د. مُحمَّد الحوراني
“محمد… وينك إنت”. بهذه الكلمات، كانت كوليت خوري تبدأ حديثَها معي في غالبيّة اتّصالاتي بها أو اتّصالاتها بي، خاصّةً إذا سبقَ الاتّصالَ مُدّةٌ من الانقطاع عن الزيارة أو الاتّصال لظروف غالباً ما كانت تُقدِّرُها الأديبةُ الراحلة.
لم تكن العلاقةُ بيني وبينَ حفيدةِ السياسيِّ والمُثقّفِ الوطنيّ الكبير فارس خوري علاقةً رسميّةً أو علاقةَ عمل كما هو الحال مع بعضهم، بل إنها كانت علاقةً إنسانيةً ترتكزُ على الأصالة والقيم الإنسانية والأدبية النبيلة والرغبة في تقديم المفيد إلى المشهد الثقافيّ عموماً، والأدبيّ خصوصاً.
في إحدى زياراتي لها، وفي أثناء استفساري منها عن أمرٍ يتعلّقُ بجَدِّها فارس الخوري، رحمه الله، وعلاقته بالكتلة الوطنية، وهو موضوعُ أطروحتي للدكتوراه، أبدَتْ كوليت خوري إعجابَها بعنوان الأطروحة “الكتلة الوطنية ودورها في استقلال سورية”، مُؤكِّدةً أنَّ هذا الموضوعَ وشخصيّاتِهِ في أمسِّ الحاجة إلى الإنصاف والدراسة وَفْقَ منهجيّةٍ علميّةٍ دقيقة قائمةٍ على المعرفة بتفاصيل تلك المرحلة وأحداثها وَفْقَ ظُروفِها وما حدثَ فيها.
ولم تكن الأديبةُ السوريةُ الكبيرةُ كوليت خوري مُهتمّةً بالأدب والإبداع والثقافة فحسب، بل إنّ الفنَّ والجَمالَ والسياسةَ كانت ضمنَ أولوياتها واهتماماتها، إضافةً إلى عِشْقِها التاريخَ وقراءَتَهُ بكُلِّ ما يَحمِلُهُ من تناقضات وفَخْرٍ أحياناً، وخجلٍ من أحداثه في أحيان كثيرة.
رحلت كوليت خوري بكُلِّ ما تَحمِلُهُ من كبرياء الأديب الحقيقيّ الذي لا يُجيدُ التصفيقَ وتنميقَ الخطابات (الطُّبُوليّة)، ولا يقبلُ الانكسارَ أو التَّبعيةَ لأحد، ولهذا فإنَّ أدبَها كان صادقاً ومُرهَفاً ومُنحازاً إلى القيم الإنسانية النبيلة، ومُتماهياً مع الخصال الحميدة التي يجبُ أن تتوافَرَ فيه لتميّزه عن غيره من الكائنات، بل إنّ الأديبةَ، التي طالما تباهت بخلفيّتِها البرجوازية، آثرَتِ الانحيازَ إلى مُعاناةِ الطبقةِ الفقيرة، وكانت لها علاقاتُها المُميّزةُ مع عددٍ من الكُتّاب والمبدعين المطحونين بهموم الحياة ومتاعبها والقادمينَ من عُمقِ الفقر والمُعاناة والهموم الحياتيّة، كما أنها ببساطة كتاباتها وعمقها ورصانتها، كانت تُحاولُ وَضْعَ يديها على جدار الإنسانية لتسندَهُ، خوفاً من سقوطه في أوطانٍ كادَ يسقطُ فيها كُلُّ شيء بعد أن نخرَ السُّوسُ مفاصلَها، والتهمَتِ القوارضُ وَعْيَ أبنائها، وغدا كلُّ شيء فيها قابلاً للتزييف.
نعم، رحلت كوليت خوري، أديبةُ دمشق، وسيّدةُ النقاء والأدب فيها، والذاكرةُ التي خبرتْ كثيراً من الأحداث السياسية والثقافية ورجالاتها، وبرحيلها تكونُ الساحةُ الأدبيةُ والثقافية قد خسرتْ رمزاً من أهمِّ الرموز على مستوى سورية والوطن العربيّ.
