كتبت:نسرين جهاد حسن
شكّل لقائي أنا ومجموعة من النساء السوريات مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته إلى دمشق، فرصة لطرح رؤية سورية تتجاوز مرحلة التعافي من الحرب، وتنظر إلى المستقبل من زاوية مختلفة؛ رؤية تجعل من سوريا شريكاً في صناعة السلام العالمي، لا مجرد دولة تتلقى الدعم لإعادة الإعمار
من دمشق إلى العالم.. رؤية سورية للسلام تقودها النساء
ففي لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، تكتسب كل مبادرة تحمل رؤية للمستقبل أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تعكس طموحات السوريين بعد سنوات الحرب، بل لأنها تسعى إلى إعادة تعريف دور سوريا في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية. ومن هذا المنطلق، شكّل اللقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة، فرصة لعرض رؤية سورية تنطلق من التاريخ والحضارة وتتطلع إلى الإسهام في بناء السلام العالمي.
استهللت مداخلتي بالتعبير عن التقدير لتصريح الأمين العام من قلب دمشق بشأن حق سوريا في استعادة الجولان المحتل، باعتباره موقفاً ينسجم مع مبادئ الشرعية الدولية. كما قدمت له ملفاً حمل عنوان “من مهد الحضارات إلى مستقبل السلام”، وهو رؤية استراتيجية تنطلق من قناعة بأن سوريا لا ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها بلداً يسعى إلى التعافي من آثار الحرب فحسب، بل باعتبارها شريكاً قادراً على الإسهام في صياغة مستقبل أكثر أمناً وسلاماً للمنطقة والعالم.
تقوم هذه الرؤية على ثلاثة مشاريع رئيسية. أولها، إنشاء مركز عالمي لتمكين القيادات النسائية يتبع للأمم المتحدة في دمشق، بما يعيد للمدينة دورها التاريخي كمركز للحضارة والفكر في الشرق، ويمنح المرأة مساحة أكبر للمشاركة في صناعة القرار وبناء السلام. أما المشروع الثاني، فيتمثل في تأسيس شبكة سفيرات السلام العالمية، لتضم نساءً من مختلف الدول ممن يمتلكن خبرات في الوساطة، والعمل الإنساني، وتسوية النزاعات، بما يعزز التعاون الدولي في نشر ثقافة الحوار والسلام. فيما يقترح المشروع الثالث إطلاق “إعلان دمشق للسلام والتضامن الإنساني”، وهو وثيقة تتضمن عشرة مبادئ تؤكد قيم السلام والعدالة والحوار والتضامن الإنساني، وتكرس اسم دمشق رمزاً عالمياً لهذه القيم.
إن هذه المبادرات ليست أفكاراً نظرية، وإنما ثمرة أكثر من عقدين من عملي في مجالات العمل الإنساني، والتعليم، وتمكين المرأة، وحماية الطفل، والحوار، وبناء السلام داخل المجتمعات المتضررة من النزاعات. وخلال هذه السنوات، كان واضحاً أن الحروب لا تُخلّف الدمار المادي فقط، بل تترك آثاراً عميقة في النسيج الاجتماعي، وأن إعادة البناء الحقيقية تبدأ بالإنسان، وبالمؤسسات القادرة على ترسيخ قيم العدالة والتسامح والتعايش.
لقد علمتني التجربة أن السلام لا يتحقق عبر الاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى قيادات مؤهلة، ومؤسسات مستدامة، ورؤية إنسانية تجعل الإنسان محور عملية التعافي والتنمية. ومن هنا، فإن الاستثمار في النساء والشباب والتعليم والحوار ليس خياراً ثانوياً، بل هو أساس أي سلام مستدام.
تمتلك سوريا، بما تحمله من إرث حضاري وثقافي وإنساني، كل المقومات لتستعيد دورها التاريخي كملتقى للحضارات والثقافات والأديان، وأن تكون منصة للحوار والتفاهم بدلاً من أن تبقى عنواناً للصراع. كما تمتلك المرأة السورية، بما أثبتته من صمود وكفاءة خلال سنوات الحرب، القدرة على أن تكون شريكاً أساسياً في جهود الوساطة والدبلوماسية وصناعة السلام، ليس داخل سوريا فحسب، بل على المستوى الدولي أيضاً.
إن هذه الرؤية ليست مشروعاً شخصياً، بل دعوة مفتوحة لأن تكون سوريا جزءاً من مستقبل السلام العالمي، وأن تتحول تجربتها المؤلمة إلى مصدر إلهام لبناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية. وآمل أن تسهم هذه الأفكار في دعم الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وأن تفتح الباب أمام مبادرات تجعل من دمشق، كما كانت عبر التاريخ،مدينة للحضارة والحوار والسلام

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

