بقلم: المهندس محمود محمد صقر
دخلتُ مدينةً لم أرَ مثلها من قبل.
كانت حديثةً إلى درجة أنني ظننتُ أن الإنسان فيها قد تخلّص أخيرًا من أصنامه القديمة.
لا تماثيل في الساحات.
لا معابد فوق الجبال.
لا دخان بخور يصعد إلى السماء.
ولا أحد يحمل قربانًا إلى إلهٍ من حجر.
ومع ذلك، شعرتُ أن شيئًا ما كان يُعبد.
لم أعرف ماذا.
مشيتُ في المدينة طويلًا، حتى رأيتُ أربعة أبنية غريبة.
كانت تشبه المعابد، لكنها بلا أبواب.
وكان الناس يدخلون إليها ويخرجون منها كل يوم، كما يدخل العابد معبده ويخرج منه، دون أن يخطر ببال أحدٍ أنه كان يعبد شيئًا.
اقتربتُ من الأول.
كان مملوءًا بالأرقام.
أرقام على الجدران، وأرقام على الشاشات، وأرقام في أيدي الناس.
كانوا يعدّون ما يملكون، ثم يعدّون ما ينقصهم، ثم يعودون إلى العدّ من جديد.
رأيتُ رجلًا خرج من المعبد، فسألته:
ـ ماذا تطلب هنا؟
قال:
ـ الأمان.
قلت:
ـ وهل وجدته؟
نظر إلى يديه، ثم إلى الشاشة في يده، وقال:
ـ ليس بعد.
ـ ومتى تجده؟
قال:
ـ عندما أملك ما يكفي.
سألته:
ـ وكم يكفيك؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
ـ أكثر مما أملك.
فهمتُ أنني أمام صنم المال.
لم يكن يعد الناس بالسعادة، كان أكثر ذكاءً من ذلك.
كان يعدهم بالأمان، ثم يتركهم يخافون من فقدانه.
قلتُ له:
ـ ومتى يكتفي الإنسان بك؟
فضحك وقال:
ـ عندما يتوقف عن الخوف.
فقلت:
ـ وهل يتوقف؟
قال:
ـ لهذا أنا باقٍ.
تركتُه ومضيت.
دخلتُ المعبد الثاني.
لم تكن فيه أرقام كثيرة.
كانت فيه مرايا.
مرايا في كل مكان.
والناس أمامها لا يرون وجوههم، بل يرون وجوهًا أخرى يتمنون أن تصبح وجوههم.
رأيتُ امرأةً تحدّق في صورتها طويلًا.
قلتُ لها:
ـ ماذا تبحثين؟
قالت:
ـ عن الجمال.
قلت:
ـ ألا ترينه؟
قالت:
ـ أراه… لكنني أريد أن يراه الآخرون.
عندها أدركتُ أن الأمر لم يعد يتعلق بالجسد، بل بنظرة الإنسان إلى نفسه من خلال عيون الآخرين.
التفتُّ إلى المعبد وقلت:
ـ لماذا يركض الناس خلفك؟
فقال:
ـ لأنني جعلتهم يخافون من المرآة.
فسكتُّ.
وعلمتُ أن الإنسان حين يصبح أسيرًا لصورة جسده، لا يعود يملك جسده.
تصبح المرآة سجنًا، ويصبح الخوف حارسًا.
خرجتُ.
وكان المعبد الثالث أكثر ضجيجًا.
لم يكن الناس فيه ينظرون إلى أنفسهم، بل إلى الآخرين.
كل عين تنتظر عينًا أخرى.
كل هاتف ينتظر إشعارًا.
كل وجه ينتظر أن يظهر في مكان ما.
سألتُ شابًا كان يحدّق في هاتفه:
ـ ماذا تنتظر؟
قال:
ـ أن يراني الناس.
قلت:
ـ وإذا لم يروك؟
رفع رأسه إليّ.
كان السؤال أكبر من الهاتف.
قال:
ـ كأنني لم أكن.
فهمتُ.
هذا صنم الشهرة.
إنه لا يمنح الإنسان وجودًا، بل يقنعه بأن وجوده يحتاج إلى شهود.
قلتُ له:
ـ ولماذا يحتاج الإنسان إلى أن يراه الجميع؟
قال:
ـ لأنني جعلته ينسى أن يعرف نفسه حين يكون وحيدًا.
سكتُّ.
فقد أدركتُ أن هناك فرقًا بين أن تكون، وبين أن تحتاج إلى أن يراك الآخرون لكي تصدّق أنك موجود.
ثم وصلتُ إلى المعبد الرابع.
كان أهدأ من المعابد الثلاثة.
لا ضجيج فيه.
لا مرايا.
لا أرقام.
كانت فيه كتب ومختبرات وأجهزة، وأناس يطاردون أسرار العالم.
