دمشق: رولا فايز خليل
لم تعد عودة الطيران المدني السوري إلى مساره الطبيعي مجرد ملف خدمي يتعلق بالرحلات والمطارات، بل أصبحت جزءًا من مسار أوسع يرتبط بموقع سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، وبقدرتها على استعادة شبكة علاقاتها الجوية وفتح مسارات جديدة أمام حركة المسافرين والتجارة والاستثمار.
فالطائرة التي تقلع من مطار سوري لا تختصر فقط رحلة بين نقطتين، وإنما تعكس عمل منظومة متكاملة تبدأ من سلامة الأجواء والملاحة الجوية، مرورًا بالمطارات والخدمات الأرضية والبنية التحتية، وصولًا إلى الاتفاقيات الدولية والعلاقات مع شركات الطيران وسلطات الطيران المدني في الدول المختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبدو التحولات التي يشهدها قطاع الطيران المدني في سوريا خلال المرحلة الراهنة أوسع من مجرد زيادة في عدد الرحلات أو عودة بعض الوجهات، إذ تتصل بإعادة تأهيل قطاع حيوي واستعادة دوره كإحدى قنوات التواصل الرئيسية بين سوريا ومحيطها الإقليمي والدولي.
وتعمل الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في هذا الإطار على عدد من الملفات المرتبطة بإعادة تنشيط القطاع، في مرحلة تواجه فيها منظومة الطيران تحديات فنية وتشغيلية وبنيوية متراكمة.
وقد شهد قطاع الطيران خلال الأشهر الماضية خطوات على أكثر من مسار، شملت العمل على تطوير المطارات وتأهيلها، وتعزيز حركة العبور في الأجواء السورية، وتوسيع التعاون مع عدد من الدول وشركات الطيران، إلى جانب السعي إلى إعادة الربط الجوي مع وجهات إقليمية ودولية.
وتشير طبيعة هذه الملفات إلى أن معالجة واقع الطيران لا يمكن أن تقتصر على جانب واحد، فالمطار يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب الحركة، والرحلات تتطلب منظومة سلامة وملاحة مؤهلة، بينما ترتبط إعادة فتح الوجهات بالاتفاقيات الثنائية والعلاقات الجوية والتنسيق مع الناقلات وشركات الطيران.
وفي هذا السياق، يتولى عمر الحصري، رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، إدارة عدد من هذه الملفات خلال المرحلة الحالية، في ظل الحاجة إلى التنسيق بين الجوانب الفنية والتنظيمية والعلاقات مع الجهات المعنية بالطيران المدني.
وتشير المعطيات المعلنة خلال الفترة الماضية، وفق ما نشرته وكالة سانا، إلى تطورات في العلاقات الجوية السورية مع عدد من الدول، من بينها ألمانيا والسعودية والأردن، إلى جانب مباحثات وتعاون مع جهات دولية تتعلق بتطوير قطاع الطيران وتحسين مستوى الخدمات والربط الجوي.
كما تمثل حركة العبور في الأجواء السورية أحد المؤشرات المرتبطة باستعادة جزء من الدور الذي يمكن أن يؤديه الموقع الجغرافي لسوريا في حركة النقل الجوي الإقليمية. وأعلنت الهيئة عن مؤشرات على تزايد تدريجي في استخدام الأجواء السورية، بالتوازي مع العمل على رفع الجاهزية الفنية وتعزيز تطبيق معايير السلامة الجوية.
الموقع الجغرافي… فرصة مرتبطة بتطوير البنية التحتية
تمتلك سوريا موقعًا جغرافيًا يمكن أن يمنح قطاع الطيران أهمية اقتصادية واستراتيجية، بحكم وجودها بين شرق المتوسط والداخل العربي وقربها من عدد من الأسواق الأوروبية والخليجية.
إلا أن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب توفير بنية تحتية قادرة على دعم حركة جوية أكبر، إلى جانب تطوير المطارات والخدمات، وتوسيع شبكة الوجهات، ومواءمة الأطر التنظيمية مع المعايير الدولية المعتمدة في قطاع الطيران.
وتعني إعادة بناء قطاع الطيران، في هذا السياق، عملية متدرجة تشمل تأهيل البنية التحتية، وتطوير الكوادر، ورفع مستوى الخدمات، والعمل على استعادة العلاقات مع شركات الطيران والجهات الدولية.
من إدارة الحركة الحالية إلى بناء منظومة أكثر استدامة
تتجاوز مهام الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي إدارة الحركة الجوية القائمة، لتشمل العمل على تطوير بيئة أكثر قدرة على استيعاب النمو المستقبلي في حركة النقل الجوي.
وفي هذا الإطار، يأتي عمل إدارة الهيئة ضمن مجموعة من الملفات التي تشمل إعادة تشغيل وتطوير المطارات، وتنشيط العلاقات الجوية، وتحسين مستوى الخدمات، وزيادة الاستفادة من الأجواء السورية كممر للنقل الجوي الإقليمي.
وتعزز الدور الرسمي للحصري مع تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي بمرتبة وزير في نهاية عام 2025، بعد تعيينه رئيسًا للهيئة في العام نفسه. ووفق السيرة المنشورة رسميًا عبر وكالة سانا، يمتلك الحصري خبرة في قطاع الطيران، إلى جانب خلفية أكاديمية في علوم الطيران وإدارة الأعمال.
لكن التحديات التي تواجه قطاع الطيران السوري لا تزال واسعة، ولا تقتصر على إعادة تشغيل الرحلات أو فتح وجهات جديدة. فاستعادة النشاط تحتاج إلى استمرار العمل على البنية التحتية، ومعايير السلامة، والكوادر المتخصصة، والخدمات الأرضية، والعلاقات مع شركات الطيران، إضافة إلى استقرار البيئة التشغيلية والتنظيمية.
ومن هنا، فإن تقييم المرحلة المقبلة لن يرتبط بعدد الرحلات وحده، وإنما بمدى قدرة منظومة الطيران على تحسين تجربة المسافر، وتقديم خدمات أكثر كفاءة لشركات الطيران، وتوفير بيئة تساعد على نمو حركة التجارة والسياحة والاستثمار.
فالمطار ليس مجرد منشأة لاستقبال المسافرين ومغادرتهم، وإنما يمثل إحدى الواجهات التي تتواصل من خلالها الدول مع محيطها والعالم.
ولهذا فإن استعادة نشاط الطيران المدني السوري تتجاوز إعادة الطائرات إلى المدارج، لتتصل بإعادة بناء شبكة من العلاقات والمسارات الجوية التي تربط سوريا بمحيطها الإقليمي والدولي.
ومع اتساع شبكة الرحلات والوجهات، يمكن للطيران أن يشكل أحد المسارات المساندة لعودة الحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية، شرط أن تترافق هذه الخطوات مع تطوير مستمر للبنية التحتية والخدمات والمعايير التشغيلية.




(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

