آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » خطابٌ مشتبك ضدّ خطاب الاستشراق: محمد مرندي في مواجهة سرديات الهيمنة

خطابٌ مشتبك ضدّ خطاب الاستشراق: محمد مرندي في مواجهة سرديات الهيمنة

 

بول مخلوف

 

 

 

«ولدت في أميركا لكني لا أملك جواز سفر أميركياً ولا رقماً للضمان الاجتماعي». اعترافٌ كتبه محمد مرندي مرة على تويتر، يصلح كمفتاح لفهم لسانٍ جاء من المركز، لم يكتفِ بفضّ حبل السرة والقطيعة معه، بل اختار أن يتكلم ضده.

 

على حسابه على «إكس»، يثبّت مرندي تغريدة له تعود إلى عام 2019، مرفقة بصورةٍ يظهر فيها شاباً متطوعاً مع الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية: «التقطت لي هذه الصورة بفخر عندما كان عمري 16 سنة. كنت متطوعاً إلى جانب الحرس الثوري، أحارب الغزو العراقي المدعوم أميركياً على إيران.

 

في ذلك الوقت، على الأرجح، كان الأوروبيون والأميركيون «المتحضّرون» يزوّدون صدام حسين بالتكنولوجيا لصناعة أسلحة كيمائية». هذه ليست صورة شخصية مأخوذة من أرشيفٍ خاص بقدر ما هي بيانٌ سياسي؛ أمامنا مراهقٌ يحمل السلاح سيصبح لاحقاً أستاذاً يخوض معاركه مع أعدائه ببلاغةٍ مشبّعة بالجدل النظريّ.

 

بروفيسور في الأدب الإنكليزي ودراسات الاستشراق في جامعة طهران، يمتلك محمد مرندي أثقل من جواز سفرٍ إيرانيٍّ: لديه هوية، هو يمتلك انتماءً للجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها مشروعاً مُضاداً لحضارةٍ تلقي القنابل على رؤوس المدنيين كما تستهلك الهامبرغر. انتماءٌ يتعالق الثقافيّ فيه بالسياسيّ أو لعلّه ينتج من خلاله. فمرندي قادم من تقاطعٍ بين الأدبيات الثورية والإرث النظري لما بعد الاستعمار، ذلك الخليط الذي أسّس، جزئياً على الأقل، الثورة في إيران، كما وفر القاموس الذي يتحدث- مرندي الضليع بالاستشراق السعيديّ- به عن العالم.

 

انطلاقاً من ذلك، على قلّته وأهميته، يبدو محمد مرندي في الدور الإعلامي الذي يؤديه، أقرب إلى جرّاح حضارات منه إلى إعلاميّ بالمعنى المبتذل للكلمة، ذلك الميّال إلى الشعبوية والتبسيط والصراخ العالي. فهو يشتغل على تشريح الخطاب، ويفتح بمبضعه ثغور الظواهر السياسية مجترحاً زيفَ الدعاية الغربية، ليعيد تخييط سرديةٍ مضادّة ينطق بها الجسد المقاوم.

 

هدّام سرديات

في استديوهاتٍ اعتادت الضجيج وبثّ الخزعبلات الاستشراقية، يحضر محمد مرندي كمُخاطِبٍ أكثر منه كضيف، وخطابه إبرة مسنونة يوخز فيها وعياً مخاتلاً لعلّه يستفيق. يُصغي إليه خصومه بقدر ما يُصغي إليه مؤيّدوه، كأنّ خطابه موّجه إلى البعيد عنه قبل القريب منه. يكاد الإجماع ينعقد على أن إطلالته تدفع المشاهدين إلى تثبيت القناة التي يحلّ عليها ضيفاً.

 

لا يشتغل البروفيسور مرندي على الإقناع بمعناه التقليدي، أي عبر تبنّي مطالعات مملّة وشرح ما لا يجب شرحه كونه من البداهة، بل يلعب في زوايا ضيقة وفي جعبته ذخيرة نقدية زاخرة. يرتكز منطقه الحجاجيّ على تهشيم مقوّمات الخطاب السائد من الداخل وقلبه رأساً على عقب. فمرندي بعيدٌ عن العرض الإعلامي الصاخب والاستعراض الركيك، وأقرب إلى محاضرٍ أكاديمي رزين، ينتمي إلى تقليدٍ تحليليّ صارم تتداخل فيه المعرفة بالتسييس، وتغدو اللغة مجالاً للصراع.

