجل تمويل دورات لتعليم الناس كيفية العودة إلى إتيكيت فارس الخوري ورفاقه، في إشارة إلى الأناقة والبروتوكولات التي كانت تميز تلك المرحلة من الحكم، إذ عرف عن فارس بك الخوري ارتداء البدلة البيضاء والطربوش الأحمر في مشروع يعكس انتماءها أو حنينها إلى تقاليد الطبقة البرجوازية السورية. وحول ذلك، كتب الروائي خليل صويلح سابقاً في «الأخبار» عن أن كوليت وجدت نفسها منفيةً على إثر صعود حزب «البعث» وتسلّمه السلطة (1963)، بتهمة أنها بورجوازية، وأنّ المرحلة تحتاج إلى مثقفين اشتراكيين.

 

يرى الناقدان بوعلي ياسين ونبيل سليمان أن تجربة كوليت خوري لا يمكن فصلها عن تكوينها اللغوي المزدوج، إذ إن كتابتها الشعرية بالفرنسية انعكست مباشرة على عبارتها العربية، مانحةً إياها «رشاقة وشاعرية» خاصتين.

 

مستشارة الأدب في قلب السياسة السورية

«هذا الصالون سيكون مكاناً لمثقفي السلطة والمعارضة». بابتسامة هادئة، لم يعترض الرئيس على الفكرة. هكذا روت كوليت خوري تفاصيل لقائها مع الرئيس السابق بشار الأسد، عندما عرضت عليه عام 2008 مبادرتها لإحياء تقليد الصالونات الأدبية، وكانت حينها مستشارته الثقافية، في العام نفسه الذي اختيرت فيه دمشق عاصمة للثقافة العربية.

 

ورغم أن الأسماء الأبرز في دوائر المستشارين الثقافيين للرئيس كانت لنجاح العطار وبثينة شعبان، فإن لكوليت خوري حضوراً لافتاً وإيجابياً في هذا السياق، منذ تعيينها مستشارة ثقافية للرئيس عام 2006. وفي سنواتها الأخيرة، حظيت خوري برعاية خاصة من رئاسة الجمهورية في عهد بشار الأسد، إذ جرى الاهتمام بوضعها الصحي، في استكمال لعرف متّبع في الرئاسة السورية تجاه الشخصيات البارزة في الحقل الثقافي والأدبي سورياً وعربياً.

 

سياسياً، خاضت كوليت تجربة نيابية عندما ترشحت لمجلس الشعب عام 1990، وفازت بدورتين متتاليتين. وكتب النائب السابق محمد حبش عنها أنها حملت «بجدارة» إرث جدها فارس الخوري، مضيفاً: «جمعتنا أيام كثيرة في منابر مختلفة دينية وبرلمانية، وكنا بارعين حين نتناوب رسم النجمتين الخضراوين على علم سوريا: نجمة لمحمد ونجمة للمسيح».

 

ويشير إلى أن حضورها العام ارتبط أيضاً بمحطات رمزية في الحياة السياسية، من بينها الانتخابات البرلمانية، حيث كان بعض رجال الدين، ومنهم مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو، يدعون علناً إلى انتخابها، وبشكل خاص موقف مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو الذي كان يدعوها يوم الجمعة إلى مجلسه الحاشد، ويقول للناس: «انتخبوا كوليت خوري!».

 

وحصلت كوليت خوري على جائزة الدولة التقديرية لعام 2024، في مجال الآداب، وكان آخر ظهور علني لها. تم تقديم الجائزة لها في منزلها من قبل وزارة الثقافة السورية.

 

من نزار إلى كوليت… رواية ورسائل

جاءت الفكرة بسبب ارتباط اسم الأديبة باسم الشاعر الدمشقي نزار قباني في قصة حب شهيرة أعلنت عنها في إحدى رواياتها الأولى، التي نشرتها عام 1951 بعنوان «أيام معه»، ووُصفت بأنها «رومانسية وجريئة»، وظلت تُعاد طباعتها حتى عام 2001. وتعرض الرواية قصة ريم «طالبة حقوق أرستقراطية» وعشقها لموسيقي يكبرها سناً، بكثير من المشاعر والتفاصيل التي أثارت انتقادات المجتمع المحافظ في ذلك العصر. ونسجت فيها حكاية المرأة السورية بين التقاليد والحرية، بين الحنين والتمرد، بما يليق باسمها الذي لا يمكن سماعه من دون تخيّل أن لصاحبته علاقة بالعمل الأدبي أو الصحافي، وكذلك كانت.

 

وكادت هذه العلاقة أن تتكلّل بالزواج لولا المزاج المتقلب للشاعر الراحل. وكانت الروائية السورية قد أعلنت أكثر من مرة نيّتها نشر هذه الرسائل النادرة في كتاب، لكنها كانت فجأة تتراجع عن وعدها وتذهب إلى مشاريع أخرى. وتزوجت كوليت مرتين؛ الأولى من الموسيقار الإسباني الكونت رودريغو دي زياس، ولديها منه ابنة اسمها «نارة»، توفيت في عمر باكر على إثر صراع مع المرض، ولها حفيد منها. وقالت عن زوجها: «تزوجنا في فرنسا. ولم يكن زواجي من الكونت بدافع الحب فقط، بل أيضاً لأني كنت دائماً أبحث عن شخص يستطيع أن يشبه أبي وسامةً وحضوراً». بعد طلاقها، تزوجت كوليت مرة ثانية من أنطوان سلحف. حتى إنّ النقاد والجمهور استغربوا من عدم وجود كوليت الخوري ضمن فيلم «نزار قباني – العشق الدمشقي»، الذي أنتجته جاءت الفكرة بسبب ارتباط اسم الأديبة باسم الشاعر الدمشقي «الجزيرة الوثائقية» عام 2010، لمشاركة ما تحمله من ذكريات ورسائل مع الشاعر الراحل، خصوصاً أنّ الكاتبة السورية تحدثت مراراً عن أكثر من ثلاثين رسالة بحوزتها من الشاعر العاشق.

 

كوليت خوري، حياةٌ امتزج فيها الحب بالوطنية والأناقة والجمال، حتى آخر صورها التي ظهرت فيها مريضة، لكنها ظلّت حريصة على الظهور بمظهرها الأنثوي الذي تعتني فيه بعطرها ومجوهراتها وتصفيفة شعرها. ترحل صاحبة «القلم الضوئي»، كما لقّبها سعيد عقل يوماً، تاركةً خلفها إيماناً راسخاً بأن «الحياة لا تُعاش مرتين، والكتابة تجربة عيش أولاً وأخيراً». وتضيف في أحد تأملاتها: «أنا أخاف شبح الموت فأتحداه بحروفي. أتوهم أن الكتابة سوف تطيل حياتي، وإذا انقطعت عنها فهذا يعني نهايتي».

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محاكمة مدير أعمال هيفاء وهبي بتهمة غسيل الأموال بعد امتلاكه عقارات وسيارات فارهة

حددت محكمة القاهرة الاقتصادية جلسة يوم 14 أبريل الجاري، لنظر أولى جلسات محاكمة محمد وزيري، مدير أعمال الفنانة هيفاء وهبي السابق، في اتهامه بغسيل الأموال. ...