الرئيسية » كتاب وآراء » تسونامي الامارات.. مبالغة ام دور وظيفي محدود ام استرتيجية كبرى؟

تسونامي الامارات.. مبالغة ام دور وظيفي محدود ام استرتيجية كبرى؟

كمال خلف

شغلت الامارات بخيارتها الجديدة الغير تقيلدية والكاسرة للمحرمات  الساحة السياسية والاوساط الاعلامية في المنطقة والعالم  . بلا ادنى شك الدولة المسالمة التي كانت مقصدا للسياحة ومكانا مثاليا للعمل والاستثمار ولديها  نقطة اشعاع ثقافي وحضاري وادبي من بوابة امارة الشارقة والتي شكلت مقصدا لكبار المثقفين والادباء العرب لعقود خلت  لم تعد كذلك  الان .  هذه امارات اخرى  تجاوزت  الاطار السابق  نحو محاولة  لعب دور سياسي خارج الحدود ، ودخلت في صراع النفوذ بل وفي بناء التحالفات الناشدة لاقامة مشاريع ومعادلات سياسية  .

من الطبيعي ان يصف الغالبية من العرب والمسلمين  ما اقدمت عليه ابو ظبي من تحالف مع اسرائيل بانه خيانة للامة وعمالة وطعنة وخذلان وما شئت من هذه التوصيفات . لكن يجب ادراك  ان هذه الصفات التي اطلقت لعقود على بعض العرب ممن اثروا بناء علاقة ما مع العدو الاسرائيلي  لم تعد كافيه لفهم الحالة التي عليها الامارات اليوم ، اذ ان ما تقوم به دولة الامارات يتجاوز رغبة اقامة علاقات توصف بالطبيعية مع اسرائيل الى محاولة محمومة واندفاع سريع يشبه تسونامي متعدد الاتجاهات “سياسي واعلامي وثقافي وربما امني”  لتغيير البيئة السياسية  الراهنة  في العالم العربي ومرفقاتها من مفاهيم وثوابت وعقائد ، في لحظة من حالة الوهن والضعف والعجز السياسي العربي  وانسداد الافق وفشل الدول الوطنية سواء في معالجة مشكلاتها الداخلية وازماتها البنيوية وخلق تنمية مستدامة او في مواجهة اسرائيل لاستعادة الحقوق العربية والانتصارللقضية العربية الاولى فلسطين  .

وتتبع الامارات هجمات باسلحة القوة الناعمة والدخول الى عمق المجتمعات وبيئاتها الثقافية والاعلامية والسياسية   وقواها الحزبية وتياراتها الفكرية و والثقافية ونخبها المؤثرة  .  اننا باختصار امام محاولة لتغيير جذري هائل في المنطقة . وقد يلفت البعض الى ان هذا التشخيص مبالغ فيه و كذلك لا يمكننا الحديث عن تسونامي اماراتي خارج اطار دور وظيفي تقوم به الامارات بتكليف من الولايات المتحدة الامريكية . الراي الاخير فيه الكثير من الصحة . الولايات المتحدة اعطت ادوارا  لدول عربية في مراحل مختلفة . رئيس الوزراء القطري السابق “حمد بن جاسم ” قال ذلك صراحة في لقاء شهير واعتبر ان دور قطر في الحرب السورية وادوار دول اخرى كان بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة ،  وان واشنطن من قررت من يقود مجموعة الهجوم على سورية واسقاط النظام . وبلاشك ما تقوم في الدوحة من احتواء لحركات الاسلام السياسي وحتى حركة حماس لا يخرج عن اطار الدور المنسق مع واشنطن .

الا ان ما تقوم به ابو ظبي اليوم في المنطقة مشروع استراتيجي  اكبر من كونه دورا وظيفيا مؤقتا . ويبدو ان قرار حكام الامارات بلعب  دور ذي طابع  نفوذي اعتمد على عوامل  نابعة  من بعض القدرات الذاتية المالية بالدرجة الاولى والرعاية الامريكية التي تعطي لابو ظبي حصانة ويدا مطلقة ، والعلاقة مع اسرائيل الشرط الاول لحرية التحرك وبناء سياسيات خارج الحدود .

 وكان من الطبيعي ان تصطدم ابو ظبي بالمنافس القطري الذي كان له الحق الحصري في لعب ادوار سياسية  خارجية  ولاحقا بعد الربيع العريي اضيف الها ادوارا عسكرية وامنية واعلامية  . الا ان ابو ظبي اظهرت قدرة على القفز ابعد مما هو متوقع من اي حليف عربي للولايات المتحدة ،  وتجرأت على كسر محرمات وخطوط حمراء دون اي اعتبار للراي العام العربي والاسلامي والذي قدرت الامارات “كما ذكرنا سابقا”   انه في حالة انعدام توازن بسبب النكبات التي حلت بالعالم العربي خلال السنوات العشر الماضية ، وبل وراهنت على تغييره وبناء راي عام عربي اخر ينسف كل ما هو قائم  اعتمادا على استقطاب كل من هو مؤثر في مجتمعه وفي مجالات كافة   .

