آخر الأخبار
الرئيسية » شخصية الأسبوع » فؤاد معنّا.. حين يتعب الجسد ولا يتعب المسرح والفكر

فؤاد معنّا.. حين يتعب الجسد ولا يتعب المسرح والفكر

متابعة واعداد:هيثم يحيى محمد

 

منذ سبعينيات القرن الماضي ارتبط اسم فؤاد معنّا بالمسرح، إلى أن أسس عام 1999 فرقة «طائر الفينيق» المسرحية، التي لم تكن مجرد فرقة تقدم عروضاً، بل مشروعاً استمر سنوات طويلة، وما زال في محاولة جعل المسرح قريباً من الناس، والوصول إليه خارج القاعات التقليدية.

ومن رحم هذا المشروع ولد مهرجان طائر الفينيق المسرحي، الذي جعل من مسرح الهواء الطلق في طرطوس عنواناً له، واستضاف عروضاً ومسرحيين، وفتح أبوابه أمام المواهب الشابة.

كان معنّا مؤمناً بالهواة على نحو خاص. لم يكن يبحث فقط عن ممثلين جاهزين، بل عن موهبة تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها الفرصة. وفي الدورة الحادية عشرة للمهرجان عام 2019، كانت الفرقة لا تزال تقدم الهواة الجدد؛ 13 شاباً وشابة شاركوا في المهرجان، بينهم عشرة اعتلوا الخشبة للمرة الأولى. والمفارقة الجميلة أن العرض الذي قدمته الفرقة آنذاك، وكان من تأليف وإخراج معنّا، حمل اسم «ورشة عمل»، وتناول معاناة شباب يمتلكون موهبة التمثيل ولا يجدون المكان والدعم لتحقيق حلمهم.

وهذه ربما واحدة من أكثر الزوايا إنصافاً لتجربة فؤاد معنّا: أنه لم يكتفِ بصناعة عروضه، بل ساهم في صناعة مسرحيين.

في أرشيف «طائر الفينيق» أسماء كثيرة لممثلين وممثلات بدأوا معه، وبعضهم انتقل لاحقاً إلى الكتابة والإخراج. ومن بينهم إليانا سعد التي دخلت الفرقة في سن مبكرة، ثم انتقلت من التمثيل إلى التأليف والإخراج، كما شارك هاني معنّا وسناء محمود وريتا حمود وآخرون في تجارب متعددة بين التمثيل والكتابة والإخراج.

ولذلك يصعب اختزال الرجل في قائمة أعمال، على كثرتها وتنوعها. فمن «الأميرة لامار» إلى «بانوراما طائر الفينيق» و«بوابة العرب» و«مملكة الأموات»، وصولاً إلى «ورشة رجالية» و«زنى فكري» و«ورشة عمل»، كان معنّا يكتب ويخرج ويشتغل على موضوعات الناس والمجتمع والسياسة، مستخدماً كثيراً الكوميديا والسخرية والصورة الرمزية.

وفي أعماله كان المسرح أقرب إلى نافذة مفتوحة على الواقع. ففي «بانوراما طائر الفينيق» مثلاً، استخدم الكوميديا السياسية السوداء لمعالجة حصار غزة ومعاناة الفلسطينيين، بينما حملت أعمال أخرى هموماً اجتماعية وشبابية وإنسانية.

ولعل أكثر ما يميز تجربة معنّا أنه اختار مسرحاً يمشي إلى الناس. لم ينتظر جمهوراً يدخل صالة مغلقة، بل أخذ عروضه إلى الهواء الطلق، إلى الكورنيش، وإلى حيث يمكن للناس أن يلتقوا بالمسرح من دون حواجز كثيرة.

اليوم، لا يستطيع فؤاد معنّا أن يمشي إلى الخشبة، لكن فكره ما زال يمشي.

زرته بالأمس، وكان واضحاً أن الجسد لم يعد يمنحه القدرة التي اعتادها طوال سنواته مع المسرح، لكن ذلك لم يكن يعني أن الرجل ابتعد عن المسرح أو استسلم للابتعاد عن الناس. فخلف هدوء المكان، ما زالت هناك أفكار تتحرك، ومشروع جديد يفكر فيه، وحلم يريد أن يمنحه فرصة أخرى للحضور.

إنه مشروع «نلتقي لنرتقي بثقافة الحياة (ع الضيعة لاقونا)»، وهو امتداد، بطريقة مختلفة، لذلك الإيمان القديم بأن الثقافة والفن يمكن أن يذهبا إلى الناس، وأن المسرح ليس مجرد خشبة وستارة وجمهور، بل وسيلة للقاء، وللتعبير، ولصناعة الأمل، ولتعزيز ثقافة الحياة.

وهنا ربما تكمن أجمل مفارقات تجربة فؤاد معنّا اليوم: الرجل الذي أمضى عمره وهو يحاول أن يقرّب المسرح من الناس، لم يعد قادراً على الحركة كما كان، لكنه ما زال يفكر في مشروع يقرّب الناس من الثقافة، ومن الفن، ومن بعضهم بعضاً.

ثمة شيء آخر تركه معنّا يمشي نيابة عنه: تلامذته، ومحبو مسرحه، وذكريات الذين وقفوا معه تحت الضوء، والأفكار التي لم تنتهِ بانتهاء عرض أو إسدال ستارة.

فالمخرج الذي أمضى سنوات في إعطاء الآخرين فرصة الظهور، ترك وراءه جيلاً يحمل شيئاً من تجربته. وربما تكون هذه هي الجائزة الأجمل التي يمكن أن ينالها مسرحي في نهاية الطريق: أن يستمر العرض، حتى عندما يعجز صاحبه عن الوقوف.

ومن بيته، حيث يقضي اليوم وقته بعيداً عن صخب المسرح، يستحق فؤاد معنّا أن تصل إليه تحية الذين عرفوه وعملوا معه وشاهدوا عروضه، وتحية أولئك الذين صعدوا الخشبة للمرة الأولى لأنه آمن بموهبتهم.

ولعله يستحق أيضاً تحية خاصة على ذلك الإصرار الذي لا يزال يدفعه إلى التفكير في مشروع جديد، وكأن المسرح بالنسبة إليه لم يكن مهنة تنتهي، ولا خشبة يغادرها صاحبها، بل طريقة في النظر إلى الحياة.

سلامتك يا فؤاد معنّا…

لقد أمضيت عمراً تفتح الستارة للآخرين، واليوم، وإن لم يعد الجسد قادراً على الوصول إلى الخشبة، فما زال الفكر يكتب فصلاً جديداً.

وما زالت الستارة مفتوحة.

ليس فقط بما تركته من أثر، وإنما بما تفكر فيه مجدداً، عبر مشروعك الجديد: «نلتقي لنرتقي بثقافة الحياة (ع الضيعة لاقونا)».

لأن بعض المسرحيين لا يغادرون المسرح حين يغادرون الخشبة، بل يحملونه معهم أينما كانوا

 

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الشاعر السوري الدكتور رضا رجب.. مسيرة حافلة بالعطاء الأدبي والأكاديمي

إعداد: محمد عزوز     يُعدّ الشاعر السوري الدكتور رضا بلال رجب واحداً من الأسماء الأدبية التي تركت حضوراً واضحاً في المشهد الشعري والثقافي السوري ...