إلهام عثمان:
مع إطلاق العملة الوطنية الجديدة، نشهد مقاومة مجتمعية طبيعية أو ما يطلق عليه “فوبيا التغيير”، حيث تلامس ذاكرة الناس اليومية وهويتهم الرمزية من وجهة نظر بعضهم، فالارتباط العاطفي بالعملة القديمة يجعل استبدالها يشبه فراق جزء من الماضي، بينما تزيد المخاوف الاقتصادية الحقيقية أو المتصورة من حدة هذا القلق، لا سيما أن التحدي يتضاعف في عصر “الضجيج الرقمي”، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى أدوات تضخيم للشائعات، فتُسقط المعلومات غير الموثَّقة في أذهان الناس كحقائق، ما يعمّق الاضطراب النفسي الجماعي ويوسع فجوة الثقة بين المواطن والقرار الرسمي، وهنا تأتي الثقة لتكون اللبنة الأولى لأي نجاح في هذه الرحلة الوطنية.
لماذا يتردد البعض؟
ومع مقاومة التغير والمشاعر المتذبذبة التي قد يشعر بها الأفراد نتيجة طرح العملة بحلتها الجديدة، أكدت المستشارة والخبيرة النفسية والتربوية مجد آلوسي لـ” الحرية”، أن العملة في الوعي الجمعي ترتبط بأكثر من قيمتها المادية؛ فهي جزء من الرواية اليومية للأفراد، وتحمل رموزاً وطنية وتاريخية ارتبطت بذكريات شخصية وجماعية، هذا الارتباط العاطفي والثقافي يفسر جزئياً التردد الطبيعي الذي قد يصاحب أي تغيير نقدي، خاصة لدى الأجيال التي ارتبطت بعملة محددة لفترة طويلة طويلاً.
من الشعارات إلى القصص الواقعية
وبينت آلوسي أن التجارب تشير إلى أن وضوح الرسالة وبساطتها هما مفتاح التعامل مع المراحل الانتقالية، فعرض تجارب حية لمواطنين تعاملوا بسلاسة مع العملة الجديدة، وإجابات مباشرة على الأسئلة الشائعة عبر منافذ متنوعة، حتماً يبني الثقة ويقلل من الفجوة بين القرار والتطبيق.
كما تبرز أهمية الحوار المفتوح في الأندية والجمعيات والمراكز الاجتماعية كجسور للتواصل المباشر.
لافتة إلى أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستقرار، وأي تغيير في أدواته اليومية يثير ارتباكاً داخلياً، فالعملة القديمة ليست مجرد ورق، بل تحمل رموزاً وصوراً ارتبطت بالذاكرة الجمعية والهوية الثقافية. لذلك، حين يظهر نقد جديد، يشعر كثيرون وكأن جزءاً من تاريخهم يُستبدل.
ويضاف إلى ذلك ضعف الثقافة المالية لدى بعض الفئات، ما يجعلهم أكثر عرضة للشائعات والقصص المتناقلة التي تضخم المخاوف.
فئات تحتاج عناية خاصة
كما ركزت آلوسي في حديثها على أن الانتقال الناجح يستدعي مراعاة احتياجات جميع فئات المجتمع، خاصة كبار السن والأطفال، ويشمل ذلك تصميم العملة الجديدة بوضوح بصري يسهل التمييز، فهم يحتاجون إلى استراتيجيات خاصة تراعي بساطة الفهم وسهولة الاستخدام، كما يمكن أن يكون التصميم البصري للعملة الجديدة واضحاً ومميزاً بالألوان والرموز، ليسهل التعرف عليها، وتنظيم جلسات توعية في المدارس والنوادي الاجتماعية، وتوفير دعم ميداني في المنافذ خلال الفترة الأولى، لافتة إلى أن الهدف هو ضمان أن يكون الانتقال سلساً وشاملاً للجميع.
ترجمة المفاهيم إلى لغة الحياة اليومية
ولفتت آلوسي إلى أن أهمية دور الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين والمفكرين كوسطاء ثقة، وذلك لشرح الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للتغيير بلغة واضحة وبعيدة عن التعقيد، من خلال المشاركة في اللقاءات المجتمعية والبرامج الإعلامية التفسيرية، يمكنهم المساعدة في بناء فهم مشترك، وتعزيز الثقافة المالية، وربط القرارات الكلية بحياة الناس اليومية.
دور المترجم
أما الإعلام، ووفق رأي آلوسي، ينتقل من دور “الناقل” إلى دور “المُترجم”، وهنا المطلوب ليس نقل البيانات الرسمية فقط، بل تفسيرها بلغة السوق والمواطن البسيط، كيف ستؤثر العملة الجديدة على أسعار السلع اليومية؟ كيف ستتعامل البنوك مع التحويلات؟ ما هي ضمانات حماية المدخرات؟ مبينة أن الإجابات عن هذه الأسئلة البسيطة، عبر تقارير تحليلية وحوارات مباشرة مع المسؤولين، هي التي تبني الطمأنينة.
ولفتت آلوسي إلى أن الإعلام يجب أن يلعب دور “المُصحِّح الآني” للشائعات، بالتعاون مع المؤسسات الرسمية، لقطع الطريق على المعلومات المضللة قبل انتشارها، خاصة أن إصدار عملة جديدة هو قرار استراتيجي مرتبط برؤية اقتصادية طويلة الأمد، وليس إجراءً تقنياً عشوائياً، العديد من الدول تلجأ إليه لتحديث أنظمتها النقدية وتعزيز مصداقيتها الدولية. المكاسب الحقيقية، مثل تبسيط السياسة النقدية ورفع مستوى الشفافية المالية، تظهر على المدى المتوسط والطويل”.
النقد الجديد
وختمت آلوسي: مقاومة التغيير النقدي ليست عيباً في المجتمع، بل هي رد فعل طبيعي لكن تجاوز هذه المقاومة يحتاج إلى مزيج من التوضيح العملي، الدعم المجتمعي، والتثقيف المستمر، حين يُدار التغيير من منظور إنساني وثقافي، يصبح النقد الجديد فرصة لتعزيز الثقة والوعي، لا مجرد ورقة جديدة في الجيب.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
