الرئيسية » كتاب وآراء » فلسفة العقوبة والمقاومة

فلسفة العقوبة والمقاومة

د. سليمان الصدّي
في مطلع الخمسينيات قررت الولايات المتحدة الأمريكية التفاوض مع الثوار الفييتنامين، فأرسلت لهم أن يرسلوا وفداً يمثّلهم في باريس؛ للتباحث حول وقف الحرب بعد أن أوغل ثوار فيتنام بالجنود الأمريكان، وفعلاً أرسل الثوار وفداً مكوناً من أربعة ثوار: امرأتين ورجلين … وكانت المخابرات الأمريكية قد جهزت لهذا الوفد إقامة بأرقى فنادق باريس، وجهزت لهم كلّ أسباب الراحة والمتعة وكل ما لذّ وطاب… وحين وصل الوفد الفيتنامي إلى مدينة باريس، ونزل في المطار كانت هناك سيارات تنتظر الوفد لتقلّه إلى مكان إقامته …ولكن الوفد رفض ركوب السيارات، وطلب مغادرة المطار بطريقته، وقال إنه سيحضر الاجتماع في الوقت المحدد.
 استغرب الوفد الأمريكي من ذلك، وسأل رئيس الوفد: وأين ستقيمون؟
 فأجاب: سنقيم عند طالب فييتنامي في أحد ضواحي باريس.
 فتعجب الأمريكي وقال له: قد جهزنا لكم إقامة مريحة في فندق فخم.
 فأجاب الفيتنامي: نحن كنا نقاتلكم ونقيم في الجبال وننام على الصخور ونأكل الحشائش، فلو تغيرت علينا طبيعتنا نخاف أن تتغير معها ضمائرنا، فدعونا وشأننا.
 وفعلا ذهب الوفد وأقام في منزل الطالب الفيتنامي، ليقوم بعدها بمباحثات أدت لجلاء المحتل الأمريكي عن كل فيتنام.
إنّ من يبيع ضميره يبيع وطنه، ويستطيع الإنسان أن يعيش برئة واحدة، وكلية واحدة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بنصف ضمير!
وكم فوجئنا بمن باع ضميره، والتحق بركب عدوّ بلده في هذه الحرب القذرة التي شنت علينا، والتي لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وكم سمعنا أصواتاً لمن هلّلوا للعقوبات الاقتصادية التي طبقت علينا “قانون قيصر” غير مكترثين للشعب الذي عانى ما عاناه في السنوات العشر، إنهم ليسوا بنصف ضمير، بل مجرّدو الضمير، وكم تذكّرني حالهم بقصة تلك المرأة التي سألها ذات يوم برناردشو: -سيدتي هل تقبلين أن تقضي معى ليلة بمليون جنيه استرليني؟
فابتسمت المرأة وقالت: طبعاً بكل سرور، فعاد وسألها:
-هل من الممكن أن نخفض المبلغ إلى عشره جنيهات فقط؟
فغضبت المرأة وصرخت في وجهه قائلة: من تظنّ أني أكون؟
فقال لها بهدوء شديد: سيدتي نحن عرفنا من تكونين، نحن فقط نختلف على الأجر
وكم هم كثر الذين تمثّلهم هذه المرأة، والذين إذا خُفِّض لهم الأجر انتقلوا إلى مكان آخر، وحدّثونا عن الوطن والوطنية.
وتتعدد أسباب العقوبات المفروضة على سورية، منها ما هو معروف وتم الحديث عنه كثيراً، ومنها ما يتعلق بقدرة سورية على أن تكون بلداً مستقلاً اقتصادياً، ومنتجة، وهو ما يراد ضربه من خلال هذه العقوبات.
لقد كانت سورية دولة تسير في طريق الاعتماد على الذات، والإنتاج في مجالات متعددة، وإنتاج صناعات بمواصفات تنافسية، ولا سيما في مدينة حلب.
سورية أصلاً تحت العقوبات والحصار الغربي، لكن قانون قيصر يقوم على معاقبة كل من لا يشترك في حصار سورية، ويعني ذلك أن كل من يحيط بسورية سيعاقب إن تعامل معها من أشقاء أردنيين ولبنانيين وخليجيين بعد أن كانت سورية مصدّراً لهم، وسوقاً لأبنائهم، وقد تدخلت أمريكا، ولعبت دور الشرطي بعد فتح معبر نصيب مع الأردن، وما تجفيف أموال السوريين المودعة في الخارج إلا جزء من هذه الإجراءات.