 

 

منسوب التوتّر في لغته مرتفع، بيد أنه يبقى هادئاً، رزيناً، محافظاً على اتزانه رغم تجهّم ملامحه والاندفاع النظري الحادّ الذي يواجه به محاوره/ خصمه.

 

هذا التوتر بين هدوء الأداء وحدّة المحتوى يمنح خطابه طابعاً مزدوجاً: خطابٌ وصفيٌ في الشكل وجدليّ في الوظيفة.

هكذا، تتحوّل الشاشة من منصّة عرض إلى قاعةٍ مفتوحة على أساليب بلاغية، تقوم على اللعب على المفارقات، وعلى استئصال الأورام المنفوخة بمشرطه المسنون والجاهز لتفكيك الاستعمار والهيمنة ثانياً. فلنأخذ تغريدته التي ذكرناها آنفاً، تلك التي ثبّتها على حائطه على «إكس»، لنفهم كيف يدير حجّته بدقّةٍ تكشف أكثر مما تقول: «(…) كنت أحارب الغزو العراقي المدعوم أميركياً على إيران.

 

في ذلك الوقت، على الأرجح، كان الأوروبيون والأميركيون «المتحضّرون» يزوّدون صدام حسين بالتكنولوجيا لصناعة أسلحة كيمائية». يُسقط مرندي عصفورين بحجر؛ فهو يقر بأنّ الأسلحة الكيميائية التي زعموا بأنّ صدام حسين يمتلكها كانوا قد زوّدوه بها لضرب إيران، بلده، ومن ثم فإنه يهزأ بـ«المتحضرين» (هذا قبل رواج المصطلح ودخوله إلى السياق الإبادي)، وفي هذا الهزء كشفٌ عن التناقض بين القول والممارسة، الذي يفتخر بأنه حاربهم.

 

متمسكاً بهذا الأسلوب المينماليّ المكثف، يتسلّل مرندي إلى داخل بنية الخطاب الغربي والمخيال الاستشراقي، وينزع عنهما الكتل السرطانية المتفشّية التي رسخها المعجم الغربي وتهويماته الدعائية.

من نافلة القول، إذن، توصيفُ مرندي بأنه مُربِكٌ لسرديّات الهيمنة أو مشوّشٌ عليها؛ فهو ذاتٌ خطابية تُجيد محو طنين سرديات الهيمنة، وتكتب حضورها فوقها بصوتٍ يبقى له صدى… أثر.

 

بلاغة المفارقات

مرندي الذي يمكن اعتباره، بسهولة، العقل الإيديولوجي لإيران، هو اليوم الجندي الشرس الذي يخوض معاركه الإعلامية بحذقٍ يذكّرنا من حيث الأسلوب، بمناورات المناطِقَة.

 

كلما وجهت إليه تهمة تطال النظام الإيراني بوصفه نظاماً قمعياً يكبل حرية النساء، يسارع إلى الرد بحجةٍ تنقل النقاش إلى أرض الأعداء، إذ يحيل خصمه إلى مساءلةٍ معكوسة تخصّ الكيفية التي تسلّع بها الرأسمالية جسد المرأة وتستغلّه ضمن منظومات الاستهلاك. ومرندي الذي يتعاطى مع «إكس» كمنصة مفتوحة للاشتباك، هي غرفة عملياته الجراحية التي يكاد لا يغادرها. هناك لا يكف عن إعادة مشاركة تغريدات تنشرها منظمات حقوقية دولية قاشطاً الزيف منها وفاضحاً الهوّة بين الادعاء وبين حقيقة الواقع.

 

يمكن اعتباره بسهولة العقل الإيديولوجي لإيران

 

في هذا الفعل المتكرر القائم على إعادة التأويل مع إعادة المشاركة، تتحوّل التغريدة الأصلية إلى مادةٍ قابلةٍ للتشريح، ويغدو التناقض الذي يبينه مرندي في مقاربة المكتوب مع السياق الخارجي عنه، شيئاً من عوارض الانفصام، أي نفاق وكذب كاتبه.

 

مرندي، الضليع بالاستشراق السعيدي، على يقين بأن ثمة حرباً ثقافوية يشنّها الرجل الأبيض على كل آخر عنه. بالتالي، إنّ صِدام الحضارات ليس حلم من أفرط في تناول الهمبرغر في قيلولة ما بعد الغذاء، بل واقع فرضه اليانكي على من يضعهم في خانة الاختلاف.

