د. سلمان ريا
لم تكن الهوية الوطنية السورية، كما رُوِّج لها طويلًا، نتاج توافق اجتماعي حرّ أو تعبير طبيعي عن الانتماء، بل تشكّلت ضمن نموذج دولة احتكرت تعريف معنى أن تكون «سوريًا». ومع انهيار هذا النموذج، لم تختفِ الهوية فجأة، بل انكشف الفراغ الذي كانت تخفيه.
منذ عام 2011، ومع تراجع قدرة الدولة على الضبط، لم يعد ممكنًا الحديث عن هوية وطنية واحدة تعمل كما كانت. لم يعد الخطاب الرسمي قادرًا على احتكار المعنى، ولا الدولة قادرة على أداء دور الإطار الجامع الوحيد. ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل أزمة أعمق تمس تعريف الانتماء نفسه.
طوال عقود، بُنيت الهوية الوطنية من الأعلى، عبر سردية فرضتها السلطة تقوم على التجانس القسري. كانت الدولة هي التي تعرّف المواطن، وتحدّد موقعه، وتطلب الامتثال أكثر من المشاركة. بدا هذا النموذج مستقرًا، لكنه كان هشًّا في العمق، لأنه لم يُلغِ التعدد في المجتمع، بل أخفاه.
مع تراجع قدرة الدولة، ظهرت هويات محلية وانتماءات جزئية كانت موجودة قبل ذلك من دون إطار سياسي جامع. لم تكن المشكلة في التعدد، بل في غياب مجتمع قادر على تنظيم اختلافه حين غابت الدولة.
في هذا الفراغ، بدأت جماعات كثيرة تبحث عن وسائل حماية ذاتية. لا بدافع الانفصال، بل لأن الدولة فشلت في حماية الناس بشكل متساوٍ. هنا، لا تتحول الجماعات إلى السياسة بدافع الطموح، بل بدافع الخوف، ولا تصبح الهوية مشروعًا، بل درعًا مؤقتًا.
كثير من أشكال التمثيل الأهلي أو المحلي أو الديني اليوم ليست «عودة للطائفية» بالمعنى المباشر، بل نتيجة لانهيار دولة كانت تُسكت هذه الأسئلة بدل أن تجيب عنها. الدولة دمجت الناس داخل مؤسساتها من دون الاعتراف بتعددهم، ثم تركتهم بلا ضمانات.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر. فالتمثيل الناتج عن الخوف قد يتحول إلى اصطفاف دائم، والهويات التي تُستدعى للحماية قد تصبح سجونًا سياسية. كما أن الفراغ يفتح المجال لنخب غير منتخبة تتحدث باسم جماعات واسعة، ما يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات.
السؤال اليوم ليس كيف نعيد فرض هوية وطنية بالقوة، ولا كيف نترك المجتمع يتشظى، بل كيف ننتقل إلى هوية وطنية مختلفة في طبيعتها: هوية تعاقدية لا قسرية، تنشأ من علاقة واضحة بين الدولة والمواطنين.
الهوية التعاقدية لا تعني محو الخصوصيات، بل تنظيمها ضمن إطار وطني قائم على القانون والمواطنة المتساوية. تعني أن يشعر الفرد بأن الدولة تحميه بوصفه مواطنًا، لا تابعًا أو ممثلًا عن جماعة. وهي لا تُبنى بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة نفسها: مؤسسات، قانون، وفضاء عام يسمح بالاختلاف والتفاوض السلمي.
أزمة الهوية في سوريا ليست أزمة مجتمع متعدّد، بل أزمة دولة لم تعرف كيف تدير هذا التعدد. فالهويات لا تصبح مشكلة إلا حين تفشل الدولة في أن تكون إطارًا عادلًا وجامعًا. وما لم يُطرح سؤال الهوية بوصفه سؤال دولة وعقد اجتماعي، لا صراع انتماءات، فإن خطر التشظي سيبقى قائمًا.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: أيّ هوية نريد؟
بل: أيّ دولة نحتاج، لكي يشعر السوريون بأن هذه الهوية لهم، لا مفروضة عليهم؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي للخروج من المأزق الذي علّق سوريا طويلًا بين القسر والانقسام. وحده الانتقال من دولة تفرض الهوية إلى دولة تضمن شروط تشكّلها يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا للمستقبل.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
