د. سلمان ريا
التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد حدثًا عسكريًا معزولًا يمكن قراءته في إطار ردّ تكتيكي محدود. ما يجري يمثل تحوّلًا بنيويًا في معادلات الردع الإقليمي، مع اتساع نطاق الضربات ليشمل قواعد ومنشآت في البحرين والكويت وقطر والإمارات والأردن وكردستان العراق. هذا الاتساع الجغرافي لا يعبّر فقط عن تصاعد عسكري، بل عن انتقال الصراع من مستوى “المواجهة الثنائية” إلى فضاء إقليمي متعدد الأطراف.
من منظور استراتيجي، لا يُقاس ميزان القوة هنا بعدد الطائرات أو حجم الترسانة فحسب، بل بطبيعة العقيدة القتالية لكل طرف. إيران لا تعتمد على نموذج الحرب الكلاسيكية، بل على مزيج من الردع الصاروخي، والقدرات غير المتكافئة، والانتشار الشبكي عبر ساحات متعددة. في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بتفوق نوعي في السيطرة الجوية والاستخبارات الدقيقة والقدرة على توجيه ضربات عالية الكثافة. غير أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على حسم سياسي سريع، خصوصًا إذا دخل الصراع في مرحلة الاستنزاف متعدد الجبهات.
التحول الأخطر يكمن في اقتراب الصراع من الممرات البحرية الحيوية. أي تهديد جدي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، سيحوّل المواجهة من نزاع إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية. شهر واحد من التعطيل الجزئي كفيل بإحداث صدمة سعرية حادة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة إشعال موجات التضخم في الاقتصادات الصناعية. وإذا تزامن ذلك مع اضطراب في باب المندب، فإن خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا ستتعرض لاختناق مزدوج، ما يضاعف احتمالات الركود العالمي.
اتساع دائرة الاستهداف إلى دول الخليج والأردن يعني عمليًا أن هذه الدول، حتى وإن لم تكن صاحبة قرار في بدء الحرب، أصبحت جزءًا من مسرحها العملياتي. وهذا يرفع منسوب المخاطرة السياسية والاقتصادية لديها، ويفتح الباب أمام تعقيد أي مسار تفاوضي محتمل، لأن تعدد الأطراف المتضررة يعني تضاربًا في الحسابات والأولويات.
أما القوى الكبرى غير المنخرطة مباشرة، فستجد نفسها أمام معادلة دقيقة. الصين، باعتبارها أحد أكبر المستوردين للطاقة من المنطقة، ليست معنية بانهيار الاستقرار أو تعطّل الإمدادات، لكنها في الوقت ذاته لن تدخل مواجهة عسكرية مفتوحة دفاعًا عن طهران. دورها المرجح سيكون دبلوماسيًا واقتصاديًا، مع سعي لاحتواء التصعيد دون الاصطفاف العسكري المباشر. روسيا قد ترى في ارتفاع أسعار الطاقة مكسبًا ظرفيًا، لكنها أيضًا لن تخاطر بصدام مباشر مع واشنطن، بل قد تكتفي بدعم تقني أو سياسي يوازن دون أن يورّطها في مواجهة شاملة.
التحدي الحقيقي في هذا المشهد هو ديناميكية “الانزلاق”. فكل طرف قد يسعى إلى رد محسوب، لكن كثافة الضربات وتعدد الساحات يزيدان احتمال الخطأ في الحساب أو إصابة هدف يؤدي إلى خسائر كبيرة، ما يفرض تصعيدًا جديدًا يتجاوز النيات الأولية. في هذه المرحلة، يصبح التحكم السياسي في مسار الحرب أكثر صعوبة، ويتحوّل الصراع إلى سلسلة تفاعلات متسارعة لا يمكن ضبطها بسهولة.
ومع ذلك، فإن منطق القوة لا يعمل في فراغ. كل الأطراف تدرك أن الانتقال إلى مواجهة شاملة يعني كلفة اقتصادية واستراتيجية قد تتجاوز المكاسب العسكرية. لذلك، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار التصعيد ضمن سقف “الحرب المضبوطة” التي تعيد رسم قواعد الردع دون إسقاط أنظمة أو إغلاق طويل الأمد للممرات الحيوية. أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو خروج الصراع عن هذا السقف وتحوله إلى أزمة طاقة عالمية تعيد تشكيل أولويات النظام الدولي.
إن المنطقة تقف اليوم على حافة توازن دقيق بين الردع والانفجار. الحسم لن يتقرر فقط في ساحات القتال، بل في قدرة الأطراف على إدراك حدود القوة، وفي سرعة تحرك القوى الكبرى لاحتواء التداعيات قبل أن تتحول شرارة إقليمية إلى زلزال جيوسياسي واسع.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