 

بهذا الالتفاف المتقن على حُجّة الخصم، وبقلب الدلالات رأساً على عقب حتى يغدو الخصم أسير اتهاماته نفسها، بالإضافة إلى أدوات نقدية تخوّله الانتقال من الدفاع إلى مرحلة الهجوم، ينجح محمد مرندي في إقناع الرأي العام الغربي الذي يظهر بشكل متكرر على شاشاته بأن إيران ليست صورة نمطية كما تعرض في التقارير والخطاب الإعلامي السائد، بل كيانٌ عقلاني يمتلك أدواته الثقافية والسياسية، وفاعل سيادي يملك حضارته وخطابه وتاريخه، وهو قوّة مضادّة للهيمنة وذاتٌ مقاومة.

 

صائغ مصطلحات

محمد مرندي، الذي كتب عام 2019 تغريدةً وصف فيها الغربيين، على سبيل التهكّم، بـ«المتحضّرين»، كان من أوائل من استحضر هذا التوصيف قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى عنوانٍ عريض في الخطاب السياسي المعاصر، متلاعباً بدلالته ومقوّضاً معناها من داخلها. ولا يدلّ ذلك على مجرّد براعةٍ لغوية، بل على استشرافٍ مبكر لتحوّلاتٍ في بنية الخطاب ووظيفته، حيث يغدو التوصيف أداةً لإعادة إنتاج الواقع بقدر ما هو وسيلة لوصفه.

 

هذه الطاقة البلاغية سيستثمرها لاحقاً في حضوره الإعلامي، سواء عبر منصة «إكس» أو في إطلالاته التلفزيونية، فجرّاح الحضارات سيبتكر مفرداته ويجترح عباراته مثلما يصيغ السباك الحديد، مبتكراً توصيفاتٍ ذات كثافة دلالية عالية، تسعى إلى محاكاة الواقع والنطق بمعناه.

 

يصوّر إيران التي تحارب إمبراطورية الشرّ، بأنّها تخلّص العالم من إبستين وأصدقائه

 

ضمن هذا الإطار، طوّر مرندي جملةً من التوصيفات والمقولات التي تندرج في اقتصادٍ خطابيّ مضاد، من بينها استخدامه لعبارة «المحور الإبستيني» لوصف الولايات المتحدة، وترديده لوصف «إمبراطورية الشر» في سياق الإشارة إلى إسرائيل، إلى جانب مقولاتٍ أخرى مثل: «إيران تحارب من أجل حقوق الإنسان»، و«إيران تحارب الشر حتى يغدو العالم أفضل».

 

تقرأ هذه العبارات بوصفها إشاراتٍ تعمل على إعادة توزيع المعاني والقيم داخل الحقل الخطابي عبر قلب مواقع المركز والهامش. ثمة سحبٌ لسلطة التسمية من الجهات المهيمنة وإعادة ضخها في خطاب مضاد يعيد تعريف الفاعلين الحقيقيين. إنه إعادة تصويب المعنى من جديد بعدما انحرف عن مساره.

 

هكذا، لا تكتفي هذه المقولات بوصف الواقع، بل تتدخل في تشكيله دلالياً، إذ تغدو إيران التي تحارب إمبراطورية الشرّ، تخلّص العالم من إبستين وأصدقائه، وتعيد تشييد حق الإنسان في عالمٍ آمن لأنها في حرب وجودية مع الأشرار.

 

ولد محمد مرندي في أميركا لكنه لا يملك جواز سفرٍ ولا رقماً للضمان الاجتماعي. هو واحدٌ من الجنود الشجعان في هذه الحرب، من المثقفين الذين يعتنقون اللوغوس؛ واللوغوس هو الكلمة والكلمة هي العقل، وبالتالي، لا فصل بين السياسي والثقافي هنا.

سئل البروفيسور مرندي منذ فترةٍ: «أنت مواطن أميركي، في وسعك أن تترشح للرئاسة الأميركية». كان جوابه: «لا لست مرشحاً». عاد الصحافي وسأله: «ولم لا؟» ليجاوبه: «اسمي ليس مدرجاً على قائمة إبستين». هذه ليست نكتة عابرة، هذه حقيقة لم يستطع أحد نقضها حتى الآن.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فارس الحلو بعد غياب… «كأن شيئاً لم يكن»

    ستعد المخرج السوري مجد الزغير لعرض فيلمه القصير «كأن شيئاً لم يكن» (15 دقيقة) الذي صُوّر في ألمانيا. يروي الشريط قصة «بحر»، الرجل ...