إيمان زرزور
تصاعد في الأشهر الأخيرة تشكّل ظاهرة التنين البحري في المناطق الساحلية السورية لتتحوّل إلى أحد المخاطر البيئية والمناخية التي تترك آثاراً سلبية متزايدة على القطاعات الزراعية والاقتصادية، خصوصاً المزارعين في المناطق الساحلية الذين يشكّلون إحدى الركائز الأساسية في الإنتاج الزراعي للبلاد.
و”التنين البحري” ظاهرة مناخية معقّدة تنشأ عند التقاء كتل هوائية مختلفة الحرارة والرطوبة فوق سطح المياه، فتتكوّن دوّامات هوائية شبيهة بالإعصار لكنها أصغر في الحجم وأقل قوة، إلا أنها في كثير من الأحيان تكون خطيرة لما تحمله من رياح شديدة وسحب محمولة على ارتفاعات مختلفة.
يتشكّل التنين البحري في المناطق الساحلية السورية عادةً نتيجة عدة عوامل بيئية ومناخية متراكمة، أهمها تباين درجات الحرارة بين البحر واليابسة، إذ تسخّن الشمس سطح الأرض والمياه بشكل غير متساوٍ، ما يؤدي إلى اختلاف في درجات الحرارة بين مياه البحر الدافئة وهواء اليابسة، ويتسبب هذا التباين في نشوء دوّامات هوائية قوية فوق سطح المياه.
ويساهم ارتفاع درجات الرطوبة والهواء الدافئ في تشكّله أيضاً، إذ تحتوي مناطق الساحل على مستويات عالية من الرطوبة، خصوصاً خلال فصلي الربيع والصيف، ما يعزّز تطور تلك الدوامات وتحولها إلى شكل أقوى وأكثر تأثيراً في الطبقات الجوية السفلية.
وفي هذا الشأن، أوضح الراصد الجوي أحمد اليوسف أن ما يُعرف شعبياً باسم “التنين البحري” هو توصيف متداول بين الناس لشكل الدوامة الهوائية التي تتشكل فوق سطح البحر وتتجه أحياناً نحو اليابسة، في حين أن المصطلح العلمي الدقيق لهذه الظاهرة هو “الشاهقة المائية” أو الإعصار القمعي الصغير.
وبيّن لـ”الثورة السورية” أن الشاهقة المائية تتشكل فوق مياه البحر على هيئة إعصار قمعي مصغّر، ناتج عن فروقات كبيرة في درجات الحرارة بين سطح مياه البحر الدافئة والهواء الأبرد في الطبقات الجوية المنخفضة، وتزداد احتمالية تشكّل هذه الظاهرة في أجواء عدم الاستقرار الجوي، ولا سيما عند وجود عواصف رعدية قوية.
وأشار إلى أن الآلية الأساسية لتشكّل التنين البحري تبدأ مع تصاعد الهواء الرطب والدافئ بسرعة من سطح البحر إلى الأعلى بشكل عمودي باتجاه الغيوم الركامية المنخفضة، ومع غياب هذا الصعود القوي للهواء الرطب لا تتوافر الظروف المناسبة لتشكّل الشاهقة المائية، وتُعد مياه البحر الدافئة، التي تتراوح حرارتها غالباً بين 25 و27 درجة مئوية، بمثابة الوقود الأساسي الذي يمنح هذه الظاهرة طاقتها وقوتها.
من جهته، أوضح المهندس أنس الرحمون، مدير التغيرات المناخية والتوعية البيئية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، أن ما يُعرف بظاهرة “التنين البحري” يُعرف علمياً باسم “الشاهق المائي”، وهو عبارة عن عمود من الرذاذ والهواء الملتف بسرعات عالية يصل بين قاعدة سحابية وسطح البحر، ويتشكل في حالات عدم الاستقرار الجوي، خاصة أثناء تأثير منخفضات جوية عميقة وشديدة.
وعن العلاقة بين الظاهرة والتغيرات المناخية، أشار الرحمون في حديثه لـ”الثورة السورية” إلى أن تكرار حدوث هذه الظاهرة في سواحل طرطوس واللاذقية في الأعوام الأخيرة قد يكون ناتجاً عن احترار مياه البحر الأبيض المتوسط، وهو أحد المؤشرات المباشرة على التغيرات المناخية الإقليمية والعالمية.
وأضاف الرحمون أن مياه البحر الأبيض المتوسط سجلت، خلال عامي 2024 و2025، درجات حرارة أعلى من معدلاتها، ما يعني أن حرارة سطح الماء أصبحت تشكّل “وقوداً” إضافياً لهذه الظواهر الجوية، كما تسهم في تغذية المنخفضات الجوية عند عبور كتل هوائية باردة، وبالتالي فإن ظاهرة الشاهق المائي تُعد من آثار التغير المناخي التي يجب التعامل معها بجدية.
