آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » الكفرون… عطر الجبال ودفء الينابيع

الكفرون… عطر الجبال ودفء الينابيع

عدنان كامل الشمالي

 

 

 

حين يتجه الزائر شمال غربي مدينة صافيتا، يبدأ المشهد بالتبدل تدريجيًا؛ فتتكاثف الغابات، ويغدو الهواء أكثر نقاءً، وتنساب الوديان بين التلال الخضراء، حتى تلوح أمامه الكفرون، إحدى أشهر المصايف السورية التي جمعت بين الطبيعة الغنّاء، والتاريخ العريق، وسحر الريف الهادئ.

تقع الكفرون في ناحية مشتى الحلو التابعة لمنطقة صافيتا في محافظة طرطوس، وتبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن مشتى الحلو، وستة عشر كيلومترًا عن صافيتا، ونحو ثمانية وأربعين كيلومترًا عن مدينة طرطوس. ويمنحها موقعها القريب من وادي النضارة أهمية خاصة، إذ تتوسط عددًا من أبرز البلدات والقرى السياحية في المنطقة، وتشكل نقطة انطلاق مثالية لاستكشاف قلعة الحصن، ومرمريتا، ومشتى الحلو، وغيرها من المواقع الطبيعية والتاريخية.

ويرجع اسم الكفرون إلى اللغة الآرامية؛ فكلمة «كفر» تعني القرية أو الحارة، بينما جاءت اللاحقة «ون» للدلالة على التصغير أو التجمع. ومن هنا ارتبط اسم البلدة بما يُعرف محليًا بـ «الكفارين السبعة»، وهي: كفرون رفقة، وكفرون حيدر، وكفرون بدرة، وكفرون زريق، وكفرون نبع كركر، وكفرون بور، وكفرون سعادة. وقد شكّلت هذه القرى المتجاورة عبر الزمن وحدة جغرافية واجتماعية متكاملة.

وتشير الشواهد الأثرية إلى أن الكفرون من أقدم القرى المأهولة في المنطقة، إذ تعود جذورها إلى العصور الكنعانية. ولا تزال المذابح المنحوتة في الصخر، واللقى الفخارية المكتشفة في الموقع القديم قرب مزار الشيخ عبد الله، شاهدة على تاريخها السحيق. كما مرّت بها الحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية، وتركت بصماتها في عدد من المواقع الأثرية والكنائس القديمة المنتشرة في محيطها. ومع اتساع النشاط الزراعي واقتراب السكان من مصادر المياه، انتقلت البلدة تدريجيًا إلى موقعها الحالي خلال القرن التاسع عشر.

وتشتهر الكفرون بطبيعتها الخلابة التي تمتزج فيها الغابات الكثيفة بالوديان الدائمة الخضرة. وتحيط بها ثلاثة جبال رئيسية، أبرزها جبل السيدة العذراء، الذي يرتفع قرابة ستمئة متر فوق سطح البحر، وتعلوه بقايا سور قديم وآثار فينيقية وبيزنطية، إضافة إلى كنيسة تاريخية أصبحت مقصدًا للزوار، ولا سيما في عيد انتقال السيدة العذراء في الخامس عشر من آب، حيث تُقام احتفالات دينية وشعبية تستقطب آلاف الزائرين. كما يجاورها جبل السايح وجبل السن، اللذان يضفيان على المنطقة مشاهد بانورامية آسرة.

ولعل أكثر ما يميز الكفرون وفرة مياهها؛ فالينابيع تتدفق في مختلف أرجائها، ومن أشهرها نبع الشيخ حسن، ونبع العروس، ونبع الشير، إلى جانب ينابيع كركر، والحومة، والصحن، والسارود، وغيرها. وتغذي هذه الينابيع روافد نهر الأبرش، فتمنح الوادي خضرته الدائمة، التي جعلته من أجمل مناطق الساحل السوري. وتنتشر حولها أشجار الدلب، والغار، والسنديان، والزيتون، فتبدو الطبيعة وكأنها حديقة واسعة تمتد على مدّ البصر.

وتزدهر في الكفرون الزراعة بفضل خصوبة التربة ووفرة المياه، فتنتشر بساتين الزيتون، والعنب، والتين، والرمان، واللوز، إلى جانب زراعة الخضراوات والمحاصيل الموسمية. وقد أسهم هذا الغنى الزراعي في الحفاظ على الطابع الريفي الأصيل للبلدة، حيث لا تزال البيوت الحجرية القديمة تتجاور مع المنازل الحديثة وسط البساتين والحدائق، في مشهد يجمع بين الأصالة والتجدد.

أما السياحة، فتُعد إحدى الركائز الأساسية لاقتصاد الكفرون وحياتها الاجتماعية. فقد شهدت البلدة خلال العقود الماضية نهضة عمرانية وسياحية ملحوظة، فانتشرت الفنادق، والمنتجعات، والشاليهات، والمطاعم، والمقاهي التي تستقبل آلاف الزوار كل صيف. ويقصدها المصطافون للاستمتاع بمناخها المعتدل، والتنزه بين غاباتها، وزيارة ينابيعها، وقضاء أمسيات هادئة في أحضان الطبيعة، حتى غدت واحدة من أبرز المصايف في الساحل السوري.

ومن المعالم التي ارتبطت باسم الكفرون أيضًا الجسر الحجري القديم، الذي شُيّد خلال فترة الانتداب الفرنسي فوق أحد المجاري المائية، ولا يزال يحتفظ بطابعه المعماري الأصيل، ليشكل مع الأشجار والينابيع المحيطة به واحدًا من أكثر المشاهد التي يحرص الزوار على توثيقها.

ولم تكن الكفرون مجرد مصيف جميل، بل كانت أيضًا بيئة ثقافية أنجبت عددًا من الأدباء والمفكرين، وفي مقدمتهم الأديب والمفكر حليم بركات، والشاعر فؤاد رفقة، والطبيب والمفكر يوسف الصايغ والصحفي الأديب حيدر علي والشاعر نسيم مسوح حيدر علي والسياسي دانيال نعمة والفنان جورج وسوف وهذه الشخصيات أسهمت في إثراء الحياة الأدبية والثقافية في سورية. كما عُرفت البلدة باهتمامها المبكر بالتعليم والثقافة، وهو ما انعكس على مكانتها الاجتماعية والحضارية عبر العقود.

وهكذا تبقى الكفرون أكثر من مجرد بلدة جبلية؛ إنها لوحة طبيعية نابضة بالحياة، تتعانق فيها الينابيع مع الغابات، ويلتقي فيها عبق التاريخ بجمال الطبيعة، لتظل واحدة من أجمل الوجهات السياحية في وادي النضارة، ومكانًا يترك في ذاكرة كل من يزوره شعورًا بالسكينة، ورغبة صادقة في العودة إليه مرة بعد أخرى

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة السياحة تطلق معرض “HOTUREX Syria 2026” في حلب لتجهيزات الفنادق والضيافة

انطلقت اليوم الخميس في حلب فعاليات النسخة الأولى من معرض HOTUREX Syria 2026 لتجهيزات الفنادق والضيافة والسياحة، برعاية وزارة السياحة، وبمشاركة واسعة من الشركات المحلية والدولية المتخصصة. ...