اقتربتُ من رجلٍ يجلس أمام شاشة كبيرة.
قلت:
ـ ماذا تريدون؟
قال:
ـ أن نفهم.
ـ ماذا؟
قال:
ـ كل شيء.
قلت:
ـ وهل فهمتم كل شيء؟
ابتسم:
ـ ليس بعد.
ـ وما الذي بقي؟
قال:
ـ ما زلنا نبحث.
أعجبتني إجابته.
لكنني سألته:
ـ وماذا لو وجدتم شيئًا لا تستطيعون تفسيره؟
قال:
ـ نبحث أكثر.
قلت:
ـ وماذا لو ظل بلا تفسير؟
صمت.
ثم قال:
ـ عندها نقول: لا نعرف.
ابتسمت.
فقد وجدتُ في ذلك المكان شيئًا لم أجده في المعابد الأخرى:
التواضع أمام المجهول.
لكنني التفتُّ إلى رجلٍ آخر كان يقف قريبًا منا، فقال:
ـ لا يوجد شيء لا يستطيع العلم تفسيره.
عندها عرفتُ أنني أمام الوجه الآخر.
لم يكن العلم عدوًا للإنسان، بل كان من أعظم ما منحه الإنسان لنفسه.
لكن الخطر يبدأ حين يتحول العلم من طريقٍ إلى الحقيقة، إلى ادعاءٍ بامتلاك الحقيقة.
قلتُ له:
ـ وماذا لا تعرف؟
قال:
ـ كل ما لم أكتشفه بعد.
قلت:
ـ وهل ما لم تكتشفه غير موجود؟
صمت.
فهمتُ.
ليست مشكلة العقل أن يعرف كثيرًا؛
مشكلته أن ينسى كم بقي عليه أن يعرف.
خرجتُ من المعبد الرابع، ووقفتُ وسط المدينة.
نظرتُ إلى المعابد الأربعة وفكرت:
لم يعد للإنسان أصنام من حجر.
لقد أصبح أكثر حداثة.
صار يصنع أصنامه من الأشياء التي يخشى أن يعيش من دونها.
صنمٌ يعده بالأمان.
وصنمٌ يعده بأن يراه الآخرون.
وصنمٌ يجعله يطارد صورةً لا يبلغها.
وصنمٌ يقنعه بأن المجهول لا بد أن يكون قابلًا للسيطرة.
لكنني بقيتُ أسأل:
فمن الذي يعبد من؟
هل نحن نستخدم المال، أم أصبح المال يستخدمنا؟
هل نطلب الشهرة، أم أصبحت الشهرة هي التي تحدد قيمتنا؟
هل نعتني بأجسادنا، أم أصبحنا نعيش لخدمة الصورة التي نريد أن نبدو عليها؟
وهل نستخدم العلم لفهم العالم، أم نطلب من العالم ألا يكون إلا ما نستطيع تفسيره؟
عدتُ أنظر إلى المعابد.
كانت بلا أبواب.
لم يكن أحد يجبر الناس على دخولها.
كانوا يدخلون بإرادتهم.
وهنا فهمتُ شيئًا أخافني أكثر من وجود الأصنام نفسها:
أخطر الأصنام ليست التي تأمر الإنسان بالسجود،
بل التي تجعله يسجد… وهو يظن أنه واقف.
ثم رأيتُ شيئًا لم أره عند دخولي.
كانت بين المعابد طرقٌ خفية.
طريقٌ يصل المال بالشهرة.
وطريقٌ يصل الشهرة بالصورة.
وطريقٌ يصل الصورة بالعلم.
وطريقٌ يعود من العلم إلى المال.
توقفتُ.
ورأيتُ المدينة كلها كأنها دائرة واحدة.
عندها خطر لي أن المعابد الأربعة ربما لم تكن أربعةً.
ربما كان هناك معبد واحد فقط…
لكن له أربعة وجوه.
فالمال قد يشتري الشهرة،
والشهرة قد تصنع صورة الجسد،
والعلم قد يبيع للاثنين وعدَ السيطرة.
وإذا التقت جميعها، لم يعد السؤال:
ماذا يعبد الإنسان؟
بل:
ماذا يفعل ما يعبده بالإنسان؟
وقفتُ طويلًا.
لم أعرف الجواب.
لكنني عرفتُ شيئًا واحدًا:
ربما لا تبدأ عبادة الصنم حين ننحني أمامه…
بل حين ننسى أننا نحن الذين صنعناه.
نظرتُ إلى المعابد مرةً أخيرة.
ثم سألتُ نفسي:
فإذا كان الإنسان هو الذي يصنع أصنامه…
فماذا يحدث حين تبدأ أصنامه بصناعة الإنسان؟
لم أعرف الجواب.
ولم أسأل المدينة عنه.
تركته للسؤال.
وتركت السؤال لكم.
يتبع…
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