وتمتد آثار الظاهرة إلى مستوى واسع من الجوانب الزراعية والاقتصادية، ولعل أهم تأثيراتها تكون على المزارعين من خلال تدمير المحاصيل الزراعية، إذ لا تقتصر أضرار التنين البحري على السواحل وحدها، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية القريبة من الشاطئ، وتسبب الرياح العنيفة انكسار السيقان واقتلاع الأشجار المثمرة وتحطيم المحاصيل الزراعية في مراحل النمو المختلفة، ما يؤدي إلى خسائر فادحة في الإنتاج الزراعي.
كما تؤدي الرياح الشديدة في التنين البحري إلى أضرار واسعة في البنى التحتية الزراعية، مثل الأعمدة الكهربائية والشبكات المائية والبيوت البلاستيكية والمخابئ الزراعية، مما يتطلب تكلفة إصلاح مرتفعة لا تتناسب في كثير من الأحيان مع مقدرة المزارعين المالية.
وينقل التنين البحري كمية كبيرة من الرذاذ الملحي البحري والأتربة إلى الأراضي الداخلية، ما يؤدي إلى تملّح التربة وتدهور خصوبتها بمرور الزمن، وهي مشكلة تتفاقم في غياب برامج مكافحتها واستصلاح الأراضي، وتكمن الخسائر الاقتصادية في الأضرار الفورية للمحاصيل والممتلكات الزراعية، لكن الآثار تمتد أيضاً إلى انخفاض الدخل الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض قدرة المزارعين على الاستثمار في الموسم التالي.
هل يمكن التنبؤ بالتنين البحري؟
وفيما يتعلق بإمكانية التنبؤ بهذه الظاهرة، أوضح الرحمون أن المسألة تنقسم إلى شقين: فمن جهة يمكن التنبؤ بالحالة الجوية العامة المواتية لظهورها، كما هو الحال عند توقع أجواء غير مستقرة في أيام معينة مثل الثلاثاء أو الأربعاء، حيث يمكن القول إن الظروف الجوية ستكون محفزة لتشكّل التنين البحري، ويُنصح حينها باتخاذ الاحتياطات اللازمة.
أما من جهة أخرى فإنه لا يمكن ـ لا في سوريا ولا حتى في مراكز الرصد العالمية ـ تحديد الموعد الدقيق لتشكّل التنين البحري أو الموقع الجغرافي الذي سيظهر فيه، نظراً لطبيعته المفاجئة ونطاقه الضيق جداً، إذ لا يتعدى قطره في كثير من الأحيان أمتاراً قليلة، كذلك فإن ظهوره لا يستمر سوى دقائق معدودة، وقد يتسبب في تدمير ما يصادفه على مسار حركته، وهو أمر لا يمكن التنبؤ به بدقة لأن تشكّله يعتمد على تقاطع معقد لعوامل جوية متعددة يصعب رصدها في الوقت والمكان المناسبين.
بدوره أوضح اليوسف أن وجود تيارات هوائية مختلفة السرعات والاتجاهات بين سطح البحر والطبقات الجوية المنخفضة والمتوسطة، إلى جانب الرطوبة العالية والعواصف الرعدية، يخلق بيئة مثالية لتشكّل القمع الهوائي الذي يُعد نواة التنين البحري، وقد يصل ارتفاع هذه الدوامات عادة إلى ما بين 150 و500 متر، وفي بعض الحالات النادرة قد يتجاوز كيلومتراً واحداً، مع تسجيل حالات استثنائية بلغت ارتفاعات أكبر.
ولفت إلى أن تسمية “التنين البحري” جاءت من الشكل القمعي المتحرك الذي يشبه في مخيلة الناس صورة التنين الأسطوري، مؤكداً أن خطورة هذه الظاهرة تكمن عندما تتحرك من البحر باتجاه اليابسة، حيث تبدأ بإحداث أضرار كبيرة في المناطق التي تمر بها.
وبيّن أن أبرز الأضرار تتركز على البيوت البلاستيكية والمحاصيل الزراعية، ولا سيما الحمضيات، إضافة إلى إلحاق أضرار بالمنازل وأسقف المباني وألواح الطاقة الشمسية والبنية التحتية الزراعية، وتُسجَّل هذه الظاهرة بشكل متكرر على امتداد الساحل السوري، ولا سيما في المناطق الممتدة من بانياس وطرطوس وصولاً إلى سهل عكار وشمال لبنان، إضافة إلى مناطق من ريف اللاذقية.