رحلت سيّدةُ الجُرأة والدَّعوة إلى التَّحرُّر وكَسْر القيود في زمنٍ كانت غالبيّةُ العقول فيه مُغلَقَةً ومُتَحجِّرةً “أيّام معه” 1959. رحلت كوليت خوري، ولا تزالُ دمشقُ بيتَها الكبير “دمشق بيتي الكبير” 1969، ومع ذلك فقد آثرَتْ أن تَدْعُوَنا إلى القنيطرة “دعوة إلى القنيطرة” 1976، لأنها سليلةُ بيتٍ من أعرق بيوت الأصالة والوطنية والانتماء الحقيقيّ الذي لا يُفرِّقُ بينَ مكانٍ وآخر من جغرافيا الوطن إلّا بمقدار ما يُقدِّمُ من تضحياتٍ وبُطولاتٍ تُعلي من شأن الإنسان وكرامته.
هكذا هي كوليت خوري صانعةُ الجمال وصوتُ الحقِّ والحقيقة، التي أحتفظُ بكثير من الذكريات معَها وبمُتعةِ الأحاديث العابقةِ بالأدب والتاريخ وسِيَرِ العمالقة من أمثال: “فارس الخوري، وعلي الطنطاوي، ونزار قباني، وعمر أبي ريشة، وعبد السلام العجيلي”، وغير ذلك من ذكرياتٍ وسِيَرٍ لا أزالُ أتُوقُ إلى مزيد منها، ولكنَّ المرضَ كانَ أسرعَ إلى قلبي، فمنَعَني شهوراً من زيارتها والاستمتاع بسحر حديثها والاستفادة من ثقافتها وأدبها، قبلَ أن يتسلّلَ الموتُ إلى جسدها ليمنعَ استمرارَ اللقاءاتِ الجسدية، ويُبقِيَ لقاءاتِ الثقافة والأرواح والإبداع، وهُنا يتجلّى جلالُ الديمومة بأبهى صُوَرِه، لأنّ هذه اللقاءاتِ من شأنها أن تجعلَنا نغوصُ بعمق في أعماق الأديبة الراحلة واكتشاف مزيد من كنوزها.
رحلتْ كوليت خوري حافظةُ أسرارِ نزار قبّاني ورسائله في واحدةٍ من محطّات حياته التي لم يُعرَفْ عنها إلّا القليل، وهي المُدّةُ التي أمضاها في الصين ديبلوماسياً، لكنَّ البُعْدَ والاغترابَ لم يمنعْهُ من تسطيرِ أبدع الكلمات في الشوق إلى الوطن والتَّوقِ إلى محبوبته التي احتفظتْ بالعشرات من رسائله العابقة بأدبه، وسِحْرِ حديثه، وعِطرِ الياسمين في كلماته، وجَمْرِ المُعاناة في وحدته واغترابه، وما عاشَهُ وقتئذٍ من ظروف صعبة، وقد اشتغلتْ مع بعض الأصدقاء على تحضير هذه الرسائل الرائعة للطباعة بإشراف الأديبة الراحلة، وهي بخطِّ يده، بعدَ أن وضعتْ مُقدّمتَها، لكنَّ ظُروفاً حالتْ دُونَ طباعتها.
ولعلَّ من أهمِّ المواقف التي لا يُمكِنُ أن أنساها مع كوليت خوري أنّني في أحد الأيام، وفي أثناء زيارتي لها في بيتها، اتّصلتُ هاتفياً بالأديبة السورية غادة السَّمّان، وقلتُ لها: أنا الآن في حضرة صديقة قديمة لك وأديبة من زمن الجَمال والنَّقاء، فمن هي؟ فكان جواب غادة السمان السريع: كوليت خوري حبيبة قلبي. وأعطيتُ مُضيفَتي الهاتفَ، ودارَ بينَهُما كلامٌ طويلٌ عبّرَ عن سُموِّ الأديب الحقيقيّ ورفعة أخلاقه، وكانَ هذا أوّلَ اتّصالٍ بعدَ مُدّةٍ من انقطاع الاتّصالِ بينهما.
رحلتْ كوليت خوري (1938- 2026)، مُكلَّلةً بالغار والحُبِّ والذِّكْريات الجميلة على الرَّغْمِ مِنْ لُهاثِ الحاسدينَ الحاقدين. رحلتْ سيّدةُ الإبداع، شذا الورد، اللحاظ الشّاميّة، نبع الهوى، سندس الغوطة… ولكنَّ حُضورَها الأدبيَّ سيبقى حاضراً في دروب الثقافة السورية والعربية، وسيبقى مُتدلّياً كالياسمين على أبوابِ دمشقَ وعلى عتباتِ شبابيكها التَّوّاقةِ إلى صُراخِ أصابعِها وأناقةِ حُضورِها.

أخبار سوريا الوطن١-بوابة الشرق الأوسط الجديدة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