تحدث قانون قيصر عن عقوبات على روسيا وإيران تحديداً، لكن قرارات مؤتمر بروكسل الأخيرة تحدثت عن ذلك كله واستثنت المساعدات الإنسانية، يضاف إلى ذلك الحملة الإعلامية المرافقة للترويج لقيصر، لا سيما لدى معارضة الخارج، ويعني ذلك خارطة طريق تستهدف شل آليات السوق والبنى التحتية من خلال ارتفاع سعر الصرف، وتوقف القروض، وهو ما يهدد بالسيناريو الأسوأ في الحرب على سورية.
ذلك كله بهدف الإطباق على أنفاس السياسة السورية أملاً بتحويل السوريين إلى الارتباط بإرادة الغرب، والتحكم بالحالة السياسية، وهنا يبرز رفض وزارة الخارجية السورية قرارات بروكسل مع أنها تحدثت عن أكثر من سبعة مليارات يورو للمساعدات بأشكال متنوعة.
عقوبات قيصر أوسع من مجرد عقوبات، وللأسف ثمة من باع ضميره وهلّل لها، وثمة من باع نفسه وباع وطنه وهو يدّعي الشرف والوطنية، إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقد تحالف حرب مضادة تتضمن توصيفاً للأمور كما هي من قبل محور المقاومة، وإقلاعاً عن الخوف لأن الضخ الإعلامي المعارض يفوق بأذاه النفسي أية أذية متوقعة، فيجب تأسيس فرق عمل من نخب اقتصادية مشهود لها تقدم حلولاً من كافة إمكانات المحور من بيروت ودمشق إلى موسكو وشنغهاي، وهذا الأمر كفيل بكسر الحصار، وبنمذجة الاقتصاد وتقديمه بنوع من التكامل غير المرتهن للغرب، فيكون لدينا قوة إنتاج ذاتية، تتيح استغلال الفرص للإنتاج الزراعي والصناعي أمام تحديات كورونا الحالية.
ويجب أن ننطلق إلى مرحلة الاستزراع، لا تشجيع الزراعة فقط، فيتيح هذا الأمر لشركات مقرّبة من المقاومة للاستثمار عندنا بالتشارك مع القطاعين العام والخاص، فيكون لدينا ما يكفي ويفيض.
ويجب إعداد خطة للخروج من سطوة الدولار في تعاملات آليات السوق بإيجاد آليات تبادل سلعي يلغي هذا الارتباط الذي أتعب المواطنين، ويعدّ فتح المعابر: معبر البوكمال ومعبر التنف الحلقة الأهم في شريان المقاومة ومحورها وفي حال حصوله سيقلب كل المعادلات، ويوجِد خطّ تبادل من بيروت إلى طهران عن طريق قوافل محمية.
وثمة نقطة مهمة جداً، وهي الانتباه لخطر الحرب الإعلامية النفسية التي تشنها قنوات الإعلام المعادي والتي تؤثر في نفوسنا، فقسم كبير من الحرب إعلاميّ ونفسيّ، وكم تذكِّرني قوة الجانب النفسي في الإعلام بقصة قبيلة من الهنود الحمر كانت تحتفل بزعيمها الجديد، فسئل الزعيم: هل سيكون الشتاء القادم بارداً أم معتدلاً، ولكي يثبت الزعيم الجديد رصانة توقعاته على الرغم من جهله بتوقعات الطقس أجاب بحذر: نعم سيكون بارداً ابدؤوا بجمع الحطب للتدفئة.
بعد فترة وجيزة أراد الزعيم التيقن من صحة توقعاته فتواصل مع خبير بالأحوال الجوية، وسأله: هل سيكون الشتاء القادم بارداً، أجابه الخبير نعم سيكون بارداً جداً، فجمع الزعيم رجال عشيرته وقال: الشتاء سيكون أكثر من بارد، اجمعوا كل ما تصل إليه أيديكم من حطب…!
بعد فترة أراد التأكد من أن التوقعات لم تتغير، فعاود الاتصال بخبير الأحوال الجوية ليطرح عليه السؤال نفسه، فأجابه سيكون مرعباً من برودته ولم تعرف البلاد في تاريخها أبرد من الشتاء القادم، فسأله الزعيم كيف تعرف ذلك؟ أجاب: لأن الهنود الحمر يجمعون الحطب بجنون منذ أكثر من شهر!
(سيرياهوم نيوز12-7-2020)
x

‎قد يُعجبك أيضاً

المازوت الإيراني: انتصار جديد للمقاومة وللعلاقات المميّزة مع سورية

} حسن حردان شكل حدث دخول قافلة صهاريج المازوت إلى البقاع اللبناني عبر الأراضي السورية، والذي استورده حزب الله المقاوم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شكل ...