وأشار اليوسف إلى أن محافظة طرطوس تُعد من أكثر المناطق عرضة لتشكّل التنين البحري، نظراً لطبيعة ساحلها وسهوله، حيث تكون مياه البحر أقل عمقاً وأكثر دفئاً مقارنة بمناطق مثل رأس البسيط شمالاً، ما يهيئ الظروف الملائمة لتكرار الظاهرة.
وعن سبل التخفيف من الأضرار شدد اليوسف على أهمية مصدّات الرياح الطبيعية، موضحاً أن المزارعين في السابق كانوا يعتمدون على زراعة أشجار السرو والسنديان حول أراضيهم، والتي كانت تلعب دوراً كبيراً في كسر سرعة الرياح والتقليل من تأثير الأعاصير القمعية، إلا أن تراجع هذه الممارسات في السنوات الأخيرة أسهم في زيادة حجم الأضرار.
وختم بالقول إن التنين البحري يفقد جزءاً كبيراً من قوته عند دخوله اليابسة بسبب انخفاض مصادر الطاقة، إلا أن الأضرار التي يُخلّفها في المدى القريب قد تكون كبيرة، خاصة في ظل تكرار المنخفضات الجوية وارتفاع الرطوبة، ما يستدعي تعزيز إجراءات الوقاية وإعادة إحياء مصدّات الرياح ورفع جاهزية المزارعين للتعامل مع هذه الظواهر الجوية المتطرفة.
شدة الظاهرة وآثارها
وبشأن شدة التنين البحري، أشار الرحمون إلى أنه عند وجود منخفضات جوية شديدة وعميقة، تكون فيها عين المنخفض ذات ضغط جوي منخفض جداً، إضافة إلى حالات عدم الاستقرار في فصل الربيع وارتفاع حرارة سطح البحر، يمكن توقع تشكّل ظواهر شاهقة مائية شديدة التأثير، مع ذلك، فإن تحديد التوقيت والمكان بدقة يبقى غير ممكن، ولا يمكن على الإطلاق إصدار إنذار دقيق لمزارعين في منطقة معينة بالاستعداد لتنين بحري في ساعة محددة، لأن هذه الظواهر لا تخضع لقواعد ثابتة، وتبقى مفاجئة في سلوكها ومسارها.
وفيما يخص إمكانية الوقاية أو التخفيف من الأضرار، أوضح الرحمون أن المناطق الساحلية السورية تعتمد بشكل واسع على الزراعة ضمن البيوت البلاستيكية، وهذه البيوت ـ بطبيعة بنيتها ـ ضعيفة أمام الرياح القوية، حيث تتكون من هياكل معدنية خفيفة مغطاة بأغشية بلاستيكية لا تتحمل شدة الرياح المرتبطة بالتنين البحري.
وأكد أنه لا يمكن عملياً منع الأضرار الناتجة عن هذه الظاهرة، لكن يمكن اتخاذ بعض التدابير الوقائية البسيطة مثل تثبيت البيوت البلاستيكية بشكل جيد واستخدام أغطية بلاستيكية عالية الجودة تتحمل شدة الرياح، إلا أن هذه الإجراءات ـ رغم أهميتها ـ تبقى محدودة التأثير في وجه الظاهرة، التي تسببت، ولا تزال، بأضرار واسعة في مناطق متعددة حول العالم، وليس فقط في سوريا.
واختتم الرحمون حديثه بالتأكيد على أن ظاهرة التنين البحري تُعد من الظواهر المرتبطة مباشرة بالتغير المناخي وارتفاع حرارة سطح البحر، وأن مواجهتها تتطلب تعزيز الوعي المجتمعي وتحسين آليات الرصد الجوي وتوفير بدائل زراعية أكثر أماناً، مع ضرورة إدراج هذه الظواهر ضمن خطط إدارة المخاطر المناخية والبيئية في المناطق الساحلية السورية.
وتمثل ظاهرة التنين البحري في الساحل السوري تحدياً مناخياً متجدداً يتطلب تفهماً علمياً وتخطيطاً بيئياً زراعياً استراتيجياً، فتأثيرها على المزارعين لا يقتصر على الخسائر المباشرة للمحاصيل أو الممتلكات، بل يمتد ليطال استدامة الزراعة والقدرة الإنتاجية وتوازن البيئة الزراعية في مناطق حيوية، وتبقى مواجهة هذه الظاهرة أولوية للجهات الزراعية والبيئية والحكومية من خلال التعاون العلمي والتخطيط طويل المدى وتعزيز ثقافة الوقاية لدى المزارعين لحماية مواردهم وتعزيز صمودهم أمام التحديات المناخية المتزايدة.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
