آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » الباب يفتح من الداخل

الباب يفتح من الداخل

أسيمة حسن

 

 

في العبارة المنسوبة إلى شمس التبريزي، ثمة معنى يتجاوز الحب بمعناه العاطفي المباشر: أن الحب الحقيقي لا يبدأ من حاجة الإنسان إلى الآخر، بل من امتلائه بمصدر أعمق للحياة والمعنى. فالأبواب التي تُطرَق طلبًا للحب كثيرة، لكن الباب الذي يُفتَح من الداخل هو وحده القادر على أن يجعل الحب فعلًا حرًا، لا محاولة دائمة لسدّ نقص أو ترميم فراغ.

في الواقع السوري الراهن، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحًا من كونها تأملًا صوفيًا. فقد أرهقت سنوات الحرب والانقسام والفقدان معنى العلاقات الإنسانية نفسها. صار كثير من الناس يعيشون تحت ثقل الخوف والقلق والحاجة، وصارت العلاقات، في أحيان كثيرة، محكومة بما خلّفته السنوات الماضية من شكوك وجراح واصطفافات.

في المدن والبلدات السورية، يمكن رؤية ذلك في تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تكشف عمق التحول في النفوس. عائلة فقدت بيتها أو أحد أفرادها، فوجدت نفسها أمام جيران أو أقارب كانوا بالأمس على الضفة الأخرى من الخلاف. رجل عاد إلى بلدته بعد سنوات من الغياب، فوجد أن الوجوه نفسها قد تغيّرت، وأن الذاكرة تحمل من المرارة أكثر مما تحمل من الحنين. وامرأة تحمل وحدها أعباء أسرة كاملة، بينما يتراجع حضور التضامن الاجتماعي تحت ضغط الغلاء والهجرة وضيق الأحوال.

في مثل هذه الظروف، لا يعود الحب مجرد علاقة بين رجل وامرأة، ولا مجرد عاطفة بين الأصدقاء. يصبح اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع كله.

هل يستطيع الإنسان أن يرى في الآخر إنسانًا قبل أن يراه ابن منطقة أو طائفة أو موقف سياسي أو تاريخًا عائليًا؟

هل يمكن أن تعود الرحمة إلى مكان أفسدته سنوات طويلة من الشك والخوف؟

وهل يمكن للقلوب التي اعتادت الدفاع عن نفسها أن تجد مساحة للغفران، دون أن يعني ذلك نسيان الألم؟

هنا تحديدًا تبدو عبارة “الباب يُفتَح من الداخل” شديدة الصلة بالواقع السوري. فالمصالحة، مثل الحب، لا يمكن أن تُفرَض من الخارج. قد تُوقَّع الاتفاقات، وقد تتغير الخطابات السياسية، وقد تُرفَع شعارات الوحدة، لكن الجرح الإنساني يظل مغلقًا ما لم يبدأ شيء ما من الداخل: اعتراف بالألم، وتخلٍّ عن الرغبة في الانتقام، واستعادة تدريجية للثقة.

وحتى في الحياة اليومية، تظهر الحاجة إلى هذا المعنى بوضوح. في طوابير الخبز، وفي المدارس، وفي أماكن العمل، وفي الحارات المكتظة، تبدو البلاد كأنها تختبر قدرتها على استعادة أبسط أشكال الإنسانية. كوب ماء يُقدَّم لعابر، دواء يصل إلى مريض، مساعدة لأسرة فقدت معيلها، صاحب متجر يراعي عجز زبون عن الدفع، أو جار يطرق باب أرملة، لا ليسأل عن مذهبها أو موقفها، بل ليسأل إن كانت تحتاج شيئًا.

هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو أقل شأنًا من الكلام الكبير عن إعادة بناء الوطن، لكنها في الحقيقة تشكّل مادته الأولى. فالأوطان لا تُرمَّم بالإسمنت وحده؛ تُرمَّم أيضًا باستعادة القدرة على التعاطف.

ومن هنا يصبح “الحب الإلهي” في جوهر العبارة ليس هروبًا من الواقع، وإنما عودة إلى أصل أخلاقي يجعل الإنسان أكثر قدرة على احتمال اختلاف الآخرين. حين يصبح الله مصدر المعنى، لا يعود الآخر وسيلة للحصول على الاعتراف والقيمة والأمان. يصبح الحب أقل امتلاكًا وأكثر رحمة، وأقل مطالبة وأكثر عطاءً.

ولعل المجتمع السوري، بعد كل ما مرّ به، يحتاج إلى هذا التحول أكثر من حاجته إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن المحبة بينما تمارس الإقصاء. فليس من الصعب أن تُكتَب كلمة «التسامح»، لكن الصعب أن يجلس شخصان يحمل كل منهما ذاكرة مختلفة للألم، وأن يعترفا بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

ربما يكون المعنى الأعمق لعبارة شمس التبريزي أن الحب الذي ينتظر دائمًا أن يبدأ من الآخرين يظل هشًا. أما الحب الذي يبدأ من الداخل، من علاقة الإنسان بخالقه وبضميره وبإنسانيته، فيملك فرصة لأن يتحول من شعور عابر إلى سلوك.

وفي بلد أنهكته الخصومات والفقد والهجرة والخوف، قد يكون فتح هذا الباب الداخلي واحدًا من أكثر الأفعال تواضعًا، وأكثرها ضرورة.

فحين يُفتَح باب الحب من الداخل، لا تختفي المآسي، ولا تُمحى الذاكرة، ولا تصبح الجراح كأنها لم تكن.

لكن الإنسان يتوقف عن إضافة جرح جديد إلى جرح قديم.

وهذا، في زمن سوري مثقل بالجراح، قد يكون بداية حقيقية للشفاء

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأثر الذي يبقى

كتب: د. علاء علي البرهوم     يقول الله تعالى في محكم تنزيله: “إِنَّا نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ”. بين طيات الغيب وخطوات العمر العابرة، نكتب ...