الرئيسية » ثقافة وفن » فيلم «أفكّر في إنهاء الأمور» يحكي طبيعة الوجود بطريقة مرحة تشارلي كوفمان يتلاعب بنا… ويراهن على الخيال!

فيلم «أفكّر في إنهاء الأمور» يحكي طبيعة الوجود بطريقة مرحة تشارلي كوفمان يتلاعب بنا… ويراهن على الخيال!

لا شكّ في أن اللغة التي نستخدمها تنظّم طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم. هذا يعني أن الأفعال التي نستخدمها، والكلمات التي ننطقها لوصف مشاعرنا، والتعامل مع الوقت وأسماء الأشياء كلها تشكّلنا كأشخاص. مع بداية فيلم المخرج الأميركي تشارلي كوفمان الجديد «أفكّر في إنهاء الأمور»، نسمع عبارة تتردّد أكثر من مرة، وهي أيضاً عنوان الفيلم. «أفكّر في إنهاء الأمور» تعني حرفياً «أفكّر في إنهاء هذا الأمر بالتحديد». يحثّنا هذا العنوان على التفكير في الأداء الزمني ومنطق السرد. أحداث الفيلم تدور في وقت زمني مستمر، حيث يندمج الماضي والحاضر والمستقبل. «إنهاء الأمور» هنا يعني أموراً كثيرة ربما حدثت، تحدث الآن أو ستحدث لاحقاً. هذه الفكرة لا تكفي بالتأكيد لوصف الأفكار الكامنة وراء الفيلم وهيكله الحقيقي وتحويل «الوجود» إلى «كائن»، إلى «شخصية» تلعب دوراً مهماً في الفيلم، وتطويع الوقت لمصلحتها، وإدخال مفاهيم الواقع والهوية فيها. لذلك، فالقصة في الفيلم تحدث في جميع الأوقات مرةً واحدة، أو بعبارة أخرى داخل رأس شخص واحد.قصة الفيلم بسيطة، وتلخيصها سهل. امرأة شابة (جيسي باكلي) ربما تُدعى لوسي، أو لويز، أو إيمي، ربما هي كاتبة أو رسّامة أو مدرّسة فيزياء الكمّ، في طريقها مع حبيبها جيك (جيسي بليمنز) لزيارة والديه والتعرف إليهما، على الرغم من شكوكها وتفكيرها في إنهاء العلاقة. بعد رحلة طويلة نسبياً؛ يصلان إلى منزل والديه. وفي طريق العودة، يمران بمدرسة جيك السابقة. هذا السرد الكلاسيكي للقصة لا يظهر بالطبع في الفيلم، لأن كوفمان يهدف دائماً خلال السرد إلى خلق تجربة مشاهدة غير عادية، يكون التفسير الوحيد فيها هو للمشاهد، لا للشيء الملموس أو الواضح على الشاشة. لذلك، لا يحاول كوفمان إخفاء استعاراته أو رمزياته أو إشاراته. بمجرد أن نتوقف عن التفكير أو فهم سبب تغير لون سترة المرأة الشابة أو لماذا الأم والأب (توني كوليت وديفيد ثيوليس) يكونان مرحين حيناً، وعجوزين مريضين أحياناً أخرى، يتوقف الفيلم عن إعطائنا هذا الشعور الكبير بالارتباك. طوال الفيلم، يعطينا المخرج «أدلة» بصرية عن حالة الشخصيات العاطفية. مثلاً، يحكي جيك مرات عدة عن الحلّ الذي اجترحه للقيادة أثناء تساقط الثلج: «لديّ سلاسل»، لكننا بالتكرار نفهم ما هي السلاسل الذي يقصدها. لهذا السبب وغيره، تتطور أدوات لغة الفيلم: نسبة العرض إلى الطول (Aspect Ratios) التي تتغير، القطع الحاد للمشاهد غير الدقيق، الكاميرا التي تتحرك بشكل تعسفي تقريباً (مدير التصوير هو البولندي لوكاش زال، مدير تصوير أفلام مثل «إيدا» و«حرب باردة» للمخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي)… كلها أدوات وعناصر استعملها كوفمان لإنشاء هذا العالم الغريب، ناهيك بأن الشخصيات تم تصويرها بطريقة تجعلها تغيّر أدوارها بسهولة. مثلاً، الشابة ليست فقط هذه الفتاة التي تريد إنهاء الأمور، بل تتحول إلى ناقدة فنية وسينمائية. وربما يتحوّل الوالدان أيضاً إلى عرض كرتوني للمستقبل المحتمل الذي ينتظر الشابين.