في لبنان لا يبدو ان الوزير السابق” وئام وهاب “كان ينطق عن الهوى عندما قال ان هناك دعما اقليميا ودوليا لدور سياسي يحاول ان يلعبه” بهاء الحريري”  شقيق الرئيس “سعد الحريري”  . يقال ان بهاء حليف الامارات وانه بات يستقطب وجوها مؤثرة في المجتمع اللبناني من فنانين واعلاميين وسياسيين .

 وهاب لم يكتف بالاشارة الى دور بهاء بل المح ان ثمة قرار اكبر من اللبنانيين يهدف لاقصاء سعد من الحياة السياسية ، وان مذكرة استجواب رئيس الوزاء الحالي “حسان دياب” على خلفية انفجار مرفا بيروت هدفها الوصول الى سعد الحريري وتوقيفه . القرار الدولي والاقليمي الذي يشير اليه الوزير وهاب قد يترجم على انه قرار اماراتي سعودي بدعم امريكي ،  وان الهدف الاستراتيجي هو خلق تيار داخل لبنان يوحد قوى وشخصيات متفرقة لبنانية  داعمة  للمشروع الاماراتي في المنطقة العربية .

في هذا الاسبوع ساد الحديث عن التجسس الاماراتي عبر برامج متطورة اسرائيلية بعد عرض” قناة الجزيرة ” برنامجا تحقيقيا حول هذا الموضوع  . التعليقات حول ما عرضه البرنامج اتجهت نحو الخلاف القطري الاماراتي  ونحو اختراق الامارات  لهواتف صحفيين يعلمون في القناة . ونعتقد ان هذا الجزء محل اهتمام التعلقيات ليس الجزء الاهم او الاستنتاج الابرز الذي يمكن الخروج به . وكذلك  تندر البعض من المعارضين السعوديين في الخارج حول استخدام ابو ظبي لكل هذه التكنولوجيا لاهداف صغيرة مثل اختراق هواتف صحفيين او ملاحقة معارضين  واعتبار ذلك فشلا وصبيانية  . نعتقد ان هذا التشخيص ليس في محله . ان ما ابرزته  القناة القطرية له علاقة مباشرة بها وبصحفييها  وهذا امر طبيبعي باعتبارها منتجة العمل . لكن هذا الاختراق هو جزء من عملية اختراق اكبر واسع قد تكون لقادة وزعماء ووزراء واصحاب قرار وقادة راي  في المنطقة العربية والعالم  وهو ما يساعد بشكل كبير صانع القرار في الامارات على رسم السياسات واتخاذ القرارات بعيون مفتوحة وخطى مدروسة . ونعتقد ان سياسية الاختراق هي لخدمة مشروع اكثر منه لتصفية حسابات وانه جزء من عمل اوسع نطاقا  .

قد يكون ما نشير اليه في مبالغة كما سيقول البعض ، لكننا نرى قدرات وخطوات غاية في الخطورة تمضي بها ابو ظبي ،  ونرى ان دولا كبيرة في المنطقة باتت تتبع الامارات مثل مصر والسعودية والسودان وسيكون هناك اخرين . وان الامارات باتت لاعبا مهما في داخل العديد من الدول . نوافق مقولة ان هذا دور وظيفي ولكنه بلا شك  ليس محدودا  انما دور كبير وغير مسبوق ويسعى لمراكمة مشروع . ولا ننسى ان الامارات هي الدولة العربية والخليجية على وجه التحديد التي تمكنت من انهاء المقاطعة مع سورية واعادة العلاقات دون اعتراض امريكي ، بينما وضعت الادارة الامريكية “فيتو” على باقي الدول الاخرى الراغبة في اصلاح العلاقة مع دمشق .

 بالنسبة لنا سنبقى نقول اسرائيل كيان محتل وغير شرعي في المنطقة  وان التطبيع معه جريمة ضد العروبة والانسانية سنظل نقولها حتى نقابل وجه الله .

 

سيرياهوم نيوز 5 – رأي اليوم 23/12/2020

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الروسفوبيا….سر العداء البريطاني لروسيا…. (الجزء الثالث).

باسل علي الخطيب تساءلنا في الجزء السابق، لماذا عدل هتلر عن غزو بريطانيا، وذهب بقواته لاجتياح الاتحاد السوفييتي الذي لم يكن يشكل أي خطر أو ...