بقلم المهندس محمود محمد صقر
كان الصباح صافياً، والبيت فوق سطحه يطل على حديقةٍ جميلة، كأن المدينة قررت في ذلك الصباح أن تُرينا وجهاً لا نراه كثيراً.
جاءني فنيٌّ لإصلاح خط الهاتف.
كان اسمه بشار.
وحين عرفتُ اسمه، ابتسمتُ وسألته:
ـ بشار؟
ضحك وقال إن والده سمّاه بهذا الاسم قبل عهد بشار.
قلتُ:
ـ إذن أنت أقدم من بشار!
ضحك، وانحنى فوق السلك.
فكرتُ في المفارقة: رجلٌ اسمه بشار جاء ليصلح خطاً مقطوعاً، في بلدٍ لم يعد العطل فيه في خط واحد.
لقد انقطعت جميع الخطوط.
انقطع الخط بين المواطن والدولة، وبين القانون والعدالة، وبين المسؤول ومسؤوليته.
وانقطع، قبل ذلك كله، الخط الذي يصل السلطة بالناس؛ حتى صار الاستبداد يتكلم من طرفٍ واحد، ولا ينتظر جواباً.
ثم انقطعت خطوطٌ أكثر قسوة:
بيوتٌ غادرها أصحابها، ومدنٌ تفرّق أهلها، وأمهاتٌ ينتظرن أبناءً لا يعودون، وضحايا لم يجدوا من يسمعهم، ومهجّرون حملوا مفاتيح بيوتهم إلى أماكن لا يعرفون إن كانوا سيعودون منها.
وربما كان أقسى ما انقطع هو الخط بين الإنسان ومكانه؛ فلم يعد المهجّر بعيداً عن بيته فقط، بل صار البيت نفسه بعيداً عنه.
عاد بشار إلى سلكه.
قلتُ له شيئاً عن الهاتف، فقادتنا الجملة إلى أخرى، حتى وجدنا أنفسنا نتحدث عن المؤسسات والفساد.
قال:
ـ المشكلة لم تكن دائماً في الموظف الفاسد.
قلتُ:
ـ في ماذا إذن؟
قال:
ـ في الطريقة التي جعلته يعرف أن المؤسسة ستحميه أكثر مما تحمي المواطن.
ثم قال:
ـ عندما تحتاج معاملةٌ إلى يوم، وتصبح بحاجة إلى أسبوع، يبدأ المواطن بالبحث عن شخص يعرفه.
قلتُ:
ـ والواسطة؟
ابتسم:
ـ الواسطة لا تولد من فراغ. نحن صنعنا لها الطريق.
نظرتُ إلى الحديقة.
كان كل شيء جميلاً من بعيد.
قلتُ:
ـ وهل كان الفساد مالاً فقط؟
هز رأسه:
ـ لا. المال كان آخر الحكاية.
ـ وما أولها؟
قال:
ـ عندما يتعلم الإنسان أن حقه لا يكفيه.
توقفتُ عند الجملة.
ربما كان هذا هو الإرث الأخطر: ليس كثرة الأوراق والأختام، ولا حتى الرشوة، بل أن يتعوّد المواطن على أن القانون وحده لا يكفي، وأن تتعوّد المؤسسة على أنه سيبحث دائماً عن بابٍ آخر.
عندها لا يعود الفساد موظفاً يأخذ مالاً.
يصبح طريقةً في التفكير.
ورفعتُ رأسي إلى السماء، ثم إلى السلك بين يدي بشار.
كم سلكاً آخر انقطع في هذه البلاد، ولم نجد له فنيّاً يعرف أين العطل؟
خطر لي أن تغيير المؤسسات لا يكفي.
قد يسقط نظامٌ في يوم، وتتغير اللافتات في يومٍ آخر، وتختفي وجوه؛ لكن العادة التي احتاجت سنوات لتصبح طبيعية لا تسقط بقرار.
إذا بقي المواطن معتقداً أن حقه يحتاج إلى واسطة، وبقي الموظف معتقداً أن موقعه يمنحه سلطةً على صاحب الحق، فإن العطل سيبقى قائماً، حتى لو تغيّرت الأسماء.
أنهى بشار عمله.
قال:
ـ جرّب الآن.
رفعتُ السماعة.
جاء الصوت واضحاً.
ضحكتُ:
ـ عاد الخط.
حمل أدواته وقال:
ـ إذا عرفنا مكان العطل… يعود.
خرج بشار.
وبقيتُ وحدي فوق السطح، أنظر إلى الحديقة.
فكرتُ أن الرجل الذي جاء ليصلح خطاً صغيراً، جعلني أبحث طوال الصباح عن خطٍّ أكبر.
ابتسمتُ.
هذا الرجل جاء ليصلح الهاتف في الوقت الخطأ…
أو لعل الهاتف كان الشيء الوحيد في البلد الذي ما زال يمكن إصلاحه بسلك.
وربما كانت مشكلتنا طوال سنوات أننا كنا نبحث عن العطل في الهاتف، بينما كان العطل في الخط نفسه
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