في سلسلة الأحاديث الطويلة التي تجري بين الفتاة وصديقها في السيارة، في طريق الذهاب والإياب؛ تتم مناقشة بعض المشكلات التي ظهرت في الفيلم. إحداها على وجه الخصوص تتعلق بفكرة الألوان، والنقاش أنه لا يوجد ألوان في الكون بل في دماغنا فقط. وقبل ذلك بقليل، يقول جيك: «إننا لا نتحرك عبر الزمن، فالوقت يمر من خلالنا». إنها تلميحات صغيرة إلى أن الفيلم ينفصل أكثر فأكثر عمّا نفهم على أنه الواقع. يستمر كوفمان في كونه صانع أفلام، يستكشف طبيعة الوجود بطريقة مرحة لكن جدية، ويستحيل شيئاً فشيئاً أكثر عمقاً وقتامةً وأقل مرحاً. يهيمن الطابع المؤلم على القصص، كما الارتباك اللفظي الذي تعانيه الشخصيات، وخاصة عندما يبدأ الوقت التقليدي بالاندماج في كل ما حدث ويحدث وسوف يحدث. وهذا الشيء يكشف طبيعة ما نراه، وأن العالم الذي يبدو أنه موجود في الخارج هو غير العالم الذي نخلقه في الداخل من خلال أفكارنا، التي قد تكون الشيء الحقيقي الوحيد في الحياة كلها، وهي التي تعطي الكيان لما نسميه الواقع، وخاصة في منزل العائلة، الذي يبدو كنوع من المنازل المسكونة الشبيهة ببيوت أفلام ديفيد لينش، حيث تمتزج الغرابة بالرعب والخرافة والطرافة البسيطة.
المحادثات في السيارة ذات خاصية محددة. محادثات بين شخصين مثقفين، ذكيين وقادرين على الاستشهاد بالمؤلفين والمخرجين والرسامين، ومشاركة الأفكار الوجودية مثل «اخترع البشر الأمل كي يتمكنوا من التعامل مع يقين الموت». نقاشات طويلة عن السينما والأدب والفلسفة، عن ديفيد فوستر والاس وانتحاره، عن أوسكار وايلد وآنا كافان، عن جون كازافيتيس وأفلامه، وخصوصاً فيلم «امرأة تحت التأثير» (1974) والممثلة جينا رولاند واقتباس طويل عن نقد الفيلم الذي كتبته الناقدة السينمائية بولين كايل وقتها… عن غي ديبور وويليام ووردزوورث. ولا يمكن أن ننسى المحاكاة الساخرة لسينما روبرت زيميكس. يتلاعب كوفمان بنا طوال الوقت، ويضاعف الرهان على الخيال، ويتلاعب بالوقت وبفكرة ما نراه، بالأرقام والموسيقى والرسوم المتحركة والرقص، بالخطاب الأخير المأخوذ حرفياً من خطاب فيلم «عقل جميل» (2001) لرون هاوارد، مسرحيات برودواي الموسيقية، وبالقصة الجانبية لعامل التنظيف في المدرسة التي تمشي توازياً مع القصة الرئيسَة.
كل شيء يقتحم الشاشة بطريقة عشوائية، ليذكرنا بأن هناك أسراراً أكثر عمقاً من تلك التي يمكننا أن نكتشفها. ما قد يبدو في البداية فوضوياً، ينتهي بتراكم غريب لجميع هذه العناصر ليخلق عالماً سوريالياً حيث كل شيء ممكن. كل شيء في الفيلم يحدث ويضيف كل عنصر درجة جديدة من الألم. الثلج اللطيف في البداية يتحول إلى عاصفة ثلجية حقيقية وخطرة. الطريق تصبح متاهة، يريد المرء الهروب منها، ولكنه لا يستطيع. كل شيء في النهاية يبدو كأنه عديم الفائدة كما يصرح جيك. كل شيء يصبح كأننا في داخل عقل وذكريات ونفسية «رجل مسنّ» يتخيل العلاقة التي كانت تربطه بأهله وبامرأة حياته ــــ إن كانت موجودة أصلاً.
على الرغم من أن الفيلم مقتبس من رواية لاين ريد بالعنوان نفسه؛ ولكن كوفمان كتب السيناريو كله، ومنح لنفسه الحرية بتحويل الرواية إلى فيلم يشبهه تماماً. الشخصيات يائسة تريد الهروب، سواء من الفشل أم من الحياة نفسها. يغمرها عدم رضى. يبدو أنها قادرة على إيجاد الراحة فقط في التجريدات المترجمة إلى صور. الفيلم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشاعر. يعتمد على الطريقة التي نقرر بها التعبير عن أي شيء، أو بالطريقة التي نستعيد بها ذكرياتنا. ويعتمد بالدرجة الأولى على حالتنا العاطفية، فلا يوجد شيء موضوعي، كل شيء ملوّن بإدراكنا لما هو أمامنا. الفيلم في النهاية سيتركنا مرهقين ومتأثرين، كما لو أن عدم الاستقرار العاطفي للشخصيات يصيبنا كفيروس. يعشق كوفمان التناقض ويحب الابتعاد عن القواعد السينمائية النموذجية. والنتيجة فيلم ككوميديا تراجيدية عن علاقة تنهار، وحكاية مشوشة وسوريالية مفتوحة على تفسيرات متعددة. الخط التجريبي، والجرأة البصرية والسردية، والنبرة الكئيبة والتساؤل الوجودي للسينما التي لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن تصنيفها… أمور مرهقة ومتعبة في الفيلم.

الخط التجريبي، والجرأة البصرية والسردية، والنبرة الكئيبة والتساؤل الوجودي أمور مرهقة في الفيلم

يغرق كوفمان ويكتب معتمداً على التحليل النفسي لفرويد ولاكان. السلوكية لواتسون وسكينر. ما بعد البنيوية لدريدا وفوكو، والفلاسفة الوجوديين مثل هايدغر وسارتر. عند تحويل السيناريو الخاص به إلى السينما من قبل مخرجين موهوبين مثل سبايك جونز («أن تكون جون مالكوفتش» (1999)، «ادابتيشن» (2002)) وميشال غوندري («إشراقة أبدية للعقل المتنوّر» (2004))، تتحول كتاباته إلى فيلم سردي قوي ومشوش ورشيق وساخر ومسلٍّ للغاية. وعندما يكون هو المخرج لما يكتبه («Synecdoche, New York «(2008)، «نوماليزا» (2015)) تتخذ كتاباته مساراً مظلماً وثقيلاً معقّداً وأكثر مسرحية وجرأةً وتجريبية وأقلّ تقبلاً من الجمهور. كوفمان يتمتع بقدرة خاصة على إظهار مدى معرفته ومقدار ما يقرأه، من دون أن يشعرنا بأنه مغرور. يتم توجيه الكثير من الانتقادات إلى مخرجين آخرين يبدو أنهم يصنعون الأفلام أو يكتبون الحوارات لإظهار مدى ثقافتهم. ولكن مع كوفمان، بطريقة ما، ولسبب ما، تبدو هذه الثقافة الأدبية والفنية الوفيرة طبيعية ذات مغزى، لأنه لا يحشو الفيلم بهذه المراجع فقط من أجل زيادة الكلام، بل لأن ما يحدث وما يقال هو ذخيرة للكلام المحكي، إلى درجة أنه يعتقد أن استخدام مراجعة بولين كايل كحجة ليس عقبة كبيرة أمام جزء كبير من الجمهور لفهم النص. وهي بالتأكيد ليست كذلك.
الفيلم لغز ضخم. يقفز من مشهد إلى آخر بحثاً عن أدلة. إنه انعكاس طويل للاختلاف بين ما يحدث وما يمكن أن يحدث والصراع المستمر بين الاثنين. إنها رحلة برية طويلة يقطعها عشاء عائلي مخجل وزيارة إلى مدرسة قديمة. يستحيل رحلةً إلى الذاكرة وحتى إلى أبعاد موازية بمعنى ميتافيزيقي أكثر من المعنى المادي البحت. إنه فيلم حب. كره وجلد الذات. إنه الحنين إلى الماضي والذكريات لكائن هش في طريقه إلى الانهيار. إنه أيضاً، بشكل أكثر واقعية، فيلم عن كيف يمكن لثقافة البوب والترفيه والإعلانات بجميع أشكالها أن تشكل ليس فقط إدراكنا للواقع، ولكن أيضاً قبل أي شيء ذكرياتنا وخيالاتنا. إنها قصة صبي مهووس بالمعرفة، مع الاحتفاظ بأكبر قدر من المعلومات ليكوّن له دائماً إطاراً مرجعياً، حجر رشيد لتفسير العالم.
في روعته، يقول الفصل الثالث من الفيلم كل ما يريد الشريط أن يقوله تقريباً. ويجعل الفصلين الأولين كأنهما وسيلة كوفمان لتصفية حلقه قبل أن يصرخ. الفيلم قابل للقراءة كيفما نشعر ونرى. ليس هناك شيء واضح ولا شيء مسلم به، وكل القراءات صحيحة. كوفمان لا يهمه التفسير، يهمه فقط طريقة التوصيل «أترك الناس لتجاربهم، لذلك ليس لديّ توقعات حول ما سيفكرون فيه. أنا حقاً أؤيد تفسير أي شخص». مرهق نعم بطبيعة الحال كجميع أفلام كوفمان. ولكن ألغاز الفيلم كلها تخدمه. في النهاية، لا يخفي «أفكّر في إنهاء الأمور» الكثير عن الجمهور. ببساطة إنها الطريقة التي يقدم بها كوفمان الأشياء، ربما نكتشفها، وربما لا. هذا ما تمر به الشخصيات، ربما نفهمها وربما لا.

سيرياهوم نيوز- الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شارك بأعمال لفيروز وصباح ووديع الصافي وتحوّل إلى الدراما التلفزيونية … وكيل : لا توجد عندنا صناعة نجم والحصار أثر على الدراما السورية

جورج شويط الفنان فؤاد وكيل (أبو عُقبة)، بداياته تعود للستينيات من القرن الماضي، من خلال فرقة التلفزيون السوري للفنون الشعبية، بعدها عمل مع الفرقة الشعبية